يستطيع رئيس الوزراء أن يقول ما يشاء، سواء أحب الكلام أو ضاق به، ويستطيع زملاؤه وأنصاره أن يقولوا ما يشاءون، فلن يستطيع رئيس الوزراء، ولن يستطيع زملاؤه وأنصاره أن يزعموا أن ذلك الحفل العظيم الذي أقيم في الكونتننتال أول أمس لم يكن لامعًا ولا رائعًا، ولم يكن باهرًا ولا فاخرًا، ولم يكن من هذه المجامع التي ترتفع لها رءوس الزعماء السياسيين، أو تقوم بها حجج الرؤساء الذين يصرفون أمور الحكم على أنهم مؤيدون مظفرون، تمدهم الأمة بما يريدون من تأييد، وتضمن لهم الأمة ما يبتغون من فوز.

يستطيع رئيس الوزراء وأصحابه أن يصطنعوا إيجاز الموجزين، وأطناب المطنبين في وصف ذلك الحفل، ولكنهم لن يستطيعوا بحالٍ من الأحوال أن يثبتوا أنه كان حفلًا يدل على ثقة الشعب، أو يصور حب الشعب، أو يشير ولو من طرف خفي جدًّا إلى أن الشعب ينظر إلى هذه الوزارة القائمة في شيء من العطف، أو فضل من الاكتراث، إنما كانت حفلة وزارة للوزارة، وترحيب الوزارة بالوزارة، وتكريم الوزارة للوزارة.

وما رأيك في حفل يشرف عليه محافظ القاهرة، ويستقبل المدعوين إليه محافظ القاهرة، ويخطب لرئيس الوزراء فيه نقيب الأشراف؟ نقيب الأشراف يخطب في السياسة. هذه آية من آيات العصر الحديث، ومعجزة من معجزات العهد السعيد، ثم يزعم رئيس الوزراء بعد ذلك لمكاتب «الديبا» أن الناس لا ينبغي أن ينتظروا من وزارته أن تأتي بالمعجزات. كلا، بل ينبغي أن ينتظر الناس من هذه الوزارة أن تأتي بالمعجزات؛ لأنها قد أتت بمعجزة أول أمس، فجعلت نقيب الأشراف خطيبًا سياسيًّا، يؤيد الوزارة ويبارك عليها، ويذكر الأزمة ويدور حولها، ويقول ما تعود أن يقول الخطباء السياسيون، وماذا يريد رئيس الوزراء من المعجزات فوق هذه المعجزة الباهرة، والآية الظاهرة، والبرهان القاطع على أن الوزارة تستطيع أن تستغني عن تأييد المؤيدين، وتشجيع المشجعين، لا من كثرة الأمة؛ فكثرة الأمة ميئوس منها، بل من هؤلاء الخطباء المبرزين في هذه القلة القليلة الضئيلة التي تسمي نفسها حزب الشعب، وتسمي نفسها حزب الاتحاد، ويقودها إلى ميدان الفوز والانتصار صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.

تستطيع الوزارة أن تستغني عن هؤلاء المؤيدين، أو يستطيع هؤلاء المؤيدون المبرزون أن يبخلوا عليها بما يملكون من سحر البيان؛ فهي قادرة على أن تخلق زعيمًا من لا زعيم، وخطيبًا من لا خطيب، وتجعل نقيب الأشراف لا ممثل الأشراف وحدهم، ولا ممثل رجال الدين وحدهم، بل ممثل الأمة كلها في تكريمها والترحيب بها، وتطويق أجيادها بعقود الثناء، فمن طلب من الوزارة معجزة أبهر من هذه المعجزة، وآية أبرع من هذه الآية، فهو مكابر عنيد، ومن استكثر على الوزارة أن تأتي بالمعجزات بعد معجزة الكونتننتال، فهو حاسد مغيظ، ولكن رئيس الوزراء قلنا أمس: متواضع يأتي بالمعجزات، ويطلب إلى الناس ألا ينتظروا منه المعجزات، وأنت تعلم أن من تواضع لله رفعه، فثق بأن الله — عز وجل — قد يرفع رئيس الوزراء، وقد يجري على يديه معجزات أبهر وأبرع من معجزة الكونتننتال، فإذا سمعت بعد اليوم أن حفلًا آخر أقامه وزير الداخلية مثلًا، وخطب فيه من شئت ومن لم تشأ، ممن يستطيعون أو لا يستطيعون أن يخطبوا، فلا تنكر شيئًا، ولا تعجب لشيء، فإنما هي المعجزات يأتي بها رئيس الوزراء، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولكن الأمر الذي يستحق التفكير هو موقف الخطباء المبرزين من زعماء الحزبين الشقيقين، ومن مصاقع البرلمان، ما بالهم لم يكثروا في هذا الحفل؟ وما بالهم لم يخطبوا فيه والحزبان يشتركان في الوزارة، والحزبان يعلنان تأييد الوزارة؟!

