بعد مذبحة الإسكندرية

وقعت مذبحة الإسكندرية في ١١ يونيو ١٨٨٢، ودامت من الساعة الواحدة والربع بعد الظهر إلى الساعة الرابعة والنصف، وكان الرأي السائد أن هذه الفتنة دُبِّرت تدبيرًا محكمًا قبل وقوعها لاتقاد نارها في جهات متعددة بوقتٍ واحد؛ فالوطنيون اتهموا بها الخديوي وحزبه، وعرابي اتهم بها الإنكليز وزعم أن السير مالت قنصلَ إنكلترا الجنرال وكَّلَ إلى بعض المالطيين الذين تزيَّوا بزيِّ الوطنيين أن يثيروا الفتنة، ولكن الآخرين من مشايعيه اتهموا الخديوي توفيقًا وعمر لطفي محافظ الإسكندرية.

وأخذ المستر بلنت صديق عرابي بهذه النظرية زاعمًا أن الخديوي أرسل إلى عمر لطفي تلغرافًا في ٥ يونيو، وهذا التلغراف يثبت التهمة عليه، ولكنه لم يثبت نص التلغراف ولم يرشد إلى المكان الذي عثر فيه عليه، والظاهر أنه أخذه من أقوال المحامين عن عرابي أمام المجلس العسكري. وإذا كان المستر بلنت قد كتب التاريخ السري للثورة العرابية، فإنه كتب ما نُقِل إليه أو بالأحرى ما نقله إليه العرابيون، ولم يشهد جميعَ الحوادث والتطورات.

والخديوي اتهم العسكريين وحزبهم بالعجز عن ضبط الأمن وصيانة الأرواح.

أما الأجانب فإنهم جميعًا يبرئون الخديوي من كلِّ يدٍ في هذه الفتنة لأسباب كثيرة: أولها تديُّنه ولين طبعه وضعفه، وثانيها أنه لو أصدر أمرًا إلى الجنود والمستحفظين لما أطاع له أحدٌ أمرًا؛ فلم يبقَ إذًا إلا أعمال المحرِّضين كعبد الله نديم الذي كان صديق عرابي الحميم وصديق الضباط، وكان يسافر على جميع الخطوط الحديدية بنصف أجرة بحجة أنه خطيب الجيش، وهو الذي طلَبَ تغيير اسم جريدته من النديم إلى الطائف، ليكون وقْع الاسم كبيرًا في نفوس القراء؛ لأن الطائف قطعة من الأرض المقدسة.

والمجمع عليه والثابت من التحقيق وشهادة جميع الشهود، أن الفتنة اتقدت في وقتٍ واحد في ثلاث جهات من جهات المدينة لا اتصال لإحداها بالأخرى، وقد كان عدد كبير من البدو النازلين حول المدينة موجودًا في أماكن الفتنة، وزاد الذين يتهمون الوطنيين على ما تقدَّم أن الرجل الذي قتله المالطي كان مسجونًا بجناية، فأطلق سيد قنديل حكمدار البوليس سراحَه ليتحرَّش بأحد الأوروبيين، وأن عبد الله نديم المحرِّض الشهير وصل إلى الإسكندرية مع السيد حسن موسى العقاد في صباح يوم الحادثة وأنهما اجتمَعَا بسيد قنديل، وأن كثيرين من الناس رأوا السيد حسن العقاد في قسم اللبان يوزِّع النبابيت على الأهالي. وكل ما ثبت من شهادة الشهود أمام لجنة التحقيق أن السيد حسن موسى العقاد وصل في صباح ذلك اليوم إلى الإسكندرية، وأنهم رأوا النبابيت تُلقَى للأهالي من شباك أحد المنازل بالقرب من المحافظة، ولكن لم يثبت على السيد العقاد القيام بأي عمل عُزِي إليه.

على أن مسألة اتهام حكمدار البوليس سيد قنديل موضع النظر؛ لأن سيد قنديل كان وكيل عرابي في الإسكندرية، وقد وجدوا بين أوراقه ستَّ رسائل من عرابي إليه تثبت هذه الوكالة، وكانت بينه وبين عرابي رسائل بالشفرة، وقد وجدوا أربع رسائل، وشهد بذلك حسن بك حسني رئيس القلم التركي بوزارة الحربية. أضِفْ إلى ذلك أنه جاء القاهرة قبل الفتنة بأيام، واختلى بعرابي ومحمود سامي مرارًا وتكرارًا، ولما سُئِلوا بالتحقيق عن الغرض من تلك الاجتماعات به، وما دار بينهم فيها من الأحاديث لم تتفق رواية أحدهم مع رواية الآخَر. وقد كان سيد قنديل يجمع الضباط ورؤساء البوليس في منزله، وكان آخِر اجتماع عقده يوم ١٠ يونيو؛ أي قبل الفتنة بيومٍ واحد، ولما انفضَّ الاجتماع خرج يقول لكلِّ واحد لقيه إنه عزم على أن يتناول شربة في صباح الأحد، ولم يستطع أن يثبت للمحققين أنه كان مريضًا.

