‏الفصل الثاني من رواية قمبيز يقع في مدينة سوس الفارسية، وفيه يصف الشاعر حياة الأميرة المصرية مع زوجها قمبيز، وما كان من افتضاح سرها بسبب خيانة فانيس، وهو إغريقي كان في خدمة مصر ثم خانها والتحق بخدمة فارس، وفي هذا الفصل كان ينبغي أن تظهر البراعة وتتجلى الأستاذية، لو أن لشوقي من هذين حظًّا، فيصور لنا حياة الفرس ويغمر المنظر بجوها، ويرينا كيف تشقى أو تسعد نتيتاس، وعلى أي حال هي مع زوجها الملك، ثم يرسم لنا الوقع المختلف في نفس الملك والملكة لإفشاء السر، والعوامل المختلفة التي تتجاذبهما، ولو نجح شوقي في هذا لاغتفرنا له كل ما سبق ولحق من الإخفاق المبين، ولَكان هذا في رأينا حسنة، ولقد قال بعض النقاد — وأظنه هازلت وإن كنت غير واثق — عن جولد سميث، إن بحسبه الثلاثة الفصول الأولى من روايته المشهورة «قسيس ويكفيلد»، وإنه لو لم يكتب غيرها لكانت كفاية وفوق الكفاية في تخليد اسمه، ولكن شوقي مع الأسف كان في هذا الفصل الدقيق أخيب منه في كل ما فشل فيه، ولو أنه كان يعرف نفسه أو يعني بدرس حدود قوَّتها، والوقوف على مواطن ضعفها، لَتجنب أن يعالج هذا الموقف وتحاشى أن يحاول رسمه.

‏ليس في الفصل من جو فارس وروحها إلا هذه العبارة التي صدَّره بها في وصف الحجرة: «في حجرة فارسية فخمة مفروشة بثمين الطنافس، ومملوءة بالوسائد من الحرير المختلف الألوان، وقد زُيِّنَتْ زواياها بالرياحين». ا.ﻫ. وهي عبارة مكتوبة للفرقة التي تمثل الرواية، والغرض منها إرشادها إلى ما ينبغي أن يُلاحَظ في بناء المنظر وتأليفه، ولست أدري إلى أي حد انتفعت الفرقة بهذا الوصف، فإن الحجرة — على ما يؤخذ من الوصف — ليست سوى مخزن! ألست تراه يقول إنها «مملوءة بالوسائد»! وفيما عدا هذا الوصف، لا شيء من جو فارس وحياتها يمكن أن يستفاد من الحوار والحوادث، ولو أن الشاعر حذف اسم المدينة ولم يسمها في صدر الفصل، لما كان هناك أي شيء يحمل القارئ على الظن بأن المكان الذي جرت فيه المناظر السابقة تغيَّرَ، ولولا أنه قال — واصفًا — إنها حجرة مفروشة بالطنافس، لَشَكَّ القارئ ولخُيِّلَ إليه أن حوادث الفصل تقع في الشارع أو في خيمة! وما من ريب في أن هذا فشل كبير؛ لأنه لا فائدة من نقل القارئ إلى سوس بفارس، إذا كان الشاعر أو الكاتب لا ينوي أو لا يقدر أن ينقله إلى حياة تلك المدينة وجوها ومدنيتها أو همجيتها، وليس الغرض أن يجري حوار والسلام؛ فإن هذا ميسور في أي مكان، والنقلة تستوجب أن تكون هناك صورة، ولست أعني الصورة التي صدَّر بها الفصل وصفًا لمكان الحادثة وزمانها؛ فإن هذا يراد به أن يكون مَعِينًا لمُخرِج الرواية وممثليها على تأليف المنظر وتشييده على المسرح، وإنما أعني الصورة التي يرسمها الحوار بين أشخاص الرواية، والحركات التي يؤدونها، والحوادث التي تقع، وهذا لا يجيء تعمدًا بل عفوًا وكأنه غير مقصود لذاته؛ فلعل شوقي ينتفع بهذه الملاحظات في رواياته الأخرى إذا كان إلى هذا سبيل، أو كان لا يأبى الانتفاع بما يهديه إليه غيره، وإن لم يكن هذا الغير أمير شعراء مثله!

‏وكيف نتيتاس وقمبيز؟ أهما متحابان؟ أم الحب غير متبادل؟ أم متغاضبان؟ لا ندري، وسيرى القارئ أنه ليس أقل حيرة، وابتداءات شوقي بك دائمًا عجيبة؛ فهذه وصيفة الملكة نتيتاس، تمشط لها شعرها وتقول شعرًا تتغنى فيه بمدح سواده ونعومته ورائحته، ولكن الملكة على ما يظهر لا تحس المشط في شعرها؛ فإنها ‏تسأل الوصيفة:

‏ما تصنعين يا تتي؟

فتجيب «تتي»:

أصلح مولاتي!

