لما كنت في مدينة ليون في شهر سبتمبر الماضي لقيت صديقي الأستاذ «جيب»، الذي يعنى أشد العناية بالأدب العربي الحديث، والذي كتب فيه فصولًا قيِّمة، منها ما ترجم، ومنها ما لخص. وكلها شُغف بها الناس وفتنهم ما فيها من قوة الملاحظة، ودقة التحليل، وحُسن الاستقصاء؛ فتحدثنا عن الأدب العربي العصري، وسألته: ماذا يُعد لنا في هذه الأيام، وعمن يريد أن يتحدث إلينا؟ قال: «ما زلت أنتظر القصة العربية الجديدة التي أكتب عنها، وأسجل بها نمو هذا الأدب وتقدمه، ولكن هذه القصة تبطئ في الظهور، وقد طال انتظاري لها، وما أرى إلا أنه سيطول ويطول، فليس في أفق الأدب العربي ما يؤذن بظهور هذه القصة، بل يسوءني أن أقول: إن كل ما أراه في هذا الأفق يدل على أن النشاط الرائع الذي كان قد استأثر بالحياة الأدبية العربية قد أخذ يفتر، وخضعت هذه الحياة الأدبية منذ أعوام لخمود لا يشبهه خمود، وأصبحت راكدة هامدة تكاد تفقد الحركة والإنتاج.»

وغريب أني كنت أسمع لهذا الكلام فأجد في الاستماع إليه راحة مؤلمة، ورضًى شقيًّا؛ لأني كنت أُحدِّث نفسي بمثله، فكنت أرتاح لاتفاقنا في الرأي، وتواردنا على خاطر واحد، وكان يؤلمني أن يكون هذا الرأي صحيحًا، وهذا الخاطر صوابًا، وأن يكون من الحق الذي لا شك فيه أن حياتنا الأدبية قد ركدت في هذه الأعوام الأخيرة ركودًا ظاهرًا منكرًا، يستتبع شيئًا كثيرًا من الحزن وخيبة الأمل؛ فقد كانت الحركة السياسية التي هزت مصر والشرق بعد الحرب الكبرى قد بعثت في الحياة الأدبية نشاطًا ظاهرًا، فكثر الكُتَّاب والمُنتجون في الأدب من جهة، وتنوَّعت آثارهم الأدبية من جهة أخرى.

واشتد هذا النشاط حتى اضطر جماعة من المستشرقين في إنجلترا؛ كالأستاذ جيب في معهد الدراسات الشرقية بلندرة، وفي فرنسا كالأستاذ بيرس بكلية الآداب في الجزائر، وفي ألمانيا كالأستاذ كميفمير في برلين، وفي روسيا كالأستاذ كرتشكوفسكي في ليننجراد، إلى أن يلتفتوا إلى الأدب العربي الحديث، ويقفوا عنده، ويتناولوه بالدرس والنقد والتحليل، ومنهم من انصرف عن الأدب القديم فوقف عنايته أو كاد يقفها على الأدب الحديث.

ومنهم من تخيَّر فصولًا من هذا الأدب جمعها في كتب تذاع على الناس، ويقرؤها الشبان المستشرقون في الجامعات، ويقرؤها كذلك المستشرقون الذين يلاحظون الشرق، ويرقبون ما يخضع له من تطور سياسي وفني وعقلي. والظاهر أن عناية الشرقيين بهذا الأدب الحديث وتهافتهم على ما كنا نظهر من الآثار الأدبية، والتفات المستشرقين إلى آثارنا هذه، ونشاطهم لدرسه ونقده. كل هذا قد راقنا وأعجبنا، وملأنا غرورًا وتيهًا، فغررنا بأنفسنا، وخيل إلينا أنا قد بلغنا الغاية من الحياة الأدبية الخصبة القيِّمة، وأخذ الكاتب من كتابنا يعنى بما يقول الناس عنه في الشرق والغرب أكثر مما يعنى بالكتابة والإنتاج.

ولم يتردد بعض أصحاب الصحف في أن يترجم ما كتبه عنه المستشرقون، أو ينقل ما يكتب عنه الشرقيون، ناظرًا في ذلك معجبًا به، يسرف في النظر فيه، ويغلو في الإعجاب به، كأنه الحسناء تنظر في المرآة فتعجبها صورتها، فتمضي في النظر إليها والتحديق فيها، ويشغلها ذلك عن كل شيء آخر، ثم ما هي إلا أن أخذ هؤلاء الكُتَّاب يدرسون أنفسهم، ويتحدثون عنها، ويتناول كل منهم صاحبه بالنقد والدرس، ويجيب كل منهم عما وُجِّه إليه من عيب، حتى أسرفنا في ذلك إسرافًا قبيحًا، وشُغلنا به عن الإنتاج.