ويزيد في الشبهة ضد مسلك الوطنيين تلك العريضة التي أرسلها الضباط في ٢٧ مايو إلى الخديوي ليُعِيد عرابي إلى الوزارة، ثم قعود الجيش عن أية حركة طوال يوم الأحد أيْ يوم الفتنة، ثم المجهود الذي بذله الميرالايات ليُنقِصوا من الإحصاء في عدد القتلى الأوروبيين. ويلي ذلك كتاب من عرابي مؤرَّخ ١٠ يونيو؛ أيْ قبل الحادثة بيومٍ واحد، وفيه يسأل عن قوة الأسطولين الفرنساوي والإنكليزي، ويسمِّيها قوةَ العدو الحربية، وكتابٌ بعد ذلك إلى لجنة التحقيق لتعمل ما يبرِّئ العسكريين. وقد ردَّ المدافعون عن الوطنيين على هذه التهم بأن مصلحة عرابي ورفاقه كانت تقضي بصيانة الأمن والنظام؛ لأنه قطع على نفسه عهدًا بذلك، فردَّ خصومهم بأن إحداث القلاقل والاضطرابات يُكرِه الخديوي ودرويش باشا على أن يلجآ إلى عرابي، وتقضي من جهة أخرى على القناصل بأن يتفقوا مع الحزب الوطني.

هذه كلها تُهَم ترامى بها الخصوم نذكرها للتاريخ فقط، وكل شيء يدل على أن الأعصاب كانت متوترة من كل جانب، وعلى أن الصدور كانت محرجة، فكفى أن تقع تلك الحادثة المشئومة حتى يليها ما وقع في أنحاء المدينة، وحتى يظهر التورُّط والتفريط من كل جانب.

بعد المذبحة نزلت الجنود المصرية من ثكناتها إلى المدينة واحتلت مفارقَ الطرق، وكانت تُجرِّد الناس من السلاح وآلات القتال، وكانت الأوامر التي أصدرها عرابي إلى الضباط والقُواد بناءً على طلب درويش باشا أوامرَ شديدة حازمة نُفِّذت بشدة وحزم. ووصلَتْ في يوم ١٢ إلى الإسكندرية الأخبارُ بأنه تألَّفت لجنة للتحقيق من وكيل الحربية يعقوب سامي، ووكيل الحقانية بطرس غالي، ومن أحد ياوران الخديوي، ومن آخَر من ياوران درويش باشا. واجتمع القناصل بعد خمود الفتنة في ليلة ٧ يونيو في منزل قنصل إنكلترا كوكسون للتباحث في طريقة حماية رعاياهم، وحضر اجتماعهم محافظ الإسكندرية الذي طلب ألَّا يتحرك الأسطول؛ لأن أقل حركة تبدو منه يجزع لها الأهالي والسكان جميعًا، لا سيما رجال الجيش، فالأفضل أن يُصدِر القناصلُ إلى رعاياهم الأوامرَ بأن يلزموا دورهم، ولكن القناصل اقترحوا أن ينزل النساء والأطفال الذين تولَّاهم الجزع إلى الدارعة الإنكليزية سوبرب التي كان الأميرال قد أدناها من الميناء الجديد عند قيام الفتنة، وأن هذه الدارعة ترسل زوارقها لالتقاط الفارين، فلم يسلِّم عمر لطفي بهذا الاقتراح إلا مُكرَهًا، وبعد خروجه من الاجتماع كرَّر الطلب بأن يُبعِد الأميرال دارعته عن الميناء، ولكن القونصولاتو الإنكليزية التي كانت متصلة بسفينة الأميرال بسلك تلغرافي كانت قد أرسلت إليه قرار القناصل، فأنزل الزوارق إلى البحر، ولم يستطع إعادتها كطلب عمر لطفي؛ لأن ظلام الليل كان قد خيَّم، ومن المستحيل إرسال إشارة العودة إلى الزوارق. وعدَّ الضباط حركة الزوارق استعدادًا لنزول الجنود الإنكليزية، فذهب إليهم المحافظ وقنصل روسيا وسكَّنا قلقهم، ولم تقع في تلك الليلة أقل حادثة إلا مشاجرة في حي العاهرات بالطرتوشي أخمدها الجند في الحال.

