لولا أن القراء يعرفون صحيفة المصري ويعرفون الشيخ محمودًا — نعني أبا الفتح — لخُيِّل إليهم من قيام الصحيفة وقعودها بحكاية الأحكام العرفية أنها تتهالك عشقًا وهيامًا بالحرية في سبيل المصلحة العامة.

ولكن القراء يعرفون صحيفة «المصري» التي هي للمصريين، ويعرفون الشيخ محمودًا — نعني أبا الفتح — ويعرفون أنها لا تقيم وزنًا للحرية ولا للمصلحة العامة فيما تكتب عن الأحكام العرفية وعما هو أخطر من الأحكام العرفية، وهو قضية البلاد.

فالأحكام العرفية لا تمنع «المصري» أن تكتب ما تشاء، ولا تحول بين إنسان يحترم القانون وبين مباشرة عمل من أعماله التي يباشرها في ظل جميع الأحكام.

والمصلحة العامة تقتضي من صحيفة المصري كلامًا كثيرًا هي حرة في كتابته متى شاءت على الوجه الذي تراه.

فمن المصلحة العامة أن تستوفي الدولة ضرائبها، وهي في حاجة إلى المال وفي حاجة إلى فرض الضرائب الجديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتنفيذ برامج الإصلاح.

ومن المصلحة العامة أن تتيسر ضرورات المعيشة لجميع المصريين والفقراء منهم على الخصوص.

ومن المصلحة العامة أن يشعر الناس باحترام القانون وقيامه بين جميع المصريين على سُنَّة المساواة.

ولكن صحيفة المصري — التي هي للمصريين — ترى هذه المصلحة العامة تُدَاسُ بالأقدام في كل يوم ولا تَنبِس بكلمة واحدة، بل تعمل ما تستطيع للمساعدة على ضياعها والسكوت عن الضرر الذي يلحق بها.

ترى أن أحمد عبود باشا يؤخِّر للدولة عدة ملايين من الجنيهات ثَبَتَ استحقاقها بحكم القضاء وموافقته هو نفسه على تسوية الخلاف في شأنها بينه وبين الحكومة.

ترى أن سعر أقة السكر يرتفع إلى عشرين قرشًا، وينقطع السكر كلَّ الانقطاع في بعض البلاد، وتسري عدوى الغلاء منه إلى غيره من الحاجيات.

ترى أن أحمد عبود باشا يحسب على الدولة ثمن المولاس الذي يحرقه ليعطِّل المعامل التي تنافسه في بعض الصناعات.

ترى أن جرأة عبود باشا على القانون قد جرَّأت غيره عليه؛ فعادت السوق السوداء إلى الرواج بعد أن آذنت بالكساد.

ترى ذلك كله ولا تنبس بكلمة واحدة، بل تنشر الكلام الطويل في الثناء على صاحب هذه التصرفات.

فلماذا هذا السكوت؟ هل أوجبته عليها الأحكام العرفية؟ هل في بنود الأحكام العرفية بند واحد يمنعها أن تغار على المصلحة العامة وتُطالب للدولة بحقها وتطالب للشعب بحقوقه؟

إن الأحكام العرفية لا تمنعها أن تحارب الغلاء وتحارب الجرأة على القانون والمصلحة العامة، ولكنها لا تعمل للمصلحة العامة، ولا يهمها أمر القانون، ولا تبالي أن تسخر أقلامها لهدم حرية الوطن كله، وهي تبدو للناس كأنها تحترق من الولع بالحرية والقول الصراح!

ولقد كان بِوُدِّنا لو تستطيع الأحكام العرفية أن تمنع جميع الأضرار التي تتعرض لها قضية الوطن والحرية.

إذن لكان في مقدمة الكلام الممنوع ذلك الكلام المريب الذي عكفت المصري على ترويجه من بضعة أشهر تمهيدًا للتهاون في أمر الاستقلال وتوكيدًا لدوام الاحتلال.

ولكن الأحكام العرفية لا تمنع هذا مع الأسف ولا تحول بين «المصري» وحريتها في العبث بقضية البلاد ومصلحة البلاد وأرزاق الضعفاء من أبناء البلاد.

***

لغير الحرية والمصلحة العامة تقوم المصري وتقعد بحكاية الأحكام العرفية.

ولغير الحرية والمصلحة العامة يقوم أناس آخرون ويقعدون بهذه الحكاية التي لم يعهد من أمثالهم أن يهتموا بها لغير غرض مريب.

فهناك المأجورون للشيوعية بين زمرة هؤلاء الذين يكتبون في المسائل العامة لغير وجه الوطن ولغير وجه الله.

هناك أناس مستأجرون لترويج الشيوعية وخدمة مآربها التي تنحصر في إطلاق عناصر الشغب وإعادة الفوضى التي قمعتها الأحكام العرفية في إبَّانها.

هؤلاء يعلمون أن معاهد التعليم جميعًا كانت مقدمة على الخراب العاجل بتحريض المشاغبين من دعاة الشيوعية والإرهاب.

يعلمون أن مصانع البلاد كانت مهددة بالتعطيل والإفلاس من جرَّاء الفتنة التي أشاعها أولئك المشاغبون.

يعلمون أن عناصر الهدم قد اندسَّت وتغلغلت بين الجماعات لتحطيم كل ركن في هذا البلد من أركان الطمأنينة والاستقرار.

يعلمون هذا ويعلمون أنه كله حركة مختلفة يدبِّرها أولئك المشاغبون المأجورون، ولا حاجة إلى دليل على ذلك غير انقضاء هذه الحركة الوبيلة بعد اعتقالهم أو إقصائهم عن مراكز نشاطهم في المصانع ودُور التعليم.

يعلمون هذا ويقبضون أجرهم لتمكين الشيوعية وعناصر الهدم من الرجعة بالبلاد إلى مثل تلك الفوضى ومثل ذلك الخراب.

إن الأحكام العرفية زائلة لا محالة متى حلت محلَّها تشريعات تحمي البلاد من غوائل ذلك الوبال، ولكن الحكومة والأمة معًا في أشد الحاجة إلى كشف الحجاب عن دعاة الهدم والخراب بمختلف الذرائع ومختلف الأسباب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.