اقترانها بالثورة المهدية

عرف القارئ من كلامنا عن الطَّور الأول من أطوار الثورة العرابية منذ خمسين سنة مضت أن الحكومة الإنكليزية كانت تريد امتلاك قناة السويس، وأن امتلاك هذه القناة لا يكون تامًّا — بل لا يكون صحيحًا — إلا إذا وضعت هي يدها على القاهرة والإسكندرية. وعرف فوق ما تقدم كلمة غلادستون منذ ١٨٧٧: إن مصر هي البيضة التي تفرخ لنا الإمبراطورية الأفريقية، ثم قوله في سنة ١٨٧٥: إنَّا سنملك غدًا السودان وتمديدنا من هناك فوق اليبس الأفريقي لنصافح إخواننا في رأس الرجاء الصالح وجنوب أفريقيا.

فماذا كان هذا السودان المصري؟

إن السودان المصري كان إمبراطورية تبتدئ من البرانس على سواحل البحر الأحمر على خط يحاذي الدرجة الرابعة من العرض الجنوبي حتى الصحراء الكبرى، ومن هناك يمتد جنوبًا إلى الغرب حتى جنوب دارفور إلى الغرب، ثم يمتد جنوبًا حتى الدرجة ١١ فيصعد إلى الدرجة الثانية وراء خط الاستواء، ويصل إلى ساحل بحر الهند عند رأس غاردفوي، وكانت هذه البلاد مقسومة إلى ١٦ مديرية. ولا نطيل الكلام في الوصف الجغرافي؛ لأن كلمتنا في الثورة وأسبابها التي أفضت إلى انحلال هذه الإمبراطورية، وهي ذكرى والذكرى تنفع، والتاريخ أصدق واعظ لمن اتعظ.

والذي يجب أن يقال ويُعرف أنه لم يكن أقل فرق بين مصر والسودان في وحدة الحكم والولاية، فكما أن فرمان ١٨٤١ ولى محمد علي شئون مصر، فإنه ولاه أمور النوبة ودارفور وكردوفان وملحقاتها؛ أي السودان كله حتى البحيرات. فلما ولي إسماعيل مد حدود السودان إلى ما وراء خط الاستواء، فدخلت منابع النيل في حكم مصر وملكها. وأخضع الزبير باشا خط الاستواء لحكم مصر، ودخلت الأوغندا تحت حماية مصر، ووقَّع ملكها متيزا معاهدة الحماية مع شايله لونغ عامل إسماعيل، وعيَّن إسماعيل المندوب السامي له في تلك المملكة الداخلة بحمايته، وهذا المندوب هو لينان دي بلفون، وسلَّم السلطان إدارة مصوع وسواكن وملحقاتهما لإسماعيل بفرمانات ١١ مايو سنة ١٨٦٥. وبفرمانات ١٧ مايو ١٨٦٦ صارت هذه القائمقامات شطرًا من الأراضي المصرية. وفي فرمان أول يوليو ١٨٧٥ ضم إلى الأراضي المصرية زيلع، وفي سنة ٦٦ وضع الجيش المصري يده على جميع سواحل عدن حتى ساحل البحر الهندي. وجاء فرمان تولية توفيق في سنة ٧٩، وفرمان تولية عباس في سنة ١٨٩٢ مثبتين ذلك بكفالة الدول، فضلًا عن دخول زنجبار تحت حماية مصر بمعاهدة الميرالاي سليم بك الذي اخترق القارة إلى هناك.

***

فكيف ابتدأت الثورة التي اقترنت بثورة العرابيين؟ وكيف تحولت تلك البلاد التي وصفها صموئيل باركر بقوله: إن الإنسان يطوف السودان من أوله إلى آخره وهو أكثر أمنًا على نفسه من طوافه في هايد بارك — إحدى حدائق لندن؟ والدليل فوق ما تقدم على أن الأمن كان مخيمًا على السودان، أن عدد رجال الجيش والضابطة لم يَزِد في هذه الإمبراطورية التي تعادل مساحتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا على٤٠ ألفًا.

وإذا ذُكرت الثورة السودانية ذُكر محمد أحمد الملقب بالمهدي، فمن هو محمد أحمد؟

محمد أحمد هو ولد رجل نجار كان يشتغل ببناء المراكب، ولكنه ينتسب إلى رجل صالح، وكان يدَّعي أن نسبه يتصل بالحسن السبط ابن الإمام علي.