وأذكر أني أحسست هذا الإسراف ونبهت إليه وحذرت منه، وقلت منذ سنتين: إن كُتَّابنا يشبهون النار في المثل القديم: تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله، ورغبت إلى كتابنا أن يدعوا أنفسهم حينًا، وأن ينصرفوا إلى الحياة نفسها يفهمونها ويدرسونها ويصورونها، ويمضون فيما كانوا فيه من ذلك الإنتاج الخصب القيِّم، ولكن أحدًا من كُتَّابنا لم يلتفت إلى هذا النداء، بل ظلوا يتحدثون عن أنفسهم، ويقرءون ما يتحدث الناس به عنهم، حتى سئمهم الناس فسكتوا عنهم، وسئموا هم أنفسهم فأعرضوا عنها، ولكنهم أعرضوا عنها إلى الصمت لا إلى الكلام، وإلى الفتور لا إلى النشاط.

وآية ذلك أنك تبحث عن الكتب التي ظهرت منذ أعوام فلا تكاد تظفر بشيء، وتبحث عن الفصول الأدبية الرائعة التي تنشر في الصحف والمجلات فلا تجد شيئًا، وإنما الغذاء الأدبي للناس في هذه الأيام ما تنشره الصحف والمجلات من حديث السياسة الذي كثر وتكرر حتى أصبح بغيضًا ممقوتًا، ومثل هذا الأدب السهل اليسير الفارغ الذي لا يرضي عقلًا ولا شعورًا، ولا يدعو إلى روية أو تفكير، إنما هو تسلية يقطع بها الناس أوقاتهم في الترام أو في القطار، ويتعجلون بها النوم إذا أووا إلى مضاجعهم، فمن أبى منهم إلا أن يقرأ الأدب الممتع الذي يغذو نفسه، ويرضي عقله؛ فلا بد له من التماس ذلك فيما يظهر من الأدب الأجنبي الأوروبي.

وهذا الشر على قبحه وشناعته هين يمكن أن يُحتمل لو لم يستتبع شرًّا آخر أقبح منه أثرًا، وأشد نكرًا، فإن طبيعة الحياة الأدبية الصالحة تستتبع أن يكون في الأدب أجيال يتبع بعضها بعضًا، شيوخ معتدلون وشباب مجددون، فإذا سكت أولئك نطق هؤلاء، وإذا قصر أولئك برز هؤلاء، ولكن الأمر عندنا على غير هذه الحال: شبابنا منصرف عن الإنتاج الأدبي، بل عن العناية بالأدب، وكهولنا شابوا قبل أوان الشيب وصمتوا، وقد كان في ألسنتهم وأقلامهم بقية.

وإنك لتبحث عن الشاعر الشاب الذي نشأ في هذه الأعوام، فصرف جماعة من الشبان عن شوقي وحافظ ومطران فلا تجده، وعن الكاتب الشاب الذي ظهر فاستحدث مذهبًا في النثر صرف بعض الناس عن هيكل والعقاد والمازني فلا تظفر به، وخلاصة موقفنا الأدبي أن زعماء الأدب عندنا كُسالى لا ينتجون، وأن الشباب المصري منصرف عن الأدب لا يُعنى به، فضلًا عن الإنتاج فيه، وشر من هذا وذاك، أن من شبابنا المصري من له نفس تحس، وقلب يخفق، وعقل يفكر، فهو يتأثر بالحياة ويريد أن يصورها، أو يصور تأثره بها، فإذا حاول ذلك لم تواته لغته العربية، فوصف ما يريد من ذلك بالفرنسية أو الإنجليزية، وأجاد الوصف، ووفق إلى الإحسان، وأعجب به قُرَّاء من الأوروبيين.

ومن الغريب أن في مصر الآن جماعة أدبية اشترك فيها المصريون والأجانب، واتخذت اللغة الأجنبية مرآة لقلوبها وعقولها، ولسانًا لعواطفها وشعورها، ثم نحن ما نزال نعتقد أن في مصر نهضة أدبية نصفها بالقوة حينًا، وبالروعة حينًا آخر، كلا، كانت في مصر نهضة أدبية، ولكنها فترت منذ أعوام، وأخشى أن يكون هذا الفتور نذير الخمود ثم الجمود، ثم علة هذا الفتور المهلك، فالتمسها إن شئت في تعليم اللغة العربية والأدب العربي في المدارس الثانوية؛ فهو — بحمد الله — مجدب عقيم، كما كان مجدبًا عقيمًا دائمًا، والتمسها في حرص الصحف والمجلات على اجتذاب أكثر عدد ممكن من القُرَّاء، ونزولها لذلك عن الأدب القيِّم الذي يدعو إلى التفكير، إلى الأدب الفارغ الذي يلائم الكسل ويقطع الوقت، ثم التمسها بعد هذا وذاك في هذه الخصومات السياسية الفارغة التي لا تقدم النهضة السياسية، ولا تأتي بجديد، وإنما تعيد اليوم ما كانت تقول منذ عشر سنين، ومهما تكن علة هذا الفتور، فإنه شرٌّ يجب أن يفكر فيه الذين ما يزالون يحسبون أن في مصر حياة أدبية ناهضة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.