كتاب الإسلام والعرب Islam and the Arabs تأليف الأستاذ روم لاندو Rome Landau واحد من هذه الكُتب التي تصدر في اللُّغات الأوروبية بالعشرات عن الإسلام والعرب منذ الحرب العالمية الثانية، ويسلك مُؤَلِّفُوها في الوصف والتعليق مَسلكًا يُخالف المسلك الذي دَرَجَ عليه سماسرةُ التبشير والمطامع السياسية منذ أوائل القرن التاسع عشر، ولن تزال له بقية تتردَّد من خيرٍ إلى خيرٍ في بعض الكُتُبِ «الرسمية» والشبيهة بالرسمية.

فكُتب التبشير والسياسة وغيرها تتعمَّد التشهيرَ والبحثَ عن المساوئ في روايتها عن أحوال الأمم الإسلامية والعربية، وقرَّاؤها يتطلبون منها هذا التشهير، ويستريحون إليه على سُنَّةِ التقليد التي تَوارثوها من القرون الوسطى.

وعلى غير هذا النمط يكتب الرحَّالون والمُعَلِّقُون من المحدثِين الذين نلمح في مُصنَّفَاتِهم نُزوعًا إلى الإنصاف وإعراضًا عن التلفيق، فإنهم يحاسبون أنفسهم ويشعرون بمحاسبة قُرَّائِهم الذين نشئوا بعد الحرب العالمية متشكِّكين في كل تقليدٍ قديم، ومنه تقليدُ الطعن في الأُمَمِ الأخرى، وبخاصة أبناء الأُمم الشرقية والغرباء عن أوروبا على التعميم.

ويُعزَى هذا التحوُّل إلى أسبابٍ مُنوَّعةٍ، كما ذكرنا في مقالٍ سابق، منها نُشوء تلك الطبقة الحديثة من القرَّاءِ المتحررين من سلطان زُعَمَائِهم الأقدمين، والمتشكِّكين في كلِّ عُرْفٍ مَورُوث يُملِيه أولئك الزعماءُ.

ومِن أسباب التحول غلبةُ الأسلوبِ العلمي وما يُلازمه من مناهج التقرير والتحقيق في عقول الكُتَّابِ والقُرَّاءِ على السَّوَاءِ. فإن هذه المناهج بطبيعتها تفضح مَن يصطنعها ولا يتحرَّى الأمانةَ في اتباعها، وقد يحرص الناشرون كما يحرص الكُتَّاب على سُمْعَةِ بِضَاعتهم بين جَمْهَرَةِ القرَّاءِ العصريين وهم يطلبون غير ما يطلبه قرَّاءُ التبشير وسماسرةُ الاستعمار.

ومِن أهمِّ أسباب التحول سهولة الانتقال بين الأقطار والاختلاط بين الأمم، وصعوبة الإصرار على الأكاذيب في عَالَم تتردد عليه أخبارُ الإذاعة والصحافة من كلِّ طرفٍ وعلى كلِّ صيغةٍ، ويوجد فيه المُرَوِّجُون والمُفَنِّدُون لكلِّ دعوةٍ يتنازعها الأضدادُ المخلصون وغير المخلصين، ومثل هذا العَالَم يفرض على رُوَاتِهِ ومُؤرِّخِيه أسلوبًا لم يكن بالمفروض على الرُّواةِ والمؤرِّخين في العصور الغابرة؛ إذ كان الرَّاوِيَةُ يُلقِي الخبرَ وتمضي عليه الشهور والأعوام قبل أن يتبعه مَن يؤيِّده أو ينفيه، وربما قِيل يومئذٍ عند تكذيب الخبر إن الأمور خليقة أن تتبدل في مدى الشهور والأعوام، فلا يشهد المؤرخ في هذه السنة ما كان يشهده سابقوه قبل بضع سنوات.

وأهم أسباب التحول في أسلوب الرُّواةِ والمُعلِّقِين على أنباء الشرق والإسلام، أو الأمم الشرقية والإسلامية، قد أصبحت في عِداد القوى العالمية التي يُحسَب لها حسابها ويتحرَّج المسئولون وأصحاب الآراء من إغضابها والإساءة إليها. وقد يكون الإنصاف تمحيصًا علميًّا ومصلحة سياسية في وقتٍ واحدٍ، فلا يعدم من الناشرين والقرَّاء مَن يُقبِلون عليه، ولا يعدم من الساسة وذَوي الآراء مَن يشجِّعونه ويميلون إليه.

