أتحدث إليكم في «الأزمة في الجامعات»، وهو اسم كتاب وضعه السير والتر موبرلي ونشره في أبريل ١٩٤٩م، وكتابه هذا ليس كتابًا عالميًّا بالمعنى الذي يجوز لنا إدراكه لأول وهلة، وإن كان موضوعه «الجامعة في أزمة العالم الحاضر» موضوعًا عالميًّا حقًّا يهم كل من يهتم بأزمة اليوم وبالجامعة في كل مكان. والمؤلف رجل جامعي ولكنه انصرف منذ سنوات لجانب «الإدارة»، وبلغ في مناصبها رياسة اللجنة المنوط بها توزيع الإعانة المالية التي يقررها البرلمان الإنجليزي في كل عام للجامعات، وتقوم تلك اللجنة ببحث حاجات كل جامعة ومشروعاتها وتقدِّر لها ما يفي بما تقره من الحاجات والمشروعات. وقد أكسبت هذه الرياسة وتلك المباحث والتر موبرلي معرفة ودراية بشئون الجامعات قل أن يكون لها نظير في بلاده. كما أنها أكسبته إنصافًا وتقديرًا لتباين الآراء جعلاه هاديًا موثوقًا به وبأحكامه في كل ما يصدر عنه في الشئون الجامعية. ولكنه في كتابه الجديد لم يتعرض لتلك الشئون الجامعية «الجارية» — إن صح أن نطلق عليها هذا الوصف — بل ارتفع عنها إلى مجال أزمة العالم الحاضر وأثرها في الجامعة وأثر الجامعة فيها؛ وهذا هو سبب اختياري له.

فالأزمة إذن هي أزمة الحضارة الحديثة منعكسة في الجامعات ومتصلة بالجامعات، تتصل بها الجامعة سببًا، وتتصل بها نتيجة، وتشارك الجامعة المسئولة عن بقائها. وما أزمة الحضارة الحديثة في نظر موبرلي ومن يتجهون اتجاهه إلا قصور الإنسان في مسالكه الاجتماعية ومناحيه الخلقية في مجاراة تقدُّم العلوم والفنون وتطبيقاتها وعجزه عن كبح جماح القوى التي أطلقها ذلك التقدم، وكان مثله في هذا الصياد الذي أطلق الجنيَّ فوقع في قبضته وأخذ يتحايل على إعادته إلى محبسه. ولكن كيف يتم لنا ذلك ونحن مختلفون فيما بيننا؟! إن منا من اطمأن إلى قدرة الإنسان على أن يفعل بالقوة ما يشاء، فلا يرى بأسًا من انطلاق المارد في مشارق الأرض ومغاربها وثوقًا بسلطانه عليه وسعة حيلته في تسخيره متى شاء وكيف شاء؛ وهؤلاء هم الذين يحسبون الإنسان مالك أمره وسيد مصيره والمبدأ والغاية. وقد اندفعت الجامعات مع المندفعين، فانشغلت بالعلم دون الانشغال بالعواقب، ورأت أن يكون الانشغال طليقًا لا تضبطه ضوابط الدين بل ولا تضبطه فلسفة الحياة الإنسانية، وآثرت الحيدة بين المذاهب، فأصبحت بهذا سببًا في تعقيد الأزمة، فكيف السبيل إلى مطالبتها بحل يفرجها؟

ويعالج موبرلي هذا كله تاريخيًّا وتحليليًّا، فاستعرض أطوار الجامعات البريطانية في القرن التاسع عشر؛ الجامعات القديمة والجامعات الجديدة، مشيرًا إلى ما مرت فيه أخواتها في أوروبا وأمريكا في تلك الفترة من الزمن. ثم عقد فصولًا جديدة لمذاهب المفكرين في الأزمة وأسبابها وما يقترحون من حلول لها، وما يرضونه للجامعات في عالمنا هذا، وخص بالنقد برنال ومن يذهب مذهبه من العلميين الدهريين. إلا أن المؤلف انتابه شيء من الضعف عندما عرض لعودة الجامعة إلى حظيرة الدين، هو يؤمن بأن لا خلاص للإنسانية إلا بتلك العودة، ولكنه يخشى أن لا سبيل لذلك في وقتنا الحاضر على الأقل. وقنع بأن يطالب للدين وللدينيين بمكان ما في المجال الجامعي؛ أملًا في مستقبل بعيد أو قريب تستلهم فيه الجامعة والجامعيون العون من مآربهم، يقرون بالعبودية له، فتُكبح جبلة الشر، وتُنكر الذات، ولا يطاع إلا الحق والخير.

وقد خلط موبرلي حديثه عن الأزمة الكبرى بأحاديث عن الأزمات الصغرى، بأحاديث عن الوسائل التي تهم المشتغلين بالشئون الجامعية الجارية.

