وا رحمة بالغريب في البلد النازح

ماذا بنفسه صنعا

فارق إخوانه فما انتفعوا

بالعيش من بعده ولا انتفعا

وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين في هذه الأيام التي يستطيع الناس أن يطووا الأرض فيها طيًّا، أو ينهبوا المسافات فيها نهبًا، بالسيارات حينًا، وفي القطارات حينًا آخر، والتي يستطيع فيها الناس أن يقتحموا الجو اقتحامًا ويلتهموه التهامًا، بالطيارات حين تدعوهم إلى ذلك مرافقهم وحاجاتهم؛ أو حين يدفعهم إلى ذلك ما يُثِيرُهم من الآمال والآلام.

نعم، وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين ولا بالقياس إلى أي بلد من بلاد هذا الشرق العربي، الذي تجمع بين أجزائه صلات المودة والحب، وعلاقات الثقافة واللغة والدين. فالرجل من أهله مقيم في وطنه مهما تبعد به الدار، مضطرب بين مواطنيه مهما تنأَ به الآماد، ما دام لم يخرج من هذا الشرق العربي.

ليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين؛ فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريبًا في مصر، وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريبًا في فلسطين. ولكن الظروف القاسية، والخطوب العاتية، والأيام السود، تأبى إلا أن يكون المصري غريبًا في مصر، فكيف بالرجل من أهل فلسطين إذا أقام على شواطئ النيل؟

وإذا كان المصري من أهل القاهرة لا يستطيع أن يزور بنها أو قليوب أو طوخ إذا كرهت له الوزارة، أو كرهت منه الوزارة أن يزور هذه المدن، مع أن أرض مصر مباحة للمصريين جميعًا بحكم الدستور والنظام والقانون وطبيعة الأشياء، فكيف ننكر أن يعجز الفلسطيني عن أن يزور مصر أو أن يعجز الفلسطيني عن أن يخرج من مصر عائدًا إلى وطنه مهما تكن الظروف التي تدعوه إلى أن يعود.

نعم، يجب أن يشعر كل شرقي بأنه غريب في الشرق! سواء أكان هذا الشرق وطنه الذي ولد فيه أم لم يكن، ذلك شيء لا منصرف عنه ما دامت أمور الشرق ليست إلى الشرقيين، وما دام الذين يحكمون في الشرق ليسوا هم الشرقيين، وإنما هم قوم آخرون أقبلوا من وراء البحر تسبقهم القوة المدمرة، وتتبعهم القوة المدمرة، ويستطيعون أن يفرضوا إرادتهم وأهواءهم على عباد الله فرضًا. يجب أن يشعر الشرقي بأنه غريب في الشرق ما دام الغربي — والغربي وحده — هو الذي يصرف أمور الشرق ويقضي فيها بما يحب ويريد. ومن يدري؟! لعل شعور الشرقيين بأنهم غرباء في بلادهم، أجانب في أرضهم، سجناء في أوطانهم، لعل هذا الشعور إذا قوي واتصل وتغلغل في أعماق النفوس أن يُثِيرَ في نفوس الشرقيين ما ينبغي أن يثور فيها من الحرص الصحيح المنتج على أن يكونوا أبناء بلادهم حقًّا، وأهل أوطانهم حقًّا، وسكَّان أرضهم حقًّا، لا ينازعون في ذلك، ولا يدافعون عنه، ولا يتحكم فيه المتحكمون.

كل شيء في هذه الأيام يُلْغِي ما بين البلاد والأوطان من هذه الحدود التي أقامتها الطبيعة جبلًا حينًا ونهرًا حينًا، وبحرًا مرة وصحراء مرة أخرى، وكل شيء في هذه الأيام يخفف هذه الفروق التي أنشأتها الطبيعة بين الناس. ولكن هناك شيئًا يقيم مكان الحدود الطبيعية حدودًا أخرى، ويقيم مكان الفروق الطبيعية فروقًا أخرى، ويزيد التقاطع والتدابر بين الناس، وهو ظلم الاستعمار. ظلم الاستعمار يجعل الشرق العربي سجنًا ضخمًا هائلًا يسكنه عشرات الملايين من السجناء، وهو يقسم هذا السجن أقسامًا، ويلزم أهله أن يُقِيموا في هذه الأقسام لا يخرجون منها، ولا يدخلون إليها إلا بإذنه ورضاه، وهو لا يعتمد في إذنه ورضاه على عدل ولا قسط، ولا رحمة، ولا عاطفة، وإنما يعتمد على المنفعة وحدها وعلى هذه المنفعة الآثمة الظالمة التي تجعل الناس عبيدًا للناس في وقت يجب أن يكون الناس فيه كلهم أحرارًا، وأن يكون الناس فيه كلهم سواءً أمام الحق والعدل والإنصاف.

خطرت لي كل هذه الخواطر المظلمة حين أقبل مقبل فأنبأني بأن صديقًا لنا من أهل فلسطين أقام في مصر منذ أعوام، وله في سياسة بلده مذهب يكرهه المستعمرون؛ فهو يقيم في مصر كأنه حر، وأكبر الظن أنه سجين، وهو راضٍ بهذه الحرية الضيقة، وهو مغتبط بهذا السجن الذي اتخذ له من وادي النيل؛ لأن له من السجناء المصريين أصدقاء يحبهم ويحبونه، يخلطونه بأنفسهم ويخلطهم بنفسه، ولكن الحوادث تحدث والنائبات تنوب، والله لم يقطع الصلات كلها بينه وبين وطنه في فلسطين؛ فهناك أهله الأقربون وهناك إخوانه، وهناك أترابه ولِدَاته، وهو يتصل بهم، وهم يتصلون به، يلقاهم إن هبطوا إلى مصر، وتسعى بينهم الكتب إن أقاموا في فلسطين.

ثم جاءته الأنباء بأن أمه مريضة، وبأن مرضها شديد، فهَمَّ أن يذهب للقائها، والعناية بها، وقضاء ما فرض الله وما فرضت الطبيعة وما فرضت الأخلاق من حقها عليه، ولكنه وجد باب السجن مغلقًا، فلما استفتح الباب لم يفتح له، ولما ألحَّ في الاستفتاح لم يحفل به، ولما غلا في الإلحاح لم يلتفت إليه، والمرض هناك في فلسطين يسلك طريقه لا متوانيًا، ولا متباطئًا، لا مفكرًا في أن هناك ابنًا في مصر يريد أن يرى أمه ويجد في الخروج من مصر مشقة وعناءً؛ فمن الخير أن يمهل ومن الخير أن ينتظر لعل قلب السجَّان أن يرقَّ، لعل هذا السجين أن يلقى أمه قبل أن يدركها الموت.

والسجين يستفتح الباب ويرفع إلى السجان ما يأتيه من آراء الأطباء وشهاداتهم بأن المرض يسلك طريقة مسرعًا لا يصطنع رفقًا ولا أناة. ولكن قلب السجان مغلق كباب السجن لا تنفذ إلى قلب السجان رحمة ولا بِرٌّ كما لا يستطيع السجين أن ينفذ إلى أرض وطنه ليرى أمه قبل أن تموت.

ثم يحمل البرق إلى هذا السجين فجيعته في أمه، فلا تذكر حزنه ولا تذكر جزعه ولا تذكر يأسه! فكل هذه أشياء لم يبقَ لها الآن خطر ولا قدر، ولكن اذكر أنه أسرع بهذا النبأ إلى السجان، يسأله أن يفتح له الباب ليسرع إلى وطنه فيؤدي إلى أمه الواجب بعد أن أدركها الموت ما دام قد عجز عن أن يؤدي إليها الواجب قبل أن يدركها الموت. ولكن قلب السجَّان مغلق دائمًا كباب السجن؛ فلن يخرج هذا الصديق الحزين البائس من مصر، ولن يرى أمه ميتة كما أنه لم يرها مريضة، لن يسعى في جنازتها، لن يُصَلِّي عليها، لن يقوم على قبرها، وستسعى هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يشيِّعها ابنها، وستهبط هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يودِّعها ابنها، وستلقى دون الأحياء ودون هذه المرأة الصالحة هذه الجنادل الصم التي تغلق أبواب القبور، وسيظل ابنها سجينًا، وستحول بينها وبينه هذه الأبواب الثلاثة المغلقة؛ هذا الباب الذي لا يفتح للرحمة إلى قلب السجان، وهذا الباب الذي لا يفتح للسجين إلى فلسطين، وذلك الباب الذي إذا أغلق من دون الموتى فإنه لا يفتح إلا يوم يؤذن للموتى بالبعث والنشور، وسيقول المستعمرون بعد هذا: إنهم رسل الرحمة وملائكة السلام، وإنهم قد أقبلوا إلى الشرق يحضِّرونه ويهذِّبونه ويثقِّفونه ويرمون به إلى المثل الإنسانية العليا!

ما أجدر الإنجليز أن يتفكروا في هذه القسوة التي يعجز الناس عن وصفها؛ لأنهم يعجزون عن إدراكها، ولكنهم لا يعجزون عن اقترافها حين يدفعهم إلى ذلك الظلم والجور، والغطرسة والكبرياء!

ما أجدر الشرقيين أن يتفكَّروا في هذا، وأن يرحموا أخاهم هذا الغريب، وأن يرحموا أنفسهم؛ فكلهم غريب كهذا الرجل، وأن يفكروا لأنفسهم في شيء من العزة والكرامة يطلقهم من هذه السجون الواسعة الهائلة التي يخيم عليها الظلام.

ما أجدر هذا الصديق الغريب الأستاذ محمد علي الطاهر أن يتعزَّى وأن يتأسَّى، وأن يعلم أنه لا يشقى وحده بهذه الآلام الثقال، وإنما يشقى بها معه كل هؤلاء الشرقيين الذين يضطرهم الاستعمار إلى حياة الذل والبؤس والهون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.