إلا أن هذا التحول يوشك أن يخدعنا عن الحقيقة كلها إن لم نعرف دلالته بغير مبالغة في قيمته وأثره.

فليس قرَّاء الغرب جميعًا مُنصفين، وليس كلُّ المنصفين منهم مشغولين بأمور الشرق والإسلام، وقد يكون في عالم النشر والتأليف عندهم مَن يُغضِبهم إنصافُ المسلمين والعرب على التخصيص دون أبناء الأمم الشرقية الأخرى الذين يدينون بغير الإسلام ويتكلمون بغير العربية، وقد يعمد هؤلاء المغرضون إلى الإنكار الصامت إذا أَنِسوا بين القرَّاء نفورًا من الإنكار الصريح والافتراء المكشوف.

وينبغي أن نذكر جيدًا أن الصهيونية بالمرصاد، وأنها في ميادين النشر والإعلان أخطبوط لا تَسْلَم من أيديه الظاهرةِ والخفيةِ شعبةٌ من شعب الثقافة، أو الدعوة في القارات الأوروبية والآسيوية والأفريقية، ولا نخال أن هذا العدو اللئيم يرى خبرًا واحدًا مرضيًا عن العرب والإسلام ثم يتركه للنشر والإذاعة إذا تمكَّنَ من طمسه وإخفاء معالمه، وهذا هو الإنكار الصامت الذي نعنيه ونحسبه ميسرًا للصهيونية العالمية وأذنابها في دور النشر والإعلان؛ إذ هو ولا ريب أيسر عليها من الحملة الصريحة التي لا تتيسَّر في جميع الأوقات، حيث تقضي السياسة أحيانًا بمجاملة العرب وأصدقائهم في المعاملات الدولية.

وبين أيدينا مراجع شَتَّى نلمس فيها أصابعَ هذا العدو اللئيم بَيِّنَةً واضحةً تَنِمُّ على أصحابها، ولا يُعقَل أن تحدث عفوًا، ولا أن تُنسَب إلى مصدر غير المصادر الصهيونية.

فمِن المراجع التي ظهرت حديثًا موسوعة شاملة لأصول الأدب والبلاغة في اللغة الفرنسية، تتوسَّع في الكلام عن حركات الثقافة ومدارس الشعر بين القرن الخامس للميلاد ومنتصف هذا القرن العشرين، ولكنها تقتضب القول فجأةً كلما انتهى بها البحث إلى فضل الأدب الأندلسي على مدارس الشعر والغناء في أقاليم فرنسا الجنوبية، فتسكت عن كل إشارة إلى هذا الفضل ولو من قبيل الإلمام بمختلف الأقاويل، وتذكر كلَّ أثر مظنون أو مفهوم إلا ما كان فيه اعتراف بوجود العرب الأندلسيين، أو المشابهة بين منظوماتهم وأغانيهم وبين منظومات الفرنسيين الجنوبيين، وقد اتفقت الآراءُ مع هذا على تأثير الأدب العربي في الأوزان والموضوعات، بل في الأزياء والشارات التي شاعت بين طائفة «التربادور» المشهورين، ولم تكن لهم شهرة قبل ظهور الآداب الأندلسية، وشيوع طرائقها في الغزل والتشبيب.

***

ويشعر القارئ بمثل هذا الاقتضاب، كلما وصل البحث إلى أثر الفلسفة أو الفقه أو مقتبسات الحضارة وفنونها، مع إقحام أسماء اليهود لغير مناسبة هنا وهنالك كما تقحم الرقعة المستعارة، وربما كان منهم تلاميذ معترِفون بتلمذتهم لأساتذتهم الأندلسيين المسلمين.

وإذا احتاجت هذه العداوة المدسوسة وأمثالها من العداوات الصامتة إلى كشفٍ وتنبيهٍ، فلا حاجة بالحملات الصريحة إلى مَن يكشفها ويُنبِّه إليها، وكل ما يصح أن يُقال عنها في هذا الصدد أنها اليوم أقل وأهون من نظائرها قبل الجيل الحاضر، وأنها عُرضَةٌ للاتهام والريبة بين خيرة القُرَّاء.

ولا يخفى أن معرفتنا بالعَالَم لا تغنينا عن معرفة العَالَم بنا، وأننا كلما أحسسنا بأعبائنا في مشتبك العلاقات العالمية وجب علينا أن نتثَّبَتَ من مكاننا بين الأمم، على أساس الفهم والإنصاف، وبخاصة في تلك المسائل التي يرتبط بها كيان الأمة كمسائل العقيدة والثقافة، ومسائل التراث السلفي، والغاية التي ننساق إليها على هدايته في سعينا إلى المصير المنظور.