وقرأت هذا الكتاب وفي ذهني جامعاتنا المصرية؛ قديمها وجديدها، وما يتحدث به الناس عنها فيما بينهم وفي صحتهم، وما ينشغل به الرأي العام المصري من حديث الجامعات، وكم من الطلاب تستطيع أن تستوعب، وكم من خريجيها تستطيع الدواوين والشركات أن توظف، وما يُستحدث من دراسات، وما ينشأ من كراسي أو معاهد، وما تتخذه المجالس الجامعية من قرارات في شئون أعضاء هيئات التدريس وما إلى هذا كله. وهي شئون مهمة وينبغي الاهتمام بها والتحدث فيها وتقليب مختلف الآراء في أمرها، ولكنها ينبغي ألا تصرفنا عن الأزمة الكبرى التي تحدَّث عنها موبرلي مؤثرة في الجامعات ومتأثرة بها، فهل هي كذلك بالنسبة لجامعاتنا؟ وهل أحست بوجودها؟ وهل بلغتها أنباؤها؟ أقول: لا، إذ إن جامعتينا الجديدتين نشأتا معاهد للتعليم العالي، وجامعتينا اللتين قد تحولتا إلى ذلك. وبهذا لا تتعدى مشكلات الجامعات المصرية مشكلات نوع من التعليم، بناء يُدبر، ومعمل يُجهز، وأستاذ يُستحضر، وطالب يُعد للتعليم، ورزق للمتمم. وإن أجدادنا — البعيدين منهم أو القريبين — الذين شيدوا الصروح الجامعية في مصر في وثبتها وإسلاميتها لتنظيم الحياة العقلية والروحية واستيعابها وتأليف عناصرها في مزاج قوي متماسك، ليهولنهم منظر الجامعة مرحلة من مراحل التعليم — كما نقول في وزارة المعارف — وقد قرأنا في عهود الخلفاء والسلاطين والملوك الخطاب موجهًا إلى الطوائف يتركب منها جسم الأمة: إلى القضاء والعلماء وأمراء الجند … وغيرهم، فأدركنا فهمهم للجامعة وللجامعيين واعتبارهم لهم من أُولي «الحل والعقد». فالجامعة هي هيئة العلماء، توجد بعهد من ولي الأمر، وتُحبس عليها الأموال العامة، ويقوم بأمرها من قِبل ولي الأمر أمناء عليها، وتباشر رجالها طلب علوم الدنيا والدين وتنشئة العلماء على شاكلتهم، ومنهم جميعًا — معلمين ومتعلمين، محافظين ومجددين — تتألف هيئة العلماء، وإليهم وإلى غيرهم من الهيئات يوجه الخطاب، ومنهم يُطلب الرأي أو يقدم، وهم إجمالًا — وكما قلت — أُولو الحل والعقد.

ونحن هكذا نتصور الجامعة التي يمكن لنا أن نطالبها بأن تقدِّر أزمة الحضارة الحديثة فتعمل مع العاملين على مواجهتها وتفريجها، فهي جامعة ثابتة لا تلعب بها الرياح، بل ولا يمكن أن تعصف بها العواصف؛ تأخذ وتعطي، تَنفع وتُنفع، لا تتلون، ولا تبدل فيما اؤتمنت عليه من العلم مهما أمرها الطغاة. أما إذا اعتبرناها آخر ما يصل إليه المبتدئ بروضة الأطفال فإنا نقتلها قتلًا. وكذلك نعمل إذا اعتبرناها دارًا يتردد عليها نهارًا أو ليلًا من يريد أن يكون صاحب صناعة ما؛ نقتلها إذا فعلنا ذلك، ونستطيع أن نستغني عنها لبلوغ ذلك أقل نفقة. إن مشكلات الجامعة التي عرضناها والتي تقلقنا وتشغلنا أقل خطرًا من المشكلة الكبرى: مشكلة الجامعة في العصر الحديث.

وقد ظنوا في أوروبا وأمريكا أن تنظيم الجامعات في اتحاد عالمي يعينها على مواجهة الاضطراب الفكري القائم، فاجتمع مندوبو الجامعات في أونرخت منذ عامين ووضعوا مشروع اتحاد الجامعات. وقد اشترك مندوبو مصر في هذه الاجتماعات وتحدثوا إلى مواطنيهم في شأنه عن طريق الإذاعة اللاسلكية، وحمدنا لهم ما قاموا به. وإنا نعتزم المضي فيما بدءوه، ولكن يجب — في رأينا — أن نعمل — بجانب المشاركة في التنظيم العالمي الخارجي — في إعادة التنظيم الجامعي في مصر نفسها. ينبغي أن يتضامن أهل العلم في مصر وأن يتآزروا، وأن يردوا عن الجامعة ما يؤذيها وما ينحرف بها عن غايتها وعن الجادة الموصلة للغاية، وأن يكون لهم في الحياة العامة ما كان لأسلافهم من النفوذ والكلمة المسموعة والتوجيه المطاع. ينبغي أن يوفوا الأمانة التي اؤتمنوا عليها وأن يجعلوا من تلاميذهم خلفاء يخلفونهم في حمل الراية وفي أداء الرسالة إلى أن يتم الكتاب أجله.

إننا ندعو إذن إلى ربط الدراسات المشتقة والعلوم المتفرقة في نظام جامع يصدر عن عقيدة وإيمان يضع أمور الإنسان في هذا العالم مستقرها الحقيقي … ثم ندعو إلى التضامن والتآزر في تأليف الهيئة المتحدة من الرجال — معلمين ومتعلمين — الذين تتكون منهم الجامعة بمعناها الحقيقي. ولما كان ما ندعو إليه لا يمكن أن يتم إلا في أوضاع معينة، فقد وجب علينا أن نرسم صدورها وخطوطها الرئيسية، وتلك في رأيي هي استمداد الكيان في المبدأ من وليِّ الأمر ثم اختيار الأمناء من شيوخ الأمة المحنكين ليكفلوا للجامعة السير في سبيلها، وهم المرجع الأعلى في شئون الجامعة كلها، وفي ظلهم تباشر الأدوات الجامعية من مختلف الدرجات والاختصاصات عملها الأصلي؛ فحكم النفس بالنفس إذن هو الخاصة الأساسية فيما تقترح من أوضاع، وبالله التوفيق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.