منذ عدة أسابيع نشرت جريدة الطان الفرنسية عدة بحوث عن شباب البلاد المختلفة في الشرق، وكان أحد هذه البحوث خاصًّا بمصر، وقد تناول كاتبه من بين طوائف المفكرين في مصر أولئك الذين تعلموا في أوربا، والذين يتولون قيادة الرأي العام في مصر، ثم أبدى دهشته مما يبدي هؤلاء المفكرون المتعلمون في أوربا من رغبة عن الحضارة الأوربية إلى الحضارة الإسلامية، ومن عدم الميل إلى الأجانب المقيمين بمصر، بل من مقت لهؤلاء الأجانب، ولسنا نريد أن نتحدث في هذا البحث عن الدعوة إلى الحضارة الإسلامية عند هؤلاء المفكرين والأسباب التي أدت إليها، ولكنا نريد أن نبحث هذا الذي يقول كاتب الطان من كراهية هذه الطائفة من المتعلمين للأجانب، ودعوتهم مواطنيهم إلى هذه الكراهية.

ويجب قبل أن نبدأ هذا البحث أن نذكر أن عبارة كراهية الأجانب أو التعصب ضد الأجانب مما يسميه الفرنسيون Xenophobie هي بعض تلك التهم التي يوجهها الأجانب وتوجهها السياسة الأجنبية إلى الشرقيين في البلاد المختلفة، وتريد أن تجعل سببها انحطاط هذه الشعوب وتأخرها تأخرًا يجعلها لا تفهم التسامح، وقد طالما ألقيت هذه التهمة في مناسبات مختلفة، واتُّخذت تكأة لإجراءات قمع أحيانًا ولتحقيق مطامع سياسية أحيانًا أخرى، أما اليوم وكاتب الطان يوجهها إلى فريق المسلمين الذين تعلموا في أوربا فإنها قد انتقلت من أن تكون مظهرًا من مظاهر الانحطاط والتأخر لتكون عاطفة قومية ملابسة لأكثر الطوائف رقيًّا وتهذيبًا في مصر والشرق، أفتراها مع ذلك تظل تهمة وضيعة تُرمى بها شعوب الشرق وتُتخذ سببًا للقول بانحطاط تلك الشعوب وتأخرها؟ أما أنها قد أصبحت — بعد أن صارت بعض ما ينادي به المتعلمون في أوربا وما يدعون إليه — أجل خطرًا وأعظم مكانة مما كانت، وقد صارت تدل على اتجاه فكري يجب أن تحسب السياسة الأوربية، وأن تحسب السياسة الشرقية، له حسابه؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نفهم ما الذي يقصد إليه الغربيون من تهمة التعصب ضد الأجانب أو كراهية الأجانب، أو ما شئت مما تحتمل كلمة «الإكزنوفوبي» من معنى. إنهم يقصدون، أو كانوا يقصدون، أن المصريين لا يقبلون على الأجانب ولا يعتبرونهم أصحاب حق في مصر كأبناء مصر، مع أن للأجانب على مصر من فضل ما لا يجوز إنكاره، ولهم من الجميل على أدبائها ما لا يتفق والخلق الفاضل جحوده، وهم يتغالون في هذا تغاليًّا يجعلهم يعتبرون مصر في هذا العصر هدية من الأجانب في حضارتها، كما أنها هدية النيل في خصبها وتراثها، ولعل للأجانب الكثير من العذر عما يقولون من هذا، فإلى ما قبل الحرب كان كل مظهر من مظاهر الحضارة في مصر مجلوبًا إليها من الخارج، ومجلوبًا على أيدي الأجانب، وكان حقًّا أن يقول أي إنسان: إن مصر لو انتُزعت عنها آثار الأجانب لأقفرت ولأصبحت أكواخًا يأوي إليها جماعة المصريين، ولا يزيد أحدهم على أن يكون فلاحًا يحرث الأرض ويزرعها، أما المتعلمون منهم فلا يزيد ما عندهم من علم على قشور جاد الأجانب بها عليهم. كانت هذه الصورة صادقة إلى ما قبل الحرب، وكان الأجانب لذلك على حق حين كانوا يتجنون على المصريين بأنهم يجحدون جميلهم حتى لا يعترفون بأنهم مدينون لهم بكل شيء، مدينون لهم بحياتهم، لكن هذا الدين نفسه هو الذي جعل المصريين الذين تعلموا في أوربا وأدركوا قوة أوربا المعنوية وقوتها المادية يثورون لوطنهم ويريدون له مكانًا تحت الشمس كغيره من البلاد الحرة، ويجاهدون جهاد المستميت كي يحققوا له من صور الاستقلال مثل ما لفرنسا وإنكلترا وألمانيا وغيرها من الدول العزيزة الجانب.