وصرف موظفو المحافظة ليلتَهم بنقل الجرحى والقتلى إلى المستشفيات، وكان الميرالاي سليمان داود ورفاقه يريدون دفن الجثث في الحال دون أن تُرسَل إلى المستشفى.

في ١٢ كانت اللجنة المرسلة من القاهرة قد وصلت، فعقدوا في الساعة السابعة صباحًا اجتماعًا حضره قناصل الدول وكبار الموظفين الملكيين والعسكريين، فقال الميرالايات أنهم يضمنون الأمن العام على شرط أن يتفادى الأسطول عن كلِّ حركة حربية، واتفقوا على تعيين نقطة عند الترسانة ينزل منها المهاجرون إلى البحر، وعلى توجيه نداء إلى الوطنيين والأجانب يدعونهم فيه إلى السكون والاطمئنان، ووعد القناصل بأن يقبضوا بواسطة القواصين على كلِّ واحد من رعاياهم يحمل سلاحًا ناريًّا، ثم عيَّنوا لجنةً من الأطباء لزيارة المستشفيات، فوجدت هذه اللجنة في تلك المستشفيات ٤٩ جثة منها ٤٦ بلا ختان، وواحدًا وسبعين جريحًا منهم ٣٦ أوروبيًّا، ولكن هذا العدد لا يدل على عدد القتلى أو الجرحى؛ لأن الوطنيين كانوا قد نقلوا جثثَ موتاهم، ولأن النصارى أُلقيت جثثُ الكثيرين منهم بالبحر والنهر وطُمِر بعضها في تلال الرمل؛ لذلك لم يُعرَف العدد الصحيح، وهو نحو ٣٠٠ قتيل على أصدق تقديرٍ؛ نحو ثلثهم من الأجانب، والثلثان من الوطنيين في رواية سكرتير عرابي المسيو نينه السويسري.

على أن الوسائل التي تذرعوا بها لم تُهدِّئ الأفكار، فملأ الهاربون البواخر الراسية في الميناء حتى باتت السفن الحربية الإنكليزية عند الغروب عاجزةً عن الحركة لكثرة الذين لجئوا إليها، وأدرك الجميع أنه لا يمكن إيقاف التيار إلا بأوامر تصدر من القاهرة لتطمين الأهالي؛ فاجتمع قناصل الدول السياسيون عند السير مالت واتفقت آراؤهم على أن تطمين الأجانب مقدَّم على كلِّ أمرٍ آخَر، وكان رأي قناصل ألمانيا والنمسا وروسيا أنهم لا يصلون إلى هذا الغرض إلا بالاعتراف بسلطة عرابي وبتأييد هذه السلطة؛ فانضم قنصلَا فرنسا وإنكلترا إلى هذا الرأي، وسلَّما فوق ذلك بأن كل حركة يبديها الأسطول تقضي إلى مدافع جديدة، فوعد السير مالت بأن يرسل إلى الأميرال سيمور ليتفادى عن كل ما يمكن أن يُئَوَّل بأنه حركة تحكك بالوطنيين.

وذهب القناصل بعد ذلك الاجتماع الذي عقدوه في ١٢ يونيو إلى درويش باشا ليبلغوه أنهم يعدُّونه مسئولًا عن الأمن العام، فأجابهم أنه لم يتلقَّ أي تعليمات، وأنه لا يملك أية وسيلة. وعند الظهر دُعِي القناصل إلى السراي الخديوية حيث وجدوا عند وصولهم الوفدَ التركي وعرابي حتى شريف باشا، وبعد مناقشات في الحالة وعَدَ الخديوي بأن يُصدر الأوامر المشددة، ووعد عرابي باسمه وباسم الجيش بأن يطيعوا تلك الأوامر، وأن يتحمَّل تبعة الأمن العام. ونشرت المونيتور إجبسيان في ١٣ يونيو أمرَ الخديوي وتصريحَ عرابي، وكان فوز عرابي باهرًا؛ لأنهم لجئوا إليه في ساعة الشدة، وكانوا قبل مذبحة الإسكندرية لا يفكِّرون إلا بإبعاده عن مصر. ولكن هل عرف عرابي وهل عرف الذين كانوا على رأيه ويسعون سعيه كيف يستثمرون فوزهم، وأن يتذَّكروا المثلَ القائل: ما كل مرة تسلم الجرة؟

لا …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.