رحل أبوه من دنقلة إلى الخرطوم وتوفي بكرري، فتلقى محمد أحمد القرآن ثم درس العلوم الفقهية واشتهر بالتعبد.

وتلقى الطريقة السمانية على شيخ يسمَّى محمد شريف حفيد صاحب الطريقة، ورحل في سنة ٧١ إلى جزيرة آبا مع إخوته وبنى هناك جامعًا للصلاة، وكان شيخه قد آذنه بإعطاء العهود، فاجتمع الناس حوله، ولما كثر أنصاره أسرَّ إلى شيخه أنه المهدي المنتظر، وعرض عليه أن يكون وزيرًا له ومستشارًا فلم يُجِبه ووقع بينهما النفور. وفي سنة ١٨٧٩ حفر غارًا في الأرض وسكن فيه، فاشتهر أمره في السودان، وكان الناس يفدون عليه للتبرك، وكانت المراكب الهابطة والصاعدة تقف قبالة غاره تقدم له الهدايا.

وكان من عادته أن يخرج من جزيرة آبا ليطوف البلاد لدعوة الناس إلى اتباع طريقته.

وفي مارس ١٨٨١ أعلن مهديته لتلامذته وخرج بهم للغرب، وفي يوليو ١٨٨١ بدأ مخاطبة الشيوخ والأعيان وحثهم على النهوض معه لنصرة الدين والهجرة والجهاد في سبيل الله؛ لأنه رأى النبي ﷺ يقظةً، فأجلسه على كرسيِّه وقلَّده سيفه وغسل قلبه بيده وملأه حكمة ومعرفة، وأخبره بأنه الخليفة الأكبر والمهدي المنتظر وأن من شك في مهديته فقد كفر … إلخ، وقد أكثر من إرسال الكُتب والرسائل بهذا المعنى.

وكان حاكم السودان في ذاك الحين رءوف باشا، فأبلغه محمد شريف ذلك كله، وحذره من إهمال أمر هذا الرجل، فكتب رءوف باشا إلى محمد أحمد يسأله عن منشوراته، فأجابه أنها منه وأنه المهدي المنتظر. فسأل رءوف باشا العلماء رأيهم فيه، فقال له بعضهم: إنه معذور لأنه حصل له جذب سماوي لانعكافه على الزهد، ولكنهم ارتأوا جميعًا تلافي أمره، فانتدب رءوف باشا محمد بك أبو السعود أحد معاوني الحكمدارية، فذهب إلى جزيرة آبا على إحدى البواخر. ولما وصل في ٧ أغسطس ١٨٨١ أبلغه أمر رءوف باشا بأن يذهب إليه في الخرطوم، فأجابه محمد أحمد أنه هو ولي الأمر الواجبة طاعته وأغلظ له بالكلام، وقال إن تلامذته ينفذون أوامره حتى الموت، وكانت طائفة منهم أمامه فأمنوا على كلامه، فعاد أبو السعود إلى الخرطوم وأبلغ ذلك كله إلى رءوف باشا.

وفي ١٢ أغسطس أعد رءوف باشا بلوكين للقبض على محمد أحمد، ولكن محمد أحمد كان قد جمع أصحابه ومريديه، فبلغ عددهم حوله ٣٥٠ رجلًا. ولما دنت الباخرة من الجزيرة أمر المهدي رجاله بالقتال. ولم يكن العساكر على استعداد لذلك؛ لأن بعضهم كان قد غادر المركب إلى الجزيرة، والبعض تقدم إلى غار المهدي، والبعض الآخر كان لا يزال على سلم المركب، ففتكوا بهم وقُتل ١٢ من أنصار المهدي. وعاد أبو السعود بالباخرة إلى الخرطوم مع القليلين الذين نجوا، وجُرح محمد أحمد برصاصة في كتفه وذاع أمر المعركة واندحار الجند، فعُدَّ معجزة سماوية.

وأيقن محمد أحمد أن الحكومة لا تقعد عن تأديبه، فأذاع بين أنصاره ومريديه أن سيد الوجود أمره بالهجرة إلى جبل ماسة بجوار جبل قدير، وسمي المكان ماسة طبقًا لبعض الأحاديث أن المهدي المنتظر تكون هجرته إلى جبل ماسة، وهكذا هجر جزيرة آبا إلى ذلك الجبل إلى جبل قدير.