‏بل أحسبني فهمت! فإن شوقي يريد أن يجعل الملكة تُنكِر الضرورة إلى هذا الإصلاح أو التزين، وتنفي أنها تشعر بموجب له؛ لأن المرأة إنما تعنى بزينتها وتتجمل إذا كانت تبالي الرجل وتحب أن يحسن وقعها في نفسه، أما إذا كانت تكرهه — وتحب غيره أيضًا — فهي لا تعبأ كيف تبدو له، وإلى هنا يكون القصد حسنًا، ولكن ما أسوأ العبارة؛ فإن الملكة بعد ذلك تعود فتسأل: «لمن؟»

‏فتقول «تتي»:

‏للزوج يا سيدتي

‏فيجري لسان الملكة بأفظع ما تصف امرأة زوجًا أُرغِمتْ عليه، وتقول:

لنمر الفرس الخشن؟

‏وإلى هنا فهمنا — ولا يمكن إلا أن نفهم — أن نتيتاس لا تطوي أضالعها على ذرة من الحب لقمبيز، بل هي تعده وحشًا غادرًا، وتستخشن ملمسه وتستوحش من ناحيته، وقد تُشعِر العبارة أيضًا — إذا صفيناها — باحتقارها للفرس، أو على الأقل بكراهيتها لهم وخوفها منهم، وعلى كل حال لا يجوز أن تصف الزوجة زوجها بأنه «نمر وخشن»، وأن يفيض وصفها بكل هذه المرارة — نقول لا يجوز هذا إذا كانت الزوجة تضمر في قلبها رقة لزوجها وحبًّا له، ونتيتاس وإن كانت لا تحب قمبيز، تعترف بواجبها نحوه وتقول:

قلتِ حقًّا تتي فإن على المر

أة للزوج أن تكون أمينة

وعليها ألا تقصر بشرًا

حيث تلقاه أو تقصر زينة

ولم تلبث الملكة بعد هذا أن تناجي حبيبها الغادر «تاسو» بقصيدة طويلة يعرف منها القارئ أمرين: أنها لا تزال تحب تاسو أقوى حب، وأن ما زعمته باعثًا لها على اقتراح زفافها لملك الفرس بدلًا من نفريت لم يكن صحيحًا، فلا تضحية هناك، ولا وطن يفدى، ولا غزو كانت تخافه وأرادت دفعه، وإنما رأتها فرصة لمهاجرة الوطن؛ لأن تاسو صرف قلبه عنها إلى نفريت!

يا ظالمًا أحبه

جهد الهوى وإن غدر

ومن هجرت وطني

لأجله حين هجر

قلبك لحم ودم

مثل القلوب أم حجر

إلى أن تقول:

إِن غبت عن عيني فأنت

في سوارح الفكر

أراك عما رأيت

طائرين في الشجر (كذا)

كأنما عز على شوقي أن يترك الباعث الوطني الذي عزاه إليها في الفصل الأول من غير أن ينقضه بلا موجب، حتى لكأن له ثأرًا عند العواطف النبيلة. فتحاول الوصيفة أن تزجرها عن التفكير فيه، وتقول:

دَعِي الناس مولاتي

وخليك من السالي

ولا يخطر لك الناكث

للعهد على بال

ولكن الملكة تقول:

أنا أفديه يا تتا

بحياتي وإن قتل

ولا بأس أن يكون الأمر كذلك والحال على ما وصف الشاعر؛ أيْ أن يكون قلب الملكة مع تاسو لا مع زوجها، ولكن الاضطراب بعد ذلك يعتور الفصل، فيختلط الأمر على القارئ، فتسأل الملكة وصيفتها:

أرى قمبيز ذل ورق طبعًا

بربك هل رأيت عليه حبًّا؟

والتفات الملكة إلى هذا فجأة بعد كلام في وجوب المحاذرة في فارس من السم المدسوس في الطعام، وتحليفها الوصيفة هل رأت عليه دلائل الحب لها — هذا بلا شك له معناه ودلالته، وأقل ما يدل عليه: أولًا أن الملكة معنية بأن تطمئن على حب زوجها لها، ولا يكون ذلك إذا كانت لا تباليه أصلًا، وكان تاسو هو المستأثر بقلبها كما قالت في مناجاتها له، وثانيًا أن الملك لم يبدُ منه شيء قاطع في الدلالة على الحب؛ فقد يكون ما يظهره لها مجاملة، وقد يكون عطفًا أو غير ذلك، فتقول الوصيفة ردًّا على السؤال:

