تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية بقدرته على التعامل مع البيئة المحيطة من خلال الرموز‏؛‏ ففي رحلة البشرية التاريخية اكتشف العقل البشري عددًا من الرموز التي زادت من كفاءته في التعامل مع هذه البيئة، مع تعميق التعاون بين أفراد الجماعة البشرية‏.‏

لعل أول وأهم هذه الرموز هو ظهور اللغة؛ فاللغة هي — في نهاية الأمر — مجموعة من الأصوات، ولكنها رموز تُعَبِّرُ عن معانٍ وأحاسيس يمكن أن تنتقل بين الأفراد والجماعات؛ فهذه الرموز الصوتية هي أداة للتواصل الاجتماعي. واللغة ليست مجرد أصوات غريزية كما هو الحال فيما تصدره الحيوانات من أصوات للتعبير عن احتياجات بيولوجية، ولكن اللغة هي تعبير مجتمعي متطوِّر وتختلف من مجتمع لآخر، كما تزداد غنى وثراء مع التقدم في كل مجتمع.

لكن المجتمعات لم تتوقف في تطوُّرِها عند اكتشاف اللغة؛ إذ لم تلبث أن اكتشفت الكتابة التي هي رموز من الخطوط والرسوم لترجمة هذه اللغة المنطوقة. ومع اكتشاف الكتابة خَطَت البشرية خطوات وقفزات إلى الأمام بتسجيل ذاكرة المجتمعات؛ ومن ثَمَّ حفظ تجارب الأجيال وخبراتها المتراكمة، وفي داخل اللغة وضع الإنسان لغة منطقية علمية ممَّا مكَّنَه من خلال علوم الرياضة (وهي رموز منطقية) من وضع أسس الثورة العلمية والتي دفعت بدورها إلى التقدم البشري في مختلف المجالات العلمية والتطبيقية.

لا يقل أهمية عمَّا تقدم ما اكتشفه الإنسان من رموز للتعامل الاقتصادي، وذلك من خلال ظهور مفهوم النقود ومن ورائها الأصول المالية. وكغيرها من الرموز، فإن النقود لم تظهر فجأة وبشكل كامل، ولكنها تطورت — ولا تزال — لتأخذ أشكالًا جديدة أكثر كفاءة في استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة، ولعل من أوائل ما واجه الإنسان في رحلته التاريخية للتقدُّم الاقتصادي هو اكتشافه أهمية التعاون مع الآخرين بالأخذ بنوع من التخصص وتقسيم العمل، وما دمنا نتحدث عن التخصُّص وتقسيم العمل فلا بد وأن تظهر ظاهرة المبادلة. وجاءت النقود لتسهيل التبادل بين الأفراد؛ فالنقود هي وسيط يحصل به البائع على كمية من النقود مقابل سلعته لكي يستخدمها في المستقبل لشراء سلعة أخرى. ولكن القضية لم تقتصر على التبادل المكاني بين مختلف الأفراد، وإنما ظهرت أهمية التبادل في الزمان؛ فأنت تدخر جزءًا مما توفِّره من حاصلات بعد الحصاد لكي تستهلكه في فترات لاحقة، وهكذا ظهر مفهوم الادخار. ومع التطوُّر وظهور أهمية أدوات الإنتاج اتَّضحت فكرة الاستثمار بتصنيع الآلات والأدوات لزيادة الإنتاج، وهكذا أصبح التعامل الاقتصادي يتطلب المبادلة في المكان بين الأفراد من ناحية، والمبادلة في الزمان بتوظيف المدَّخرات ووضعها تحت تصرُّف المستثمرين من ناحية أخرى.

