كتب السفور مقالًا عن عبد الرحمن رشدي أُعجب فيه بشجاعته وإقدامه وتضحيته بكل غالٍ ونفيس في سبيل فنٍّ وقف حياته على خدمته، وإني أكتب اليوم مقالًا آخر أضيفه لمقال السفور الأول؛ لأني أعلم الناس بأخلاق صديقي الممثل، والواجب يدفعني لأن أكتب للناس صفحة من حياة هذا الرجل؛ ليقف جمهورنا على قيمة التضحية التي قدَّمها هذا الرجل الفرد لذلك الفن الجميل.

كنت في أوروبا أيام انضم عبد الرحمن إلى سلك فرقة أبيض، وكنت لا أعرف عنه إلا ما كنت أقرؤه في الجرائد المصرية، وما كان يكتبه لي أخي الصغير عنه معجبًا بنبوغه، ثم عدتُ إلى مصر بعد أن انحلت الجوقة، فلم أره إلا مرة واحدة قدَّمه لي فيها أحد الأصدقاء، ثم افترقنا فلم نتلاقَ إلا حين عزم جورج أبيض أفندي على تأليف جوقته الجديدة.

جمعنا حبنا للفن، فكنا لا نتحادث إلا عن الروايات والممثلين، ثم حادثني عبد الرحمن في مسألة انضمامه لأبيض، فسكتُّ هنيهة أفكر وقد ارتعتُ ممَّا عزم هذا الصديق على إخراجه من حيز القول إلى حيز الفعل. وأعني أن يدوس عبد الرحمن كل حائل عائلي، وأن يضرب صَفْحًا عن مكسبه الكبير من المحاماة، وأن يُقدِّم كل هذا على مذبح الفن، فقلت له وأنا متردد: «لنرجئ الحديث لوقت آخر.» واجتمعنا مرة ثانية في منزل أبيض لأسباب لا سبيل لذكرها، وخرجت معه من هناك وأنا لا أودُّ فراقه خوفًا من انضمامه للفرقة، وما زلت أحاول إقناعه بالعدول عن فكرته إلى أن اقتنع، وهو يكاد يدفعه الأسف على الفن إلى البكاء.

سررت من هذه النتيجة خوفًا على مستقبل صديق أحبه وأعزه، وافترقنا ولم أره إلا بعد ثلاثة أيام، فقبض على يدي بيديه وقال لي وهو يبتسم: «لقد غدوت ممثلًا.» فهنأته على إقدامه وشجاعته، وانمحى من قلبي ذلك الخوف الذي كان يعتريني من أجله، ولا أنكر على القارئ أني غبطته على ما فعل، وتأسفت على نصحي القديم له بالعدول عن الانضمام لفرقة أبيض.

رأيته أمامي فتصورت أنطوان يوم أن فقد كل ثروته في باريس حبًّا في فن التمثيل، وهو يخطب في قاعة نادي الطلبة الفرنسيين بباريز ويقول: «لقد ضحيت كل شيء في سبيل الفن، وإني أغادر الأديون وأنا آسف، ولكني واثق بالعودة إليه؛ لأني أعتقد أن كل الصعوبات تُذلل بسهولة في الحياة إذا كان الرجل منا ذا إرادة قوية.» هذا ما كنت أقوله لنفسي أيضًا وأنا واقف أمام صديقي وكلي إجلال له. كان عبد الرحمن صامتًا، ولكني كنت أقرأ في صفحة سكوته هذه الكلمات: «الإرادة هي أسُّ النجاح.»

دخل عبد الرحمن في فرقة أبيض، ومثل معه في الأوبرا، ثم افترق عنه بعد أن نجحت الفرقة نجاحًا عظيمًا كان له فيه شأو كبير، ولم يوقف تيار نجاحها إلا إعلان رئيسها أبيض لأعضاء فرقته أنه مريض لا يتيسر له أن يمثل. انحلت الفرقة ولم ينحل عزم عبد الرحمن وإرادته، فألَّف الفرقة الجديدة التي لم يتيسر لي أن أرى رواياتها الأولى لمكوثي بالإسكندرية، ولسوف أقضي لتلك الروايات حقها من النقد والتقريظ عند عودتي لمصر.

هذه هي صفحة من صفحات هذا الرجل، والأغرب من كل ذلك أن غرام عبد الرحمن رشدي بالتمثيل لم ينشأ معه أيام كان بمدرسة الحقوق، ولكنه غرام لا أبالغ إذا قلت إنه اختلط بلحمه ودمه من يوم أن رأت عينه نور الحياة، لقد كان عبد الرحمن يمثل وهو طفل، وهو يافع، وهو فتًى، وهو شابٌّ إلى أن انضم لفرقة أبيض.

أما ما أجاده عبد الرحمن من الأدوار فكثير: رأينا صديقنا في دور «نيمور»، فتذكرنا «ألبرت لمبرت فيس» «وليثز» و«هرڤي» من كبار الممثلين بباريز. لقد أعطى عبد الرحمن لهذا الدور صبغة لم يعطها ممثل آخر لدور من الأدوار الأخرى.

تناول عبد الرحمن دوره في يديه، وابتدأ يفهمه ثم مثَّله، فلم نر على المسرح عبد الرحمن رشدي، ولكنا رأينا «نيمور». وذلك دليل على فهم الممثل ما يقصده الشاعر دلافير. رأى الناس عبد الرحمن رشدي في دور «نيمور» يمثل بجوار أبيض، فلم يَشُكُّوا في أنه يساوي رئيسه قدرة ونبوغًا، ثم شاهده الجمهور بعد ذلك في دور «فرانسوا الأول»، فوجدوه ملكًا خليعًا ميَّالًا للفجور والفسق، وأنساهم دور «فرنسوا» دور «نيمور».

ثم مثَّل عبد الرحمن دور العاشق في رواية «الساحرة»، فكان محبًّا ضرَّم الحب أنفاسه، وتملك عليه نفسه، ورأوه بعد ذلك في دور برواية «الشيخ متلوف» فلم يعرفوه؛ لإتقان تمثيله لدور بلدي يصعب على الممثل «ألجون برمييه» أن يمثله، ورأوه بعد ذلك في دور «روجيه» يمثل الزوج الذي يهجر زوجته ثم يأتيها يطلب الصفح والمغفرة. لقد كان عبد الرحمن جميلًا في هجره كما كان جميلًا في طلبه الصفح والمغفرة. ورأوه في دور «بحيري بك» في رواية «الضحايا» تتجلى كفاءته التمثيلية، فخرج الجمهور وهو يقول: لقد فاق عبد الرحمن الإفرنج.

هذا هو الشاب الذي يتلهب غيرة على الفن، والذي أصبح اليوم رئيسًا لفرقة لا تطلب من الجمهور إلا تعضيدها عن جدارة واستحقاق، فإن عضدنا عبد الرحمن الممثل المصري ذا الكفاءة والعبقرية أثبتنا للناس أجمعين أننا شعب ذو شخصية تستحق الاحترام من الشعوب الأخرى. لقد ضحَّى عبد الرحمن كل شيء للفن، وما على الجمهور الراقي في مصر إلا أن يعضده، وليس في هذا التعضيد تضحية ولا خسارة، فلننتظر إلى الغد ليحقق الجمهور آمالنا فيه، وما الغد ببعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.