سَمِّه تمهيدًا إن شئت، ففيه معنى التمهيد، وسمِّه إنذارًا إن شئت، ففيه معنى الإنذار. وهو على كل حال يدلُّ على أن الوزارة تريد أن تأتي أمرًا لا تحب أن تأتيه دون أن تُنبِّه إليه وتنذر به، من طرف خفي أو جلي، ومن نحو قريب أو بعيد.

والغريب أن أمام الوزارة من المشكلات والمعضلات ما ينبغي أن تشغل به وتنصرف إليه، وأن تُعرض عما هي فيه، وعما تريد أن تُقدِم عليه من هذا اللعب الذي إن دلَّ على شيء، فإنما يدلُّ على الضعف من ناحية، وعلى الإمعان في الاستهانة بحقوق الناس وحرياتهم التي كفلها الدستور أمام الوزارة، ما بين رئيسها وبين المندوب السامي من خلاف، تزعم المقطم أنه حل، وتأتي البلاغ فتزعم أنه لم يحل.

وأمامها حدود السودان يختلف عليها الإيطاليون والإنجليز، ويتفاوضون فيها، وترسل إليها الأسلحة المختلفة، والوزارة لا تعلم من ذلك شيئًا، أو لا تأتي ما يدل الناس على أنها تعلم من ذلك شيئًا، وأمامها هذه الإشاعات الكثيرة التي تملأ الجو، وتشغل الأندية، والتي تتصل بما يقال إن الإنجليز يعتزمون أن يفعلوه في مصر منذ الآن من إشراف فعلي دقيق على الشئون المصرية مهما تختلف، وأمامها هذه الإشاعة التي رددتها الأهرام صباح اليوم، والتي تمس الاحتفال بتعلية خزان أسوان، وما يقال من أن الإنجليز يريدون أن يساهموا فيه، وأمامها قصة الكورنيش وما يقال حول قصة الكورنيش من أن صدقي باشا قد امتاز، فلن يسأل عنها أمام اللجنة ولا أمام البرلمان. وأمامها قصة هذه الأرض التي همت بلدية الإسكندرية أن تبيعها، ثم قيل إنها تريد أن تعدل عما همت به من البيع، ثم قيل حول قرار البيع والتفكير في إلغاء هذا القرار كلام كثير لا نحب أن نعيده الآن، ولكنه كلام أقل ما يوصف به أنه خليق ببيان تصدره الوزارة بنفي ما فيه من الشك والريب.

كل هذا قائم وأكثر من هذا قائم أمام الوزارة، ومن الحق على الوزارة لنفسها ولمصر أن تُعنى به، وتنفق جهدها فيه، وتنصرف إليه عن هذا اللعب الذي لعبته وتريد أن تلعبه في أقصى الصعيد منذ رحلت أم المصريين إلى أقصى الصعيد، ولكن هذه الأيام فيما يظهر لا تحب الجد، أو لا تحب الإمعان في الجد؛ فالوزارة معرضة عن هذا كله، أو مظهرة للإعراض عن هذا كله، وهي منصرفة أشد الانصراف إلى رحلة أم المصريين في أقصى الصعيد تحشد لها الشرطة والجند، وتسد لها الشوارع، وتأخذ لها الطرق، وتحاصر لها شواطئ النيل، وتغلق لها أبواب الفنادق، وتقتحم لها الفنادق اقتحامًا، وتهيئ لها ما شاء الله أن تهيئ من مظاهر الهيبة والرهبة، وأدوات البأس والبطش، وآيات القوة والسلطان.

ومن يدري لعل الله قد جعل لوزارتنا قوة خارقة، ومهارة لا عهد بمثلها للوزارات، فمكَّنها من أن تُعنى بجدِّ الأمر وهزله، وأتاح لها أن تشغل نفسها بالكبير والصغير، وبالعسير واليسير، وبما نحتاج إلى الحزم والعزم، وما يحتاج إلى الدعابة والفكاهة، من يدري لعلها تفاوض الإنجليز والإيطاليين في حدود السودان، ولعلها تفاوض الإنجليز حازمة عازمة في قصة الخزان، ولعلها تتهيأ لاستقبال المندوب السامي بما يكرهه على أن يبدأ بالسعي إلى رئيس الوزراء؛ ليرد له زيارته، وعلى أن يمتنع عن التفكير في المساس باستقلال مصر، أو الإشراف الفعلي الدقيق على شئون مصر. ولعلها مع هذا كله تهيئ لتأليف اللجنة البرلمانية التي تسأل صدقي باشا عن قصة الكورنيش، ولتأليف لجنة أخرى غير برلمانية، تحقق أمر هذه الأرض التي أصبحت حائرة في أمرها لا تدري، أتباع أم لا تباع؟

لعل الوزارة معنية بهذا كله أشد العناية، فإذا أدركها التعب والإعياء مع كثرة ما تنفق في هذا كله من الجد والجهد رفهت على نفسها بعض الترفيه بهذه الدعابة التي تداعب بها أهل الصعيد منذ تفضلت بزيارتهم أم المصريين.