قد تطلبت احتياجات التبادل في المكان أو في الزمان إلى ظهور رموز متعددة للتعامل الاقتصادي تساعد في هذه العمليات، وقد أخذت هذه الرموز شكل النقود، ثم أضيف إليها العديد من الأصول المالية من أوراق تجارية أو أوراق مالية؛ وبذلك ظهر إلى جانب الاقتصاد العيني الذي يتعامل مع السلع والخدمات، قطاع جديد من الاقتصاد المالي الذي ينطوي على رموز تساعد على تداوُل الموارد الاقتصادية فيما بين الأفراد (التبادُل في المكان)، أو فيما بين الحاضر والمستقبل بالادخار والاستثمار (التبادُل في الزمان). وهكذا نرى أن التقدم البشري قد تحقق من خلال اكتشاف رموز متعددة؛ فكما ترتب على ظهور الرموز الصوتية (اللغة) أو الرسومات والخطوط (الكتابة) دفع الحضارة الإنسانية خطوات هائلة؛ فقد ساعدت الرموز الاقتصادية من أصول مالية — وفي مقدمتها النقود — على تحقيق قفزات هائلة في الإنجاز الاقتصادي، الذي ما لبث أن انعكس في تحقيق مزيد من الحريات والعدالة الاجتماعية.

إذا كانت النقود — وكذا الأصول المالية المختلفة — هي رموز لتداول الموارد الاقتصادية في المكان أو الزمان، فهل تعتبر النقود سلعة مثل باقي السلع؟ كلا، النقود ليست سلعة، بل هي «حق» على السلع والخدمات كافة، يتيح لحاملها أن يبادلها للحصول على ما يريد مما هو معروض للبيع من السلع؛ ومن هنا نقول بأن النقود هي «قوة شرائية عامة». أما السلعة فهي ما يشبع حاجة الإنسان مباشرة، وهذه هي السلع الاستهلاكية، أو ما يساعد على إنتاج هذه السلع (الآلات مثلًا)، وهو ما يعرف بالسلع الرأسمالية. وعلى العكس فإن النقود لا تُشبع — بذاتها — حاجةً للمستهلك، كما لا تستخدم مباشرة في العملية الإنتاجية، ولكنها تُمَكِّنُ حاملها من الحصول على ما يشاء من السلع في المكان أو الزمان المناسب له؛ فلا يمكن الاستفادة من النقود إلا بإنفاقها واستبدالها بالسلع، ونظرًا لأن النقود ليست من السلع، فإنها لا تدخل ضمن الناتج الإجمالي للاقتصاد القومي. يترتب على التفرقة بين النقود والسلع اختلافات في طبيعة العلاقة مع السوق؛ فالسلع تمر بالسوق مرورًا عابرًا لكي تستقر عند المستفيد النهائي ولا تعود إلى السوق مرة أخرى إلا استثناءً (بيع الأشياء المستعملة)، أما النقود فإنها تدخل السوق لكي تبقى فيها؛ فهي تنتقل من يد إلى أخرى، ولكنها مستمرة وموجودة دائمًا بالسوق لا تخرج منها وإن تَغَيَّرَ حاملها؛ فالسوق بالنسبة للسلع هي مرحلة عابرة قبل الاستقرار عند المستفيد النهائي، ولكن هذه السوق هي بالنسبة للنقود مُسْتَقَرٌّ لها وهي حياتها. والنقود ليست فقط وسيلة للحصول على السلع في الحاضر والمستقبل، ولكنها أيضًا مؤشر للمعلومات عن مختلِف قيم السلع، بل وتتضمن إشارات للتوقع عن الأسعار في المستقبل. كذلك فإن النقود باعتبارها قوة شرائية في الحاضر والمستقبل فإنها تربط المدَّخَرات بالاستثمارات؛ فليس من الضروري أن يستخدم المُدَّخِر ادخاراته في استثماراته الخاصة، بل إنه من خلال التنازُل عن مدخراته مؤقتًا، فإنه يضع هذه المدخرات تحت تصرف المجتمع لاستثمارها، وقد ساعد ذلك على زيادة المدخرات والاستثمارات. وأخيرًا، فإن قيمة النقود ليست ذاتية وإنما هي مستمَدَّة من حالة الاقتصاد القومي.