وهم في هذا على حق، ولكي تدرك ذلك يجب أن تسأل: هل تُلقى مثل هذه التهمة من جانب الأجانب في فرنسا على أهل فرنسا؟! وهل يعامل الأجانب في إنكلترا أو في فرنسا وفي ألمانيا وفي أي بلد من بلاد العالم كما يعامل الأجانب في مصر؟ وهل يعتبر الأجانب لأنفسهم من الحقوق في تلك البلاد ما يراه الأجانب في مصر لأنفسهم من الحقوق؟ أم أن صفة الأجنبية في كل هذه البلاد المتحضرة من شأنها أن تُنقص من حقوق الإنسان في البلد الذي يعيش فيه، وأن تجعله منظورًا إليه على أنه دخيل يشارك أهل البلاد حقوقهم وأرزاقهم بغير حق؟! الواقع هو أن الأجانب في تلك البلاد يُنظر إليهم هذه النظرة ويعتبرون مزاحمين لأهل البلاد من غير حق، ولذلك تصدر القوانين لتحمي أهل البلاد منهم وتضيق عليهم أشد التضييق، وفرنسا التي تصدر جريدة الطان فيها من أشد البلاد تعصبًا للقومية ومقتًا للأجانب ما استغل هؤلاء الأجانب فيها أموالهم، فأما إن هم أنفقوا فيها أموالًا جاءوا بها من بلادهم فهي ترحب بهم وتبتسم لهم أظرف ابتسامة وأرقها، وتفسح لهم من ميادين إنفاق أموالهم ما إن لجأت مصر إلى شيء منه لاتهمت في أخلاق بنيها وبناتها، فكيف يعتبر حرامًا على مصر ما يعتبر حلالًا لأهل أوربا؟! وكيف تُعتبر تهمًا يواجه بها المصريون ما يعتبر فضلًا يُذكر للأجانب في بلادهم؟

السبب ظاهر، فثروة مصر ليست ملكًا لمصر بمقدار ما هي ملك للأجانب، وأبناء مصر لا يعملون لحساب مصر بمقدار ما يعملون لحساب الأجانب، والفلاح المصري لا يذهب عرق جبينه لخير وطنه بمقدار ما يذهب لخير الأجانب، وإذا قدرت أن الشركات الأجنبية في مصر يبلغ رأس مالها ثمانين مليونًا من الجنيهات، وأن دين مصر العام المملوك أكثره للأجانب يبلغ تسعين مليونًا، وأن المنشآت الأجنبية في مصر ومن بينها المنشآت التبشيرية يقدر رأس مالها بعشرين إلى ثلاثين مليونًا من الجنيهات — لو قدرت هذا وقدرت معه أن الذين يدفعون فوائد رءوس الأموال هذه هم المصريون البؤساء، لأدركت كيف يستطيع الأجانب أن يعتبروا عدم الإيمان بكل ما يقولون عن مصر، وبكل ما يريدون منها تعصبًا ضدهم وكراهية إياهم، أليسوا هم الذين يمسكون بخناق مصر من الجهة الاقتصادية؟ أليست بأيديهم مفاتيح البنوك والشركات والمتاجر الكبرى، فإذا لم تؤمن بكل ما يقولون وتسلم بكل ما يريدون فلا بد من أن تكون ناكرًا للجميل جاحدًا للفضل، وإذا أنت تبرمت بهذه الحال ولم تُعِنْ الأجنبي على أن يزداد كسبه في مصر فأنت متعصب جهول منحط في درجات الحضارة ولو كنت متعلمًا في أوربا، ولو كنت نظير الخبراء المتعلمين فيها.