أما رءوف باشا فإنه بعد عودة أبي السعود إليه أرسل القائمقام علي بك لطفي على رأس ٥٠٠ جندي إلى الكوة من العشائر المنظمة والمتطوعة، وأرسل إلى مدير كردفان سعيد باشا بأن يسير بألف من الجنود و٣٠٠ من الباشوزق. وكان سعيد باشا يريد مطاردة المهدي، ولكن رءوف باشا منعه ليرى ماذا في جزيرة آبا، فبعد أن وصل إلى الجزيرة ولم يجد أحدًا أحرق الحِلة هناك، وسار وراء محمد أحمد إلى جبل الكمر، ولكنه استخفَّ به وعاد إلى كوردفان في ٢٥ سبتمبر ١٨٨١ تاركًا الرجل ينشر دعوته ويجمع أتباعه. وهكذا ظل محمد أحمد سايرًا إلى جبل قدير وهو يدعو الناس لطاعته، فلما وصل إلى جبل الجرادة تصدى له ملك يسمَّى المختار، فتغلَّب عليه وقتله في ٢٤ أكتوبر. ثم واصل السير حتى جبل قدير وكان عليه ملك يسمَّى ناصرًا، فأنزله على الرحب والسعة. وكان عدد أتباع محمد أحمد قد بلغ ثمانية آلاف، فسار إليه راشد بك مدير فاشودة بأربعمائة جندي وبألف من الشلك. وفي ٩ ديسمبر وصل الخبر إلى محمد أحمد، فكمن في الغابة — وهي الطريق الوحيدة للحِل — وانقض رجاله على رجال راشد بك فمزقهم شر ممزق، وقُتل راشد بك وأسر المهدي ١١١ من رجاله، وأخذ السلاح والزاد والذخيرة ووزعها على أتباعه؛ فازدادت قوتهم.

وشاع في السودان بعد ذلك أن المهدي يحارب بسيف القدرة، وأنه يحول رصاص العساكر إلى ماء، وأن النار خرجت من حراب الأنصار فأحرقت أجسام العساكر، وكان المهدي قد أرسل الرسل بعد ذلك إلى كل جهة، فأخذت الوفود تفد عليه.

وكانت الحكومة في مصر قد شُغلت بالثورة العرابية، فلم تستطع إرسال المدد لرءوف باشا ولا الاهتمام بأمر السودان، فكأن الثورتان تحالفتا وتساندتا على إحداث ما حدث في مصر وسودانها. وهكذا ضاعت الطمأنينة في السودان؛ أي ذلك السودان الذي وصفه الرحالة سوينفورت بقوله: «إنه بعد حملة السير باركر وحملة إسماعيل باشا أيوب على دارفور في سنة ١٨٧٤، ظهر أن سلطة الخديوي في السودان أثبت وأوطد منها في الدلتا، فلا الإنكليز ولا البرتوغاليون — وهم أساتذة الاستعمار — كانت لهم السلطة على مستعمراتهم كسلطة حكومة مصر على السودان من سنة ١٨٧٠ إلى ١٨٨٠، فالسلام كان شاملًا، والطمأنينة تامة، وبعض النقط العسكرية كافية، وحتى يصح قول العرب: «إن الجمل الذي يحمل الذهب يطوف هذه البلاد آمنًا من الشرق إلى الغرب.» ولكن هذا الزمن السعيد من حظ التاريخ؛ لأن نفوذ المهدي قام بعد ذلك مقام نفوذ الخديوي.»

ذلك ما شهد به ذلك الرحالة العالمي، ونحن نقول: إنه لولا وقوع ذينك الحادثين معًا في مصر والسودان — أي ثورة عرابي وفتنة المهدي — لَمَا استطاعت إنكلترا أن تشد إلى قيثارة سياستها ذينك الوترين: وتر الاضطراب المالي بمصر، ووتر الاضطراب السياسي بالسودان. وهل كان بإمكانها إذا ذكَّرها أحد في أول عهد الاحتلال بالجلاء أن تقول: وخطر السودانيين والسودان؟ وإذا قال: إن السودان ساكن، قالت: والاضطراب المالي بمصر؟!

إن أصدق حكاية الحمَل والذئب، وحجة الثاني على الأول إنما هي بالسياسة، وبالسياسة التي وقعت مصر بين أظافرها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.