وقد تطورت أشكال النقود؛ فبعد أن كانت سلعة واسعة الانتشار والقَبُول مثل الماشية أو سلعة نادرة عالية القيمة مثل الذهب، تحولت إلى مجرد سند تصدره البنوك (البنكنوت). وفي العصر الحديث تخلصت النقود حتى من هذا المظهر الورقي، ولم تعُد أكثر من قيد محاسبي في سجلات البنوك والمؤسسات المالية ينتقل بالشيك أو بالأوامر المصرفِيَّة عن طريق الاتصالات الإلكترونية. وكذلك أصبحت النقود أشبه بحقيقة «افتراضية» تنتجها مؤسسات الدولة (البنوك المركزية) أو المؤسسات المالية الكبرى (البنوك الخاصة)؛ فالنقود لم تَعُدْ في الحقيقة سوى مديونية المؤسسات الكبرى (الدول أساسًا، ولكن أيضًا المؤسسات المالية)، والتي تحولت بسبب انتشار التعامل بها لتصبح ديونًا على الاقتصاد القومي ذاته.

نتيجة لهذا التحول في طبيعة النقود (من مادية إلى افتراضية) فقد تطورت صناعة النقود؛ ففي الماضي، وحيث تعتمد النقود على سلعة محددة (خاصة الذهب والفضة)، فإن حجم النقود المتداولة كان يتوقف على إنتاج هذه السلع، ولم يكن له صلة بالسياسات الاقتصادية للدولة؛ فقد زاد حجم النقود المتداوَلة في أوروبا بعد اكتشاف مناجم الذهب والفضة في أمريكا، ولذلك كان يطلق عليها آنذاك النقود الخارجية Outside Money؛ بمعنى أن حجم النقود المتداولة خارج سيطرة الدولة. والآن، فإن النقود وقد أصبحت تصدر عن المؤسسات المالية الحكومية (أساسًا البنك المركزي)، فإن إصدارها أصبح جزءًا من النشاط الاقتصادي الجاري ولذلك يُطلَق عليها الآن النقود الداخلية Inside Money؛ فحجم النقود المتداولة يتوقف على السياسات المالية والنقدية، وبالتالي فإن قيمة النقود الآن تقع — إلى حد بعيد — تحت سيطرة الحكومات.

نخلص مما تقدم أن النقود ليست سلعة تشبع الحاجات بشكل مباشر أو غير مباشر، وإنما هي حق على الاقتصاد القومي، أو قوة شرائية عامة تسمح لحاملها أن يستخدمها للحصول على ما يشاء من السلع المتاحة في السوق في الحاضر أو المستقبل؛ فالنقود لا تعدو أن تكون أشبه بسند لملكية مستقبلة للسلع والخدمات، ولكنها في ذاتها لا تُشبع أية حاجة. وأخيرًا فإن حجم النقود المتداولة الآن في مختلف الدول لم يَعُدْ خارجًا عن السلطات المالية والنقدية (كما كان الحال في ظل النقود السلعية وخاصة الذهب)، بل أصبح جزءًا، ونتيجة للسياسات النقدية والمالية للدولة ومؤسساتها المالية.

لكل ما تقدم، هناك محل للتساؤل: هل التعامل بالنقود للإقراض — وهي ليست سلعًا — هو تعامل بالربا أيضًا؟ ورغم أنني لا أدَّعي تخصصًا في علوم الفقه، فقد نسب إلى عبادة بن الصامت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدد الربا: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر.» وهذه الأمثلة كلها تتعلق بتبادل بين سلع متجانسة لا تتغير بفعل الزمن، أما النقود فهي رمز اقتصادي وليست سلعة أصلًا، وهي «قوة شرائية عامة» تتغير قيمتها مع الظروف، وتتوقف هذه القيمة على سياسات الدولة وأوضاعها الاقتصادية، فهل التعامل الآجل في النقود هو مثل المبادلة الآجلة للسلع المتجانسة؟ سؤال يتطلب إجابة شافية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.