هل للأجانب مصلحة في أن يجعلوا صلاتهم بالمصريين تقوم على أساس اتهام أبناء البلاد بمثل هذه التهم التي تكال جزافًا؟ إنني أعتقد أن الحماسة في توجيه هذه التهمة للمتعلمين في أوربا لا يمكن تفسيرها إلا بالشعور بأن مجهود هؤلاء المتعلمين لتحرر بلادهم شيئًا فشيئًا خليق بأن يؤتي ثمراته، خليق لذلك بأن يجعل استغلال الأجانب للمصريين أقل ثمرة من الناحية المادية مما هو اليوم، فأنت لا تستطيع أن تقنع أحدًا بأن المتعلمين في أوربا على وجه العموم منحطون في درجة إدراكهم لخير بلادهم، فإذا هم كانوا مع ذلك يرون هذا الضغط الذي يضغط الأجانب على مصر حتى يكادوا يمزقون صدرها فيثور المصريون لوطنهم ولبلادهم، كان هذا هو النذير بأن القومية المصرية تتغذى من ثورتهم النفسية هذه غذاء لا بد ينتج ثمراته في مستقبل غير بعيد، لكن هذا لا يبرر توجيه التهمة لهؤلاء المتعلمين؛ لأن توجيهها إليهم لن يخيفهم ولن يردهم عن رأيهم ولن يضعف دعوتهم مواطنيهم إلى تقوية قوميتهم في الاقتصاد وفي الخلق وفي السياسة وفي كل ما يتصل بوطنهم، فليس جديرًا باسم المتعلم من خشي النضال ومن هاب أن ينزل إلى ميدانه، وهو أسرع إلى النزول إليه إذا دُعي إلى ذلك، ومثل ما جاء في جريدة الطان هو أكثر من دعوة إلى هذا الميدان، هو تحد ظاهر، وما أشك في أن المصريين جميعًا والمتعلمين منهم خصوصًا والمتعلمين في أوربا بنوع أخص يقبلون هذه الدعوة ويجيبون عليها بأنهم يعملون ويجاهدون ليكون الأجانب في مصر في مثل موقف الأجانب في فرنسا وفي إنكلترا وفي أي بلد متحضر، على هذا الأساس هم أصدقاء للأجانب، أما ما دامت الامتيازات وما دام الاستغلال للمصريين، ولعرق جبين الفلاح الذي يدفع من ثمرة عمله للبنك، ولرأس المال الأجنبي أكثر مما ينال لخيره وخير أبنائه، فإن هؤلاء المتعلمين في أوربا والمتعلمين في مصر والمصريين جميعًا يفاخرون بأن توجه إليهم تهمة التعصب «الإكزنوفوبي» ولا يشعرون بأنهم مقصرون حتى يصلوا إلى الغاية التي إليها يقصدون، فتكون مصر للمصريين اقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ولا يكون الأجانب في مصر أكثر من ضيوف تكرمهم مصر بخير صنوف الإكرام، وتكرمهم على أنهم ضيوف لا على أنهم سادة ولا على أنهم متحكمون.

أما بعد فإن المصريين يجب أن لا يخشوا تهمة توجه إليهم، وإنما الواجب أن يخشوا شيئًا واحدًا، ذلك هو حساب الضمير وحساب الوطن وحساب الله، والله قد خلق مصر للمصريين وخلق المصريين في مصر، فمن ضعف العزيمة ومن ضعف الإيمان أن يكون هذا الوطن الذي خلقه الله لنا في سلطان غيرنا، ومن ضعف العزيمة ومن ضعف الإيمان أن نتردد دون استخلاص هذا الوطن ليكون ملكًا لأبنائه بالفعل، ولا يكون أبناؤه أجراء فيه للأجنبي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.