فإذا نظرنا إلى كتابات الأقوام الغربية عنَّا، فقصارى ما نفهمه من نزعة الإنصاف عند بعضهم أن هنالك استعدادًا لقبول صورة صحيحة عن الإسلام نؤدِّيها نحن ولا يملك أحدٌ غيرنا أن يُحسِن أداءَها، وأننا لا نزال مُطالَبِين بالعمل الحثيث لندفع مكائد الصامتين والناطقين من أعدائنا، وقد صنعوا كثيرًا ولم نكد نحن نصنع شيئًا يُحبِط مكائدَهم، كأنما نُلقِي العبءَ كله على أولئك الكُتَّاب الغرباء الذين نزعوا منزع الإنصاف.

***

ونعود إلى الكتاب موضوع هذا المقال، فنوفيه كلَّ حقِّهِ من التقريظ من وجهة النظر الإسلامية؛ إذ نقول: إنه على مثال الكتب التي يؤلِّفها الغرباء عن الإسلام وتنوب عن كتابة أهله في إبراز محاسنه وتصفية تاريخه من شوائب المسخ والتشويه، لو جاز للمسلمين أن يقنعوا بالإنابة دون الأصالة في هذا المقصد على التخصيص، وهو مِمَّا لا يجوز ولا ترتضيه لنفسها أُمَّةٌ تأنف أن تكون عالةً على الغرباء في أمر من الأمور، وندفع منها أمر الدفاع عن العقيدة والتاريخ.

فالأستاذ «روم لاندو» مَثلٌ صالحٌ للمستشرقين الذين يُقِيمون في البلاد الإسلامية، ويذكرون لها عهد الوفاء بحقوق الصحبة والضيافة، وهو في هذه الخصلة على نقيض أولئك الطرَّاق المسخرين للاستعمار والتبشير، الذين يزورون بلادنا ويعيشون فيها كأنهم يُطِيلون الإقامةَ فيها ليبحثوا عن شيءٍ واحدٍ وهو أسباب التشهير والانتقاص وخفايا العيوب والمثالب، يُبالِغون فيما يجدونه منها ويختلقون ما لم يجدوه، ومهما تكن من حَسنةٍ لهذه البلاد فهي مستترة عنهم أو هم يَسترونها بأيديهم، ولا يذكرونها — إنْ ذكروها — إلا ليجعلوها سبيلًا للمذمَّة وحُجَّةً مموهةً لدعوى الإنصاف والاستقلال.

والأستاذ «لاندو» جَوَّالةٌ رَحَّالَةٌ يطوف حول جوانب الأرض ويجعل اللهَ قبلةً له في مَطافِهِ، كما قال في كتابه الذي أودعه خلاصة رحلاته وزياراته، وسمَّاه «الله وجهة مَطافي» God is my Adventure ولم يَدَعْ فيه مُعتقدًا من مُعتقدات الأُمم يُوصِلُ إلى اللهِ إلا اتَّبَعَهُ ومَضى معه ليبلغ به غاية مداه.

وهذا الكتاب عن الإسلام والعرب ثمرةُ السنوات التي قضاها زائرًا أو مقيمًا في البلاد الأفريقية الإسلامية وأخصها بلاد المغرب الأقصى؛ حيث أطال المقام وكافَأه مَلِكُها بِوِسَامِ العلويين؛ تنويهًا بموقفه من التاريخ الإسلامي والقضايا الإسلامية، وأوجز ما يُقال عن هذا الموقف أنه شمل الماضيَ والحاضرَ في عرض القضايا والمشكلات، وأنه يعرض منها وجهةَ النظر الإسلامية على أوفاها، فإنْ لم تكن وجهة نظره بتفصيلاتها، فهو يُبدي تلك التفصيلات ولا يُخفي شيئًا منها.

ولقد ألَمَّ في هذا الكتاب بعجالة حسنة عن نشأة الإسلام، وسيرة النبيِّ، وبلاغة القرآن، ووسائل نشر الإسلام، ومشكلات العالم الإسلامي السياسية والفكرية، ومنها مشكلة الفلسفة اليونانية والفِرَقُ الدينية وحروب الدول، ثم حروب الصليبيين وغزوات الاستعمار والصهيونية. وقد ندل على منهج الكتاب بنقل طائفة من آرائه نكتفي بترجمتها عن التعليق عليها؛ لأنها تكاد أن تكون تردادًا لآراء المسلمين في مناقشة خصوم الإسلام، وقَلَّ فيها ما يُلجِئ القارئَ المسلم إلى تصحيح أو استدراك.