فقد زعم الناس أن الذين اشتركوا في الحفل من حزب الشعب لم يبلغوا العشرين. ولسنا ندري كم اشترك في الحفل من حزب الاتحاد، ولكن الذي لا شك فيه هو أن أحدًا من الحزبين الشقيقين لم يرفع صوته العذب الخلاب بقليلٍ من الكلام أو كثير.

وكيف نستطيع أن نفسر إعراض الحزبين عن هذا الحفل، وعن الكلام فيه؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن حزب الشعب يؤيد ولكن في فتور، ويناصر ولكن على دخل؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن ما تم من الصلح بين رئيس الحزب ورئيس الوزراء، إنما كان صلحًا ظاهره فيه الوفاق، وباطنه فيه الخلاف؟ وإذن فهدنةٌ ما عُقد بين رئيس الحزب ورئيس الوزارة تنقضي أو تُستأنف بعد وقت قصير أو طويل، وإذن فالوزارة مخذولة حتى من أنصارها، منبوذة حتى من أوليائها الأقربين.

كل هذا ممكن، ولكن هذا كله لا يضر الوزارة شيئًا، ما دامت قادرة على أن يخطب لها نقيب الأشراف، وما يضر الوزارة أو ينفعها أن تلقى من الحزبين الشقيقين تأييدًا أو خذلانًا، وأي فرق بين تأييد الحزبين الشقيقين وتأييد نقيب الأشراف؟ إلا أن في تأييد نقيب الأشراف بركة ليست في تأييد الرئيسين العظيمين: صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.

رئيس الوزراء عاجزٌ إذن عن أن يظفر بتأييد الأولياء رغم ما يملك من قوة وبأس، وما يطلق لسانه به من وعيد ونذير، ورئيس الوزراء عاجز بالطبع عن أن يظفر بتأييد الشعب؛ فالشعب لا يؤخذ بوعيد ولا نذير، والشعب لا تغريه الوعود، وإن صدرت عن وزير المالية، والشعب لا تطمعه الأماني، وإن أفعمت بها الصحف، وامتلأت بها الأفواه، والشعب يعلم أين يضع حبه، ولمن يبذل تشجيعه وتأييده.

والشعب يعلم فيمن يكون الأمل، وممن يكون اليأس، والشعب يعلم أنه إن ذهب صدقي، ففي مصر صدقي آخر، وأن رضاه لا يُشترى بتغيير الأشخاص، وإنما يشترى بشيءٍ آخر أغلى وأعلى، وآثر في القلوب، وأحب إلى النفوس، وهو تغيير السياسة، والشعب ينظر إلى الرئيس الجديد كما كان ينظر إلى الرئيس القديم، والشعب واثق بأن الرئيس الجديد سيسلك طريقه متمهلًا أو متعجلًا، ولكنه سينتهي في غير شك إلى حيث انتهى الرئيس القديم.

