دراسة الأمثال في أمم العالم هي خير مصداقٍ لقول القائل: «إن الإنسان إنسانٌ حيث كان.» وأنهم أسرة واحدة، أبوهم آدم والأم حواء.

فأكثر من نصف الأمثال في أمة من الأمم يتكرر بلفظه أو بمعناه في أمثال الأمم الأخرى.

يقول العربي القديم: «وافق شن طبقه.» ويقول المصري العامي: «زير واتلم على غطاه.»

ويقول العربي القديم: «لكل ساقطة لاقطة.» ويقول المصري العامي: «كل فولة ولها كيال.»

ويقول العربي القديم: «شبيه الشيء منجذب إليه.» أو يقول: «إن الطيور على أشكالها تقع.» فيقول المصري العامي: «اتلم المتعوس على خائب الرجا!»

وقد يخطر على البال أن العربي والمصري متقاربان في الموطن والثقافة فلهذا يتقاربان في الحِكَم