قال عن إخلاص النبيِّ ﷺ في دعوته: «كان محمدٌ مفطورًا على التدين، مستعدًّا بطبيعته لرسالة الإصلاح التي تلقَّاها في رؤاه ومشاهداته الخفية، وكان مع هذه الفطرة الروحانية رجلًا عمليًّا يفطن ببديهته لما انطوى عليه المزاجُ العربيُّ من قُوةٍ وضعفٍ، ويدرك أن الأناة واجبةٌ في تلقينهم آدابَ الإصلاح، سواء منهم أهل المدن والوبر من الحاضرة والبادية، وقد تأصَّلَ في رُوعِه إيمانٌ بالتوحيد لا يتقبَّل الهوادة ولا المصانعة، وعزيمةٌ صادقةٌ على استئصال كلِّ أثرٍ للوثنيةِ التي فشَتْ في الأمة العربية. وقد كانت رسالة محمد مهمة هائلة جسيمة لا يُقدِم عليها إنسانٌ يصدر في أعماله عن بواعث المنفعة والأنانية، ويرجو أن يحقِّقها بمجهوداته أو بمساعيه الذاتية، ولا شك البتة في بطلان تلك الأكاذيب التي تزعم أن الآيات الموحاة إليه وليدة نوبات من الصرع كانت تنتابه بين آونة وأخرى؛ إذ ليس في وسع المصاب بتلك النوبات أن يتلقَّى فيها نسقًا من الكلام، له ما للقرآن من العمق وانتظام التركيب. وإن الإخلاص الذي أدَّى به رسالته، واليقينَ الراسخ في نفوس أتباعه بصدقه، والامتحانَ الذي اختُبِرت به رسالته مدى السنين والأجيال؛ لهي من الدلائل على أن محمدًا ﷺ بَراءٌ من شُبهة الخداع والادعاء، فما حدث قطُّ أنَّ خادعًا مُدَّعِيًا — ولو كان من أصحاب العبقرية — بقيت له رسالة بعد ذهابه، وهذا هو الإسلامُ باقٍ بعد ثلاثة عشر قرنًا يجذب إليه المؤمنين عامًا بعد عام، وقد خلا التاريخ من مَثلٍ واحدٍ على دعوى من دعاوَى الخِداع أفلحت في إقامة دولة شامخة وحضارة من أنبل الحضارات الإنسانية.»

وقال المؤلف يُعلِّل للقرَّاءِ الغربيين حِيرتهم في فهم بلاغة القرآن، وسرَّ ذلك السلطان العجيب الذي يملك به قلوب المسلمين، فكانت خلاصة تعليله: «أن الغربيين يجهلون مناسبات النزول، وأن ترتيب الآيات على حسب مواقعها سبب من أسباب حيرة القارئ الغربي عند تلاوة القرآن، وأن السور المطوَّلَة تنزَّلَتْ في أخريات أيام النبي، وفيها بيان الأصول الشرعية وقواعد الحكم وتدبير الشئون العامة، مِمَّا يتتبعه القارئ الغريب فلا ينشط لقراءته، وإنما يدرك هذا القارئ بلاغة الكتاب في قصار السور التي تنزَّلَتْ بمكة واحتوَتْ من حماسة الروح ما هو جدير بالانتباه والتوقير.»

وقال عن الحروب الصليبية: «إن أوروبا كانت بحاجة إلى منفسٍ لما أصابها من الفقر والمرض، وجاءتها الدفعة إلى الهجرة من المغرب إلى المشرق من قبل شعوب النورمان والفرنجة، ويبدو أن الوحدة الأوروبية إنما كانت حركة من حركات الاستعمار تمضي فيها البواعث الاقتصادية إلى جانب البواعث الدينية، وإذا قيل: إن الحروب الصليبية كان لها أثرها في ترويج التجارة بين المشرق والمغرب، فالتجارة قد كانت خليقة أن تروج بغير هذه الوسيلة.»

إن الصليبيين وجدوا في الشرق حضارةً مادية وثقافية أرفع مِمَّا كانوا يعهدونه في معيشتهم، وعادوا إلى بلادهم بثمرات شتَّى من الحضارة المادية؛ كالسكر، والحرير، والعطور، والأبازير، والأصباغ. كما أخذوا من الشرق تأسيسَ نظام العملة الذهبية، ومعاملات المصارف، واستفاد الغرب والشرق معًا من تبادُلِ الخطط في المسائل الحربية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.