ورئيس الوزراء ليس عاجزًا عن أن يحمل الحزبين الشقيقين على تأييده الظاهر الباطن الذي لا مرية فيه، أو أن يحمل الشعب على تأييده، أو تكلُّف تأييده فحسب، بل هو عاجز حتى عن أن يحمل زملاءه الوزراء على أن يؤيدوه. وقد يظهر هذا غريبًا، ولكنه — فيما يظهر — الواقع الذي لا شك فيه؛ فليس من تأييد الوزراء لرئيسهم أن يسيروا معه كما يسير وزير الداخلية ووزير المعارف مع عبد الفتاح يحيى باشا.

رجل يعلن أن وزارته ستُوزِّع العدل بين الناس لا مُتأثِّرة بالهوى ولا مُذْعِنة لميول الأحزاب، ووزير الداخلية يرى ويسمع ما ينزل بخصومه وخصوم وزارته من الظلم في أبي جرج، وفي غير أبي جرج، فلا يُصلحه ولا يرفعه، ولا يحاول له تغييرًا أو تبديلًا. أمُتَحَدٍّ هو لرئيس الوزراء؟ أم مُتَّفق هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

رجل يعلن أن المصريين جميعًا سيَظفرون بالعدل، وستُنفَّذ فيهم أحكام القانون بالنزاهة والقسط، ثم تأتي مديرية من مديريات الأقاليم فتُخضِع عددًا ضخمًا من المصريين لحكم «قره قوش»، ولظلمٍ صارخٍ لا يُقرُّه قانون ولا يرضاه دين: تتحكم في أزيائهم، وتُسلِّط عليهم العمد والخفراء، ويُكرِههم المفتشون على أن يقولوا غير ما يعتقدون، وتأخذهم بأن يكرهوا ويقولوا: إنهم راضون، ويبتئسوا ويقولوا: إنهم مبتهجون، ويشكوا ويقولوا: إنهم يستزيدون من الظلم ويطمئنون إليه، ووزير الداخلية لا يغير من هذا شيئًا، ولا يقول في هذا شيئًا، كأنما أصبح إقليم الدقهلية دولة مستقلة تقف عند أحكام الدستور المصري والقانون المصري. أمُتَحَدٍّ وزير الداخلية لرئيس الوزراء، أم متفقٌ هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

رجلٌ يعلن إلى الناس أن وزارته ستكون وزارة العدل والإنصاف واحترام القانون، ثم يأتي وزير المعارف فيتجاوز القانون في أمر معهد هو أحق المعاهد أن تحترم فيه القوانين. ولا يكتفي بتجاوز القانون وحده، بل يريد أن يشرك فيه اللجنة المالية ومجلس الوزراء، ويكتب إليهما في ذلك كلامًا أقل ما يوصف به أنه محتاج أشد الاحتياج إلى كثيرٍ من النزاهة، وإلى كثير من تصوير الحق وملاءمة العدل. فإذا نشر هذا الكلام في الناس سكت الوزير، وسكت رئيس الوزراء، أمُتَحَدٍّ وزير التقاليد لرئيس الوزراء أم متفقٌ معه على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

كلا، ليس هناك تحدٍّ، وليس هناك اتفاق، وإنما هي الأمور تجري كما تستطيع، وهم الوزراء يجرون مع الأمور كما يستطيعون، فهل رئيس الوزراء عاجز عن ضبط الأمور، عاجز عن ضبط الوزراء، كما أنه عاجز عن كسب التأييد من الحزبين الشقيقين، وكما أنه عاجز عن كسب التأييد من الشعب؟

رئيس الوزراء رجلٌ طيبٌ تخذله الظروف، ويخذله الناس، والناس والظروف يتواطئون على خذلانه، وهو راضٍ بذلك، مطمئنٌّ إليه، يسكت حينًا، ويعلن حينًا آخر أن للحكومة جهدًا، ولكنه محدود، وأن الناس لا ينبغي أن ينتظروا منه ولا من وزارته المعجزات. وقد تسألني بعد ذلك ما بقاء الرئيس في الحكم وهو مخذول إلى هذا الحدِّ، عاجزٌ إلى هذا الحدِّ، ولكني لا أدري لِمَ تُوجِّه إليَّ أنا هذا السؤال. وجِّهْهُ إن شئتَ إلى رئيس الوزراء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.