ما أكثر الآثام التي تُقترَف ويَحسبُها الأجانب على مصر، ويُضيفها الأجانب إلى المصريين؛ لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئًا! فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يُضاف خيره إن كان فيه خير، وشره — وما أكثر ما فيه من الشر! — إلى هذا الشعب المصري المسكين.

وماذا يمنع الأجانب في أوروبا وغير أوروبا أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو؛ لأن الوزارات عندهم تعمل وفقًا لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلًا ولا كثيرًا، ونحن نُخيِّل إلى الأجانب في أوروبا وفي غير أوروبا أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم، وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخَّى إرادة الشعب، وتجِدُّ في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مقدم، وإذا أحجمت، فالشعب محجم، وإذا أرادت فالشعب مريد؟

كذلك نُخيِّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يُصدِّقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات، وهم لذلك إذا أنكروا شيئًا من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلًا، غافلًا، قليل الحظ من الحضارة، بعيدًا عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه، وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.

وهناك أمر مؤلم حقًّا، لا أعرف شيئًا أشد منه إيذاء للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلامًا للقلب النقي، وأسوأ منه أثرًا في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية التي تمثل فصولها منذ أعوام بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حيًّا، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت، أو قل: إن هذه القصة لا تُمثَّل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تُمثَّل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات.

أو قل: إن هذه القصة تُمثَّل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب، فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه، فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف، تستطيع أن تقول هذا كله؛ فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن المُمِضِّ.

أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعًا، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاء، وأهدرت كرامة الشعب إهدارًا، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية. وكانت أنباؤها تُذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم.

ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرنًا، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث؛ أيجوز له أن يحيا ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت، وأن يموت معه الفن؟

وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.

نعم، كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعدًا في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم؛ في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعًا للخصام؟

ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث قبل أن يموت يائسًا، ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة، وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى. تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط أن لا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار، بشرط أن لا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث.

لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا، فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعًا، منتشرة في بيوت الناس جميعًا، يزيدها الاضطهاد بقاء وانتشارًا. كلا، هي لا تخاف صورة سعد، ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد، هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يُبدَّد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصريًّا، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبيًّا فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال، وعليه تتهالك الوزارة.

وزارتنا إذن لا تحارب الفن؛ لأنه الفن، وإنما تحاربه إذا كان مصريًّا! يا للهول! يا للوعة! يا للأسى! كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حربًا على القومية المصرية؟

لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حيًّا وميتًا؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم، ومن مجَّد سعدًا أو سعى في تمجيده فقد حقَّت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد حيًّا وميتًا.

أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى أنه يضاف إلى المصريين جميعًا في الخارج، أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون: إن الشعب المصري ما زال جاهلًا غافلًا متوحشًا، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه؛ لأنه عاجز عن أن يُقدِّر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان، فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.