أجل هو يقصر الخطوات مهلًا

وكان يمدها خطفًا ووثبًا

هذا دليل الوصيفة على الحب — أو هو دليل شوقي الذي لا يعرف دليلًا سواه، كأن كل مظاهر الحب أن يمشي الإنسان على مهل بعد أن كان يسرع في الخطو، أو كأن التمهل في المشي لا يدل إلا على الحب! ولا يمكن أن يكون لتفكير أو تعب أو غير ذلك، ثم تتقدم الوصيفة بعد ذلك بسؤال إلى الملكة:

سأسأل فاحلمي عني فإني

أموت ولا أراكِ عليَّ غَضْبَى

سؤال ملكتي هل من جواب

الملكة:

أَوَدُونك يا تتا شيء يُخَبَّا
تتا:

زعمنا أن قمبيزًا محب

فهل تجارينه بالحب حبَّا؟

الملكة:

أحب أنا؟ ضل ما قد ظننت!

وإن خلت ظنك لم يكذب

(فالملكة تنكر بشدة أن تكون محبة لقمبيز، وتعد هذا الظن بها ضلالًا، فاسمع الآن هذا الحوار):

تتا:

ولِمَ لا! وقمبيز لا بالقبيح

ولا بالدميم ولا بالغبي

ولا هو بالملك البربري

ولا الوحش ذي الناب والمخلب

ولكن فتى خير كالسحاب

وضيء البشاشة كالكوكب

يزين السرير إذا احتله

وإن سار كان حلي الموكب

(فترد الملكة معجبة بقمبيز مباهية به، واصفة له بما لا يصدر من قلب ينكر بسرعة وبشدة أن يظن به الاستعداد للميل إليه):

الملكة:

صدقت تتا هو زين الشباب

إله القنا قمر الغيهب

إذا غلبت في القتال الملوك

وفي السلم عز فلم يغلب

يسيطر كالشمس سلطانه

على مشرق الأرض والمغرب

ولكن متى يا تتا دُلِّهَتْ

بناتُ الفراعن بالأجنبي؟

فكل ما تزعمه الملكة مانعًا لها من حب قمبيز أنها مصرية وأنه أجنبي! وهو عذر غريب لا يُقبَل، وما أظن بشوقي إلا أنه جرى فيه على ما يتوخى من استغلال العاطفة الوطنية، ثم ينكشف السر فيقول الملك للملكة متهكمًا:

كيف أدعوك يا عروس؟

‏فتجيبه الملكة بحدة وتشتمه:

بما شئتَ بشر الأسماء والألقاب

بالذي أنت أهله من بذاء

والذي أنت أهله من سباب

ثم تطرده من حجرتها وتصيح به:

بل يخرج من حجرتي ومن محرابي

‏ومع ذلك، وعلى الرغم مما يقع بينهما ويدور من الشتم والتهديد والملاحاة، لا يكاد يصيبه الصرع حتى يقول شوقي واصفًا:

‏الملكة تدنو منه في حنو وعطف وتقول:

يا ويح زوجي ويحه

هاج وعاده الصرع!

يا نار كوني حوله

أدركه يا آمون رع

‏ولو كان بغضها له صادقًا لتمنت له الموت، ولا سيما بعد أن أنذرها قومها الهلاك والخراب والدمار، وأن يسيرها هي تحت لواء فانيس الذي هتك سترها وفضح سرها ووشى بها، إذلالًا لها! فهل هي تحبه أو لا تحبه يا شوقي بك؟

‏قمبيز أيضًا ما خطبه؟ لقد قضت نتيتاس عامًا في فارس يدل على ذلك قولها:

ولي في فارس عام

فما فكرت في ذلك

ومع ذلك احتاجت أن تستخبر وصيفتها لتعرف هل ظهرت عليه أمارات الحب وتقول:

أرى قمبيز ذل ورَقَّ طبعًا

بربك هل رأيت عليه حبًّا؟

ومع ذلك نسمع قمبيز يقول لها في هذا الفصل معاتبًا مذكرًا بحبه الذي هي به «أدرى»!

دعي العزة بالجنس

نتيتاس، دعي الكبرا

ولا تلقي على إحساني

النسيان والكفرا

أما أحببتك الحب

الذي أنتِ به أدرى؟

وفضلتك في القصر

على البيضاء والسمرا؟

وقدمتك في الأزواج

قبل الأخت من كسرى؟

فقمبيز هنا يذكِّرها بحبه، ويقول لها إنها عارفة به لا تجهله، ويسرد لها آياته ودلائله، نعم إنها آيات سخيفة ولكن هذا ذنب الشاعر لا الملك، فإذا كان هذا كذلك ففيمَ سؤال الملكة وصيفتها «بربك هل رأيت عليه حبًّا» فهل شوقي يكتب وينسى؟ ألا يحاول على الأقل أن يوفِّق بين أبعاض المنظر الواحد إذا استعصى عليه التوفيق بين ما في الرواية كلها.

‏وسنتناول بقية الفصل في مقال آخر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.