في حقل خارج بودابست بالمجر، تحلق عشر مروحيات رباعية دون طيار كسرب منظم. وهي إما تندفع قاطعة مساحات كبيرة أو تصنع تشكيلات أو حتى تتبع طائرة قائدة.

سرب من مروحيات بدون طيار يحلق ليلًا.
سرب من مروحيات بدون طيار يحلق ليلًا.

هذه الآلات الصغيرة هي ثمرة جهود علماء مجريين بقيادة الفيزيائي تاماس فيتشيك من جامعة إتفيش في بودابست. وهي طائرات ذاتية القيادة، بمعنى أنها تُحَوْسِبُ خُطَط طيرانها بنفسها، دون أي تحكم مركزي. يمكن للطائرات اتباع التعليمات، لكنها تضع مساراتها باستخدام إشارات نظام تحديد المواقع العالمي من أجل الملاحة، وتستخدم إشارات الراديو من أجل التحدث بعضها مع بعض. وهذه الطائرات هي أقرب شيء لدينا يشبه سربًا اصطناعيًّا من الطيور.

إن سرب المروحيات نسخة واقعية من برنامج كمبيوتر مهم يُسمى «بويدز» Boids، الذي صنعه كريج رينولدز في عام ١٩٨٦؛ إذ برمج أجسام طائرة افتراضية — تُسمى بويدز — للتحرك وفقًا لثلاث قواعد بسيطة: «اصطفاف» الأجسام مع متوسط ارتفاع جيرانها، و«انجذاب» بعضها إلى بعض، وأيضًا «تباعد» الأجسام بعضها عن بعض للحفاظ على قدر من المساحة الشخصية. وكانت هذه القواعد الثلاث البسيطة كافية لمحاكاة سرب حقيقي كسرب الطيور.

كان البرنامج مهمًّا أهمية بالغة لصانعي الرسوم المتحركة في هوليوود الذين يرغبون في تصوير أسراب من الخفافيش أو الفرار الجماعي لحيوانات الظبي الأفريقي. ولكنه أيضًا أوضح للعلماء أن سلوك جماعات الحيوانات يمكن أن ينشأ من أفراد يمتثلون لقواعد بسيطة مماثلة، وليس من الالتزام بخطة رئيسية أو التواصل بالتخاطر.

فيتشيك هو أحد رواد الحركة الجماعية العديدين، والذي أضاف إلى هذه المبادئ على مدى العقود القليلة الماضية. وعلى مدى خمس سنوات، كان يحاول تطبيقها على الروبوتات الموجودة حاليًّا.

لم يكن الأمر سهلًا؛ فالاصطفاف والانجذاب والتباعد يمكن أن تحافظ على بقاء سرب افتراضي متماسكًا، أما في عالم الأسلاك والمراوح، فهي ليست كافية. ويقول فيتشيك: «أكبر عدوَّين هما الضوضاء والتأخير.» فإشارات نظام تحديد المواقع العالمي التي تعتمد عليها المروحيات مشوشة جدًّا؛ مما يصعِّب عليها تبيُّن موقعها بدقة. كما أنها تحتاج إلى وقتٍ لاستقبال الإشارات ومعالجتها، وهذا التباطؤ يعني أنها في كثير من الأحيان تتقارب على نحوٍ خطير أو تتجاوز هدفها.

استغرق حل هذه المشكلات ما يقرب من خمس سنوات. حتى إن الفريق اضطُر إلى بناء مختبر إلكترونيات مصمم خصوصًا من أجل صنع مروحياتهم؛ حيث إن الطائرات التي تباع في المتاجر غير مستقرة للغاية وتتحطَّم باستمرار. ويقول فيتشيك عن ذلك: «عندما تتصادم، فإنها تتصادم على نحوٍ سريع جدًّا. ولا يمكننا القيام بالتجارب إلا في مناطق خالية من الناس والحيوانات.»

في غضون ذلك، كان منافسوه يصنعون أسرابهم الميكانيكية الخاصة بهم، ولكن يشير فيتشيك إلى أن معظم النجاحات المذكورة هي محاولات غش بطرق خطيرة. فعلى سبيل المثال، بعضها لا يمكنه الطيران إلا داخل المختبرات. وبعضها الآخر يتواصل مع كمبيوتر مركزي عملاق يقوم بعمليات المعالجة كلها من أجل الطائرات ويقدم لها أوامر طيران دقيقة.

داريو فلوريانو — الذي يعيش في سويسرا — هو وحده الذي اقترب من صنع سرب ذاتي القيادة حقًّا؛ فقد صنع مجموعةً من الطائرات التي تستطيع التحرك معًا في بيئات خارجية، لكنها لم تكن تستطيع القيام بمناورات؛ إذ كانت تستطيع فحسب أن تتحرك بالسرعة الثابتة (والبطيئة) نفسها، وتتجنَّب الاصطدام إحداها بالأخرى من خلال التحليق على ارتفاعات ثابتة (ومختلفة). كانت الطائرات ذاتية القيادة ومثيرة للإعجاب، لكنها قدمت عرضًا هزيلًا مقارنة بحركات الطيران الديناميكية للطيور أو طائرات برنامج بويدز.

على النقيض من ذلك، طائرات فيتشيك بدون طيار تتحرك بحرية. فإذا أمرتها بأن تشكل حلقة دوارة أو خطًّا مستقيمًا، فسوف تنظم المجموعة نفسها بالوضع الصحيح. وإذا أخبرت المجموعة أنها تتجه نحو زقاق وهمي، فسوف تصطفُّ في طابور لتتمكن من العبور من خلال فجوة.

هذا لا يقتصر على جماليات التنظيم وحسب. فيقول إيان كوزين، وهو رائد آخر في دراسة السلوك الجمعي: «مثل الجماعات الطبيعية، يتغلَّب سرب الروبوتات هذا بفاعلية على فشل الأفراد أو وفاتهم، وتغيُّر حجم المجموعة، والاضطرابات البيئية مثل هبوب الرياح المفاجئ. وهذه الخصائص الناشئة تجعل أسراب الروبوتات الذاتية التنظيم مناسبة على نحوٍ مثالي لمجموعة كبيرة من التطبيقات التي تشمل البحث الموفِّر للموارد وتسليم الأشياء، خاصة في البيئات القاسية.»

توجد تطبيقات عسكرية واضحة أيضًا، ولكن يفضل فيتشيك التركيز على التطبيقات السلمية. ويتخيَّل ابنه سرب طائرات رش المبيدات بدون طيار تقضي على برك المياه الراكدة التي يتكاثر فيها البعوض. ويحبُّ فيتشيك أن يتخيل الطائرات المروحية الرباعية تقوم بوظيفة ملقحات اصطناعية. وعن ذلك يقول: أرى هذه الطائرات بوصفها نَحْلَ المستقبل.

A Bird-Like Flock of Autonomous Drones by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. February 27, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.