قطعتُ في هذه الدنيا مرحلة طويلة من العمر، خَبَرْتُ فيها تجارِب شتَّى من السرور والألم يضيق المَقَام عن حديثها، ولكن لعلَّه لا يضيق عن معالم معدودة يمكن اعتبارها رموزًا لقِيَم لا أذوق للحياة معنًى بدونها، من أقدمها وأرسخها الإيمان بالله ورسله، وما يُضْفِيه ذلك على دنيانا من قداسة وأنوار مهما اعتراها من شوائب ونكسات، ويليها في المنزلة من القلب حب هذا الوطن وأهله وتاريخه وآماله وآلامه وركيزته الجوهرية، وهي الوحدة الوطنية بين أبنائه، وحدة صادقة حقيقية لا تفرِّق بين فرد وفرد بسبب من عقيدة أو رأي أو لون أو عنصر. والوطن والوحدة الوطنية اسمان لمسمًّى واحد، ونبض لعاطفة واحدة، فلا وطن بلا وحدة، ولا وحدة بلا وطن. وإن أي مساس بحبلها الممدود في الزمن لهو انقضاض أثيم على قدسيتها لا يقلُّ شناعة في مجاله عن الشرك بالله في مجاله.

وثمة إيمان بالوحدة العربية باعتبارها دعوة وئام وتعاون وتلاحم موجهة إلى فروع أسرة كبيرة واحدة فرَّق بينها أطماع الحكم من أبنائها وسياسة الاستعماريين والمستغلِّين، ولا تناقُض في الواقع بين الوطنية والقومية العربية، كما أنه لا تناقُض بينهما وبين الوحدة الإنسانية العامة إذا تهيَّأَتْ لها القلوب يومًا وسمحت الظروف والأحوال، وانضاف إلى ذلك إيمان بالحرية وأنت تعرف ما أعنيه بها، وقد مارسناه باسم الديمقراطية قديمًا وحديثًا، وفي نطاقه تصوَّرنا ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وبين المحكومين بعضهم وبعض، والعدالة الاجتماعية، أو مساواة الناس أمام القانون، وفرص الحياة، ومحو الامتيازات البغيضة من المعاملات، وهي هدية ثورة يوليو لشعبنا التي يجب ألا يفرِّط فيها مهما تنوَّعت به السبل، كما انضاف إليه إيمان بالعقل وحقه المشروع في البحث عن الحقيقة في الطبيعة وما وراء الطبيعة، وقدسية ذلك التي يجب أن تُصان للإنسان بما هو إنسان، ومن يتعرَّض للعقل وحقوقه بأي قيد وإن هان فقد أصاب الإنسان في صميمه، واقتلع هويته وكرامته. وأخيرًا وليس آخرًا قيمة الفن والجمال والاستمتاع الإنساني البريء بروائعه ورؤاه.

هذه هي حصيلة المرحلة من القيم، أو لعلها أهمها وأجدرها بالذكر في مقام الإيجاز، ولا أقول إني خصصت بها وحدي؛ فقد كانت طابعَ جيلٍ على تفاوتٍ في الدرجة أو الترتيب، وعشنا بها برغم محن الأيام وتقلبات الدهر زمنًا رغدًا، وما خطر ببال أحدنا أنه سيجيء يوم يصبح فيه مجتمعنا موضع اتهام آثم، أو يوصم بالجاهلية والكفر، ولكن هكذا كان. فالإيمان بالله ورسله وحده ردة عن الإسلام، والوطنية بدعة، والقومية العربية شرك، والعقل رجز، والفن دعارة، وزلزلت الأرض تحت أقدامنا ودارت رءوسنا، وجمع الحوار بيننا وبين بعضٍ من الرواد الجدد، ورحنا نتساءل: ماذا تريدون وفي أي صورة تريدون أن تصوروا دنيانا ودنياكم؟ ماذا لديكم عن الوحدة والحرية والشعب والعقل والفن، ولم نظفر بجواب شامل قط؛ أيعتبر سرًّا من الأسرار؟ إنه لم يتبلور بعد؟ تعاقبت الإجابات جزئية، ولينة متسامحة، كأنما يراد بها طمأنة السائل وتهدئة خاطره.

ولا أذكر أنني قرأت أبحاثًا في موضوعات جزئية اختلف فيها الرأي بين اجتهاد واجتهاد، وظل الكل المتكامل غائبًا مفتقدًا، بل إن وجود أنواع من الحكم الإسلامي متجاورة في باكستان وإيران لم يجلُ وجه الحقيقة؛ فالاختلافات غير قليلة في الرؤية والعلاقات مشوبة وغير أخوية … مما ضاعف من أسباب البلبلة، وأكَّد الحاجة إلى إبراز وجه الدعوة بكافة معالمها وأبعادها وقسماتها. وقد مضى عليها في مصر أكثر من نصف قرن وصوتها يتردد على درجات متفاوتة في الدرجة تبعًا للظروف والأحوال، ولكنه انحصر غالبًا في مخاطبة الوجدان والوعظ والإرشاد، واستخلاص العبر من سير السلف الصالح، مع بحوث نادرة وجزئية عالجت نظام الحكم أو الاقتصاد.

آن الأوان لإخراج دستور جامع مانع، يوضِّح نظام الحكم الجديد بكلِّ تفصيلاته، والأسلوب الاقتصادي المقترح، والحقوق والواجبات، وأبعاد الوحدة الوطنية، ودور العلم والثقافة والفن، ووظيفة المرأة، والعلاقة بالعالم وأهله؛ حتى يعرف كلُّ مواطن دوره ومستقبله. والعمل فيما يبدو ليس بعمل فرد فلتتصدَّ له صفوة من الجماعة، وإنه لجدير بأي جهد يُبذل في سبيل تحقيقه، ولا غنى عنه في تأجيله.

ومن واجب واضعيه أن يعرضوه قبل طبعه على المفكرين من المواطنين على اختلاف دياناتهم، وأن يوسعوا صدورهم لكل رأي أو ملاحظة؛ فليس الأمر مجرد إصدار كتاب، ولكنه ميثاق ومشروع حياة تنعقد آمال على نجاحه أولًا في مصر، ثم يصير دعوة مفتوحة لكل بلد إسلامي، بل وربما لكل بلد في العالم إذا استطاع أن يحقق للإنسان حرية لم توفرها له الأنظمة الأخرى، وعدالة لم تتيسر في ظل بقية التجارِب، بالإضافة إلى حياة روحية مدعمة بالقيم والسلوك البشري القويم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.