قد يَصدِم نفسَ القادمِ إلى «أَرْز لبنان»، حين يراه للمرة الأولى من بعيد، نوعٌ من خيبة الأمل، وقد يُصاب الخيال المتطاول في تصوراته لتلك الأشجار بنوعٍ من التراجع والتراخي، وبلونٍ من ألوان الضجور.

على أن المرء لا يلبث أن يسترجع ﻟ «أرز لبنان» ما كان يُقدِّره له من خيال متطاول في تصور جماله وجلاله، ويكون ذلك عندما يتردد المرء على هذه الأشجار، ويطمئن إلى ظلالها، وعندما يرتفع البصر إلى أطراف هذه الباسقات العالية، وفروعها المتشابكة الممتدة بعضها إلى بعض، كأنها أكُفُّ الضراعة تتبسط في التسبيح لعظمة من طوى القرون على «أرز لبنان» جيلًا إثر جيل، وهذه الأشجار المُعمِّرة تخترق بجذورها الصخور الصماء في بطن الأرض، وفي حضن الجبل، وتتعالى بقامتها إلى السماء رويدًا رويدًا، وتشخص إلى الشموس المتتابعة عليها تحييها عند كل صباح، وإلى الكواكب اللامعة تلقي السلام عليها عند كل مساء طوال قرون هلكتْ فيها أمم، وعاشت فيها أمم، ودالَتْ فيها دول، وحلَّت محلها دولٌ.

ولعلَّ المُسْتلقي في هدأة الأَرْز، حين ينظر إلى الأوراق الشعرية الرفيعة وهي تحاول أن تحجب قرص الشمس عن البصر، حين تتوسط الشمس في السماء، قد يخيل إليه أنه إنما يتغشاه عالم ليس من عوالم النور، وليس من عوالم الظلام، لكنه عالم صدفة وسكون يجافي هول الظلمة، ويتحاشى زهو الضياء … حينئذٍ عند هذه النظرات قد يجول بالخاطر أن «أرز لبنان» تدرك معانيه عند التقرب منه، والإمعان في معرفته، وحينئذٍ تتبين النفس قيمة المتدبر «أرز لبنان» درسًا صامتًا بليغًا في علو قدر التدقيق، وارتفاع الحكم المُمَحِّص الرصين.

على أنني ما قصدت أن أُصوِّر في هذا المقال «أرز لبنان»، وما توخَّيتُ لقيمته وصفًا، لكني رغبت في الكتابة لهزةٍ من هزات النفس لحقتني من نغمة محبوبة، وأنشودة طالما أهنأ بسماعها ممن عودوني إسماعها حين يصيحون ويمرحون، أنشودة يتغنى بها أولادي في لعبهم ونشاطهم.

ففي ساعة من الساعات التي تأهبت فيها الشمس للغرب لتطوير خيوطها الذهبية المنتشرة في الأفق، وتفيض أشعتها المرسلة من السماوات الصافية، اتجهت من فندق الشفق في طريقٍ وعرة موصلة إلى الغابة، وكان الهواء باردًا، جافًّا، منعشًا، نقيًّا يغري على المسير، فقطعت مسافة أحسبها بعيدة على ما بقي لي من جهد في ممارسة الطرق الجبلية المصعدة، فشعرت بشيءٍ من العناء والتعب، وتخيرت لراحتي صخرة من تلك الصخور الملقاة على جانب السبيل، وفي نشوة الهواء العليل — حين كنت أستردُّ بعض ما أنفقت من قُوًى — أحسستُ كأنَّ انشراح الصدر يوهمني بأن صوتًا يشق طريقه من رئتي إلى الفضاء؛ ليحول الصوت نغمًا شجيًّا، ولكن هيهات هيهات …

وبينما كنت أعتب في نفسي على الطبيعة وعلى الظروف التي لم تهيئ في حنجرتي أوتارًا لإخراج الصوت الجميل، وآسف لجهلي استخدام آلة تخرج النغم لأغني للطبيعة، وأترسَّل في جمالها بلغة تستمد من وجهها، وتصل إلى آذانها العلوية، إذْ سمعت أصواتًا يصل إليَّ صداها غامضًا خافتًا من خلف الجبل، فاستجمعت سمعي؛ لكي تتجلى عليه تلك الأصوات، ولكي تتجلى من خلف الأكمة ما وراء الأكمة، فإذا الصوت يعلو قليلًا قليلًا، ويتضح شيئًا فشيئًا، ويتجلى آونة بعد آونة، ثم إذا به يتزايد ويتَّضح فأَعرِفُه، وإذا بأولادي الذين اقتفوا أثري مع أمهم من بُعدٍ تبدو وجوههم مُورَّدة، ويهتفون معًا: «بلادي بلادي فداكي دمي!»

وإذا بهم يسارعون لحِجْر أبيهم المُتعَب، وإذا بذراعي تُطوِّق أجسامهم الصغيرة، فقلت في نفسي بما لا يدركون: من حق نشيدكم الوطني — يا بَنِيَّ — أن يتردد صَداه في هذه البِقاع؛ فإن نغمة في ركن من أركان العرب ينبغي أن يكون لها رنين في جميع بلادهم، لو كانوا وكنتم تعلمون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.