كل هذا ممكن، فوزارتنا — بحمد الله — قوية لا يضعفها شيء، قادرة لا يعجزها شيء، وهي تستمد قوتها وقدرتها من كفاية أعضائها وذكائهم، ومما يمتازون به من الرشاقة واللباقة، ومن هذه البركة الواسعة التي تنبعث دائمًا من الرجال الطيبين.

كل هذا ممكن، ولكن هناك شيئًا آخر غير ممكن، وهو أن يفهم الناس وزارتنا كما ينبغي أن تفهم، وأن يعللوا أعمالها كما ينبغي أن تُعلَّل، فالناس قد تعودوا وزارة ضعيفة عاجزة إذا أقدمت على الجد ظهرت آثار إقدامها، وإذا فاوضت الإنجليز قالت: إنها تفاوض الإنجليز، وإذا وقفت منهم موقف الحزم والعزم ظهرت آثار موقفها هذا، وإذا همَّت بسؤال صدقي باشا أمام البرلمان، ظهرت بوادر همِّها هذا.

الناس قد تعودوا وزارات ضعيفة لا تخفي آثار ضعفها، عاجزة لا تخفي بوادر عجزها، ولم يتعودوا هذه الوزارات التي تملأ قلوب الإنجليز والإيطاليين رعبًا، وتؤرق على صدقي باشا ليله، ثم لا يظهر من آثارها في ذلك شيء، والناس قد تعودوا وزارات أعضاؤها رجال كالرجال، لا يمتازون بهذه البركات التي تمتاز بها وزارة الرجل الطيب، ولا يقدرون على هذه المعجزات التي تقدر عليها وزارة الرجل الطيب، فهم معذورون إذا لم يفهموا الوزارة القائمة، ولم يحيطوا بأسرارها، ولم يستطيعوا لأعمالها تأويلًا أو تعليلًا.

وهم معذورون إذا أنكروا ما لم يفهموا، وضاقوا بما لم يسيغوا، وطلبوا إلى الوزارة أن ترفق بعقولهم الضعيفة، وأذهانهم الكليلة، فتسير فيهم سيرة يفهمونها، وتسوسهم سياسة يسيغونها، وتحتفظ بالسيرة الغامضة، والسياسات العسيرة لأهل الكشف من الصوفية والباطنيين. الناس معذورون إذا لاحظوا أن الوزارة لا تغني في الجد من الأمر شيئًا، وأنها تلعب فتسرف في اللعب في أقصى الصعيد كما لعبت وأسرفت في اللعب في إقليم القليوبية.

الناس معذورون إذا سألوا الوزارة عن كل هذه القوة، التي تقيمها وتقعدها في أسوان منذ أسبوع، وعن كل هذا الجهد العنيف الذي تبذله في الأقصر منذ أمس، وعن هذه المائة من الجند التي يقال: إنها كانت تحيط بنقيب المحامين وأصحابه وهم يسيرون في شوارع الأقصر أمس، وعن هؤلاء العشرين من الشرطة الذين يقال: إنهم كانوا يسعون بين يدي نقيب المحامين وهو يمشي في شوارع الأقصر أمس، وعن كل هذا البأس والبطش الذي تحول به بين الناس وبين استقبال أم المصريين ولقائها، وزيارتها والاستماع لها، والتحدث إليها.

الناس معذورون إذا سألوا الوزارة عن هذا كله، فإن هذا كله ليس من الجد الذي تأتيه الوزارات الجادة، وإنما هو لعب يأتيه الناس حين يريدون أن يلهوا، وأن يسلوا عن نفوسهم ما يلم بها من الهموم والأحزان، ومهما يجهد الناس أنفسهم فهم لا يستطيعون أن يفهموا هذه المظاهرات العسكرية التي تقام في أرض لم تكن ولن تكون ميدان حرب ولا قتال، ومهما يجهد الناس أنفسهم فلن يستطيعوا أن يفهموا معنًى لهذه المائة من الجند تحدق برجل واحد، أو ببضعة رجال، وهم يسعون في مدينة من مدن مصر لهم الحق في أن يسعوا فيها أحرارًا؛ لأنها مدينة مصرية شائعة بين المصريين جميعًا، لم تحتكرها الوزارة احتكارًا، ولم تستأثر بها من دون المصريين، ولم تمنحها قوانين السلم الحق في أن تبسط عليها هذا السلطان العسكري الغريب.

الناس معذورون حين يسألون الوزارة: مم تخاف؟ ومم تشفق؟ وماذا تثير رحلة أم المصريين في نفوس أعضائها من الوجل والهلع؟ ولِمَ تثير في نفوسهم الوجل والهلع؟ وإنما هي سيدة مصرية تزور أرضًا مصرية؛ لتلقى قومًا مصريين، لا تسر شرًّا ولا تعلنه، ولا يسر الذين تلقاهم شرًّا ولا يعلنونه، وإنما تعرض لهم الوزارة متحدية، متصدية، متحكمة، فتحرجهم وتغريهم بالشر، وتدفعهم إليه دفعًا، والله يعلم أنهم له كارهون.

وأغرب من هذا أن يتحدث الناس وتنشر الصحف أن الوزارة قد أوفدت — فيما أوفدت — إلى الأقصر بعض الذين اشتركوا في خطف رئيس الوفد حين زار الصعيد في الشتاء الماضي. أفتريد الوزارة أن تخطف أم المصريين كما خطفت رئيس الوفد من بين أهل الصعيد؟ أفنفهم من هذا أن الوزارة قد جربت سياسة الخطف هذه فأعجبت بها ورضيت عنها؟ فهي تريد أن تخطف أم المصريين ومن معها كما خطفت رئيس الوفد ومن معه؟ وأن تجعل الخطف فنًّا جديدًا من فنون الخصومة السياسية، ولونًا جديدًا من ألوان القهر، وضربًا جديدًا من ضروب ما تسميه حفظ الأمن وإقرار النظام.

وأغرب من هذا أن الصحيفة التي تنطق بلسان رئيس الوزراء تجادل اليوم في رحلة أم المصريين، فتسأل عن الغرض من هذه الرحلة، كأن أم المصريين ملزمة ألا تنتقل إلا إذا بينت للوزارة الغرض من هذا الانتقال. ومن الذي يلزمها بذلك؟ ومن الذي يستطيع أن يسأل مصرية أو مصريًّا عما يريد حين يتنقل في أطراف مصر، وقد جعل الله والدستور والقانون أرض مصر مباحة للمصريين جميعًا، إلا الذين يمنعهم القانون من الانتقال؟

يسألون ماذا أرادت أم المصريين بهذه الرحلة، فهبُوها أرادت أن تقضي جزءًا من فصل الشتاء، وهبوها أرادت أن تُرفِّه على نفسها، وهبوها أرادت أن ترى الناس من أهل الصعيد، وأن يراها الناس، فما أنتم وذاك؟ وماذا يعنيكم منه؟ وما هذا الحق الذي تخترعونه لأنفسكم اختراعًا؟ وأغرب من هذا كله أن الصحيفة التي تنطق بلسان رئيس الوزراء تتنبأ بأن أم المصريين إنما ذهبت إلى الصعيد لتثير الفتنة فيه، أي فتنة هذه التي تريد أم المصريين أن تثيرها؟ وعلى من تريد أن تثيرها؟

أعليكم أنتم وأمركم أضعف وأهون من أن يُحارب بإثارة الفتن؟ وبمن تضحي أم المصريين حين تثير الفتن بدماء المصريين ومصالحهم، وأمركم أضعف وأهون من أن تراق فيه قطرة من دماء المصريين، أو تضيع فيه مصلحة من مصالحهم؟ إنما أمركم مريض عليل يجب أن ينتهي في غير مقاومة ولا فتنة، يجب أن ينتهي كما ينتهي كل مريض بمرض لا شفاء له، ولا بُرْء منه، إنما أمركم هين يسير، يبلغ منه الصبر عليه والاحتمال له أكثر مما تبلغ منه المقاومة وإثارة الفتنة، أمركم أهون من هذا كله وأيسر، فلا تخافوا ولا تراعوا؛ فإنما الغرور وحده هو الذي يبعث في نفوسكم الخوف والروع، وأغرب من هذا كله أن الصحيفة التي تنطق بلسان رئيس الوزراء لا تستحي من أن تنذر وتعذر، وتلمح بالوعيد والتهديد، وتحمل الوفديين تبعة ما قد ينال أم المصريين من قول أو عمل.

ويلكم! وماذا عسى أن ينال أم المصريين؟ ومن الذي يريد أن ينال أم المصريين، وأن يؤذيها بالقول أو الفعل، أنية مبيتة؟ أأمر مدبر بليل؟ يجب أن يفطن الرجل الطيب وأن يسأل ضميره مرة ومرة قبل أن يُقدِم أو يأذن لزميله وزير الداخلية بأن يُقدِم على بعض ما تُلمِّح به صحيفة الشعب؛ فهذا شيء ليس من الهين ولا من المشرف، ولا مما يليق بكرامة الوزراء أن يُقدموا عليه، أو يُفكروا في الإقدام عليه، ونظن أن المصريين لا يرضون ذلك من الوزراء، وإن كان على رأسهم الرجل الطيب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.