يقولون عن المصري إنه عاجز عن القيام بعمل هام تحفه المخاطر، وإن أقدم عليه لا يلبث أن يرجع القهقرى بعد أن يسير في طريقه قليلًا، تاركًا مشروعه في يد الإهمال ثم الموت. هذا ما يقال عن المصري في كل بلد، وهذا ما أثبتته التجارب، وإنها لحقيقة مُرَّةٌ تؤلم النفوس الحية، ولكنا لا يسعنا إلا الإقرار بها؛ لأن الإقرار بالضعف قوة، ربما أنتجت نتيجة حسنة تعود بالخير والمنفعة. تقول الناس عن المصري ذلك، ومنهم من يجد السبب في الجهل الضارب أطنابه على سواد المصريين، ومنهم من يجده في تأثير الطقس على نفوس المصريين، ومنهم من يجده في غير ذلك. وقَلَّ من يجده في جهل المصري لشخصيته، وجهل الشخصية هو الباعث الأقوى على عدم الاعتماد على النفس وعلى الاتِّكال على الغير، والاتكال على الغير يسوق المرء إلى هوة الموت الأدبي التي ترقد فيها النفوس رقدة طويلة لا تستيقظ بعدها لأي عمل نافع.

ليس الجهل هو السبب في فشل المصري، فكم من أمة جاهلة ارتقت تدريجيًّا إلى مصافِّ غيرها من الأمم المتعلِّمة، وليس الطقس هو السبب في خمول المصري وكسله، وكيف يكون الطقس سبب ذلك والأجنبي يعيش معنا تحت السماء التي تظللنا ولكنه يعمل ونحن ننام؟

نحن قوم لنا تاريخ يجمعنا، نعيش به في بقعة من الأرض حدودها معلومة للأجنبي وللوطني، ولنا لغة واحدة نتفاهم بها، بل ولأجسامنا لون واحد يكاد يكون عامًّا، فنحن إذن أمة حية تعرف ما عليها وما لها، ويحق لكل فرد من أفرادها أن تعرف أنه مصري يعيش لمصر ويحيى من أجلها، حتى إذا عرَف ذلك كل المعرفة أمكنه أن يعتمد على نفسه في أي عمل يقوم به. هذا مع الأسف ما يجهله عامة المصريين، أما الشبيبة منهم فقد ابتدأتْ في فَهم ذلك، بل في خلع ذلك الرداء الرث، وارتداء تلك الحلة الجديدة الجميلة التي يحق لهم أن يتزينوا بها في كل عمل يهمون بأدائه لأنفسهم أو لوطنهم، وأداء العمل الشخصي بما يقضي به الواجب هو في الحقيقة أداء جزء من العمل الذي يتطلبه الوطن.

ربما كان في فَهم الشبيبة المصرية للشخصية المصرية بعض من التقليد والتصنُّع، ولكنه إن لم يتحول عاجلًا إلى طبيعة محمودة وغريزة في النفس، فسوف يتحوَّل آجلًا في نفوس أبناء هذه الشبيبة، ويصبح غريزةً تصحب النفوس من ساعة أن ترى العيون نور السماء.

هذا ما أريد كتابته للشبيبة، بل هذا ما أَلْفِتُ أنظار الكتاب له، حتى تبلغ بهم مصر غايتها المنشودة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.