وها نحن أولئك لا نأبى أن نُحْسَب من الواقعيين أو من الطبيعيين حيث يصح هذا الحساب؛ لأننا ننتقل من أبراج السماء ومذاهب الأدب إلى البصل والفسيخ.

كتب إلينا العالمُ الكيمي الدكتور «ناشد سيفين» من الإسكندرية يقول تعقيبًا على ما كتبناه عن شَمِّ النسيم:

وهذا العيد — كما قلتم — هو عيد رأس السنة، وعادةُ شمِّ البصل عند القيام من النوم في صباح ذلك اليوم هي للتذكير بهذا، وهو تقليد مأخوذ من عادةٍ لا تزال باقية في الريف إلى أيامنا، وهي أن يشمَّ الطفلُ البصلَ عند ولادته لتنبيهه بما له من رائحةٍ نفَّاذَةٍ، غير أن الناس الآن لِجَهْلِهِم الغاية من هذا التقليد وسببه صاروا لا يكتفون بشمه بل يأكلونه، ولكي يجعلوا أكله مُستساغًا أضافوا إليه الفسيخ فصار طعامهم المفضل في يوم شمِّ النسيم.

ولقد كان عيد رأس السنة يُقام طِبْقًا لأسطورة عن الإله تقول إنه غضب على الناس في الزمان القديم لعصيانهم، فسلَّطَ عليهم مُهلكًا على هيئة أنثى الأسد، فأمعن في الناس تقتيلًا حتى تغطت الأرض بالدم واصطبغ النهر بلونه، ثم عفا الإله عن الذين اختارهم ليكونوا شعبه، فأرسل هاتور بحيلة تنفذها، وهي أن تأمر النساء أن يصنعن من الشعير خمرًا ويمزجنها بعصير العنب الأحمر ليكون منه شرابٌ مُسْكِرٌ بلونِ الدم، ثم يسكبنه في الفجر قبل بزوغ الشمس في الأماكن التي اجتازها المهلك، فيحسب أنه دم أعداء الإله …

وأمر الإله أن يُعْتَبَر هذا اليوم أول الأيام، ويُقام فيه العيد باسم هاتور، وتُشْرَب الخمر التي بلون الدم لِذِكْرَى الخلاص، واعتياد الناس الخروج مبكرين في يوم شم النسيم إلى الأماكن الخلوية ومعهم شراب العنب والأشربة الأخرى المصنوعة من الشعير هو بقية تقاليد كانت عند الأقدمين …

وقد أُخْرِج بنو إسرائيل من مصر في شهر أبيب، وفي الشهر الثالث —أي في توت الذي يقع فيه رأس السنة المصرية — هَفَتْ نفوسُ القوم وهُمْ في برية سيناء إلى مباهج ذلك العيد، وطلبوا أن يُصْنَع لهم تمثال عجل — وكانت هاتور تُرْسَم على صورة بقرة — ثم نادوا: غدًا عيد للرب! وبكروا من الغد، فجلسوا للأكل والشرب …

ولنذكر أن اليهود جعلوا شهر أبيب فصحًا لهم يحتفلون به في الرابع عشر من شهر نيسان، وهو يوافق أبريل بحسب التقويم الغربي …

ولست في حاجةٍ بعد ذلك لِأَن أُبَيِّنَ لسيادتكم أن قوم إسرائيل ذكروا الضربات، ومنها تحويل الماء إلى دم على منوال القصة المصرية ليكون لهم عيد على شاكلة عيد هاتور …

***

ونحن ننشر ما اتسع له المقام من خطاب العالم الكيمي الباحث الدكتور «سيفين» شاكرين له دراسته التاريخية لنستخلص منها ما ينبغي أن يخلص للقرَّاء العصريين من أبناء مصر؛ وهو ضرورة العودة إلى كتابة قصة الخروج — خروج بني إسرائيل — من الوجهة المصرية التي هي في الحقِّ وجهة التاريخ الصحيح.

والواقع — من القرائن التاريخية — أن بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى عليه السلام لأسباب دينية قليلون جدًّا بالقياس إلى جميع أسباط إسرائيل؛ ولهذا كان منهم من يقول له — كما جاء في العهد القديم: «مَنِ الذي ولَّاكَ علينا وخَوَّلَك حقَّ القضاء بيننا؟!»

ولم تكن جمهرة القوم مِمَّن يُنكرون العقائد المصرية ولا كان علماء المصريين مِمَّن يجهلون التوحيد، بل كانوا مُوَحِّدِين كما قال أبو التاريخ هيرودوت.

ولكنها كانت فترة ارتداد بعد شيوع الوحدانية كما يُؤْخَذ من تاريخ عصر أخناتون، وخرج القليلون مع موسى عليه السلام لأسباب دينية، وخرج الآخرون كراهةً للعمل اليدوي الذي سخَّرَهُم فيه أمراءُ الشمال، وبَقِيَتْ جملتهم على التقاليد المصرية في الأعياد والشعائر والقرابين، ومنها الاحتفال بعيد الربيع الذي سموه عيد الخروج، ومنها أناشيد الصلاة التي ينظمونها على قواعد النظم الفرعوني مع أنهم ساميون.

البصل والفيتامين

إلا أننا نخالف الدكتور «سيفين» في مسألة من مسائل الكيمياء أو تاريخ الكيمياء؛ فإن تقديس البصل وارتباطه بالولادة والحياة تقليد مصري قديم يدل على عراقة هذه الأمة فيما نحسبه اليوم من أحدث المعلومات، وهو معلوماتنا عن الفيتامينات والهرمونات.

فالمصريون كانوا يقدسون من الخضر أصنافًا ثلاثة لعلها أغنى الخضر بالفيتامينات؛ وهي: البصل، والخس، والثوم.

فالبصل — وهو مأخوذ من الاسم المصري بسرو — قربان محبوب في الشعائر الفرعونية، وتُوجَد له صورة بين القرابين المُقدَّسة إلى جوار الباب الكبير بمعبد القرنة، ويدخل في شعائر الاحتفال بالربيع؛ لأنه مع البَيْض من رموز الحياة والولادة.

والثوم يُقدِّسونه، ويختلط الأمر على الشاعر الروماني الهَجَّاءِ «جوفينال»، فيقول متبرمًا: ماذا أصنع بين قومٍ يعبدون الثوم؟!

والخس يُسمَّى عندهم «عفت»، ويُوصَف بالحشيش المقدس كما جاء في ورقة العلامة «إيبرز» عالم المصريات المشهور، وهو من القرابين المستحبة عند إله النسل، وله خاصة تساعد في اصطلاحنا العصري على توليد الهرمونات.

فالمصريون الأقدمون كانوا يعرفون هذه النباتات بخصائصها، ويقرنون بينها وبين شعائر الأعياد في مناسباتها، وأكلهم للفسيخ عادة قديمة لعلها تجدَّدَتْ وشاعَتْ بعد الإقبال عليه رغبة في المشهيات على أثر الصيام الطويل.

وليس بالفسيخ — في الواقع — من عيب … وإنما العيب في أكله مع النشويات وفي الإفراط منه والإكثار من شرب الماء عليه، ولا أكتم الكيمي الفاضل أنني أصنعه أحيانًا في منزلي ولا أشكو منه كما يشكو الذين يُسيئون أكله … لأنه من أحسن الأطعمة وأغناها بمادة الغذاء.

أما قصة الشراب الأحمر، فإنني أحيل الدكتور «سيفين» إلى خلاصتها التي نُقِشَتْ على جدران الحجرة الخاصة في هيكل «سيتي الأول» الذي بُنِيَ قبل خروج بني إسرائيل من الديار المصرية، وأحيله كذلك إلى كتابنا عن «إبليس»؛ لأننا أجملنا فيه هذه القصة، ثم عَقَّبنا على إجمالها بالعبارة التالية:

وتُرْوَى قصة النقمة من البشر على رواياتٍ شتى يكثر فيها التناقض على ما هو مألوف في الأساطير الأولى، فأشدها وأصرمها هذه القصة التي نُقِشَتْ على هيكل الملك الذي يهمه أن يبالغ في بطش الأرباب ومصير العصاة. وأقربها إلى الرفق تلك الروايات التي تقول إن الأرباب راجعوا الإله الأكبر وراح بعضهم يصبغ الجعة بالأصباغ الحمراء؛ ليحكي بها لون الدم ويزعم للأرباب الساخطين أنه قد أُرِيقَ منه ما يكفي للزجر والعقاب …

وربما كان أحدث الآراء في تفسير هذه الظاهرة كما حدثت لأول مرة قبل وجود بني إسرائيل في مصر، أن نجمًا مُذَنَّبًا عَبَرَ بوادي النيل، فامتزجت غازاته بالنيل فاحْمَرَّ لونه، وفسد ماؤه، وكثُرَت حشراته، وأُصِيبَ الناس بالأوبئة، وطفا بعض الماء على وجه الأرض فأصاب الزرع وأتلف الثمرات وعم القحط بعد ذلك، وأصبحت القصة نموذجًا لما أتى بعدها من قَصص العِقاب أو قَصص الضربات والنكبات.

وأيًّا كان تفصيل القصة، فللتاريخ المصري القديم كلمة فيها لم يَقُلْها بَعْدُ، وأكثرها مُخَالِفٌ لكلمات بني إسرائيل ومَنْ تَبِعَهُم من رُوَاةِ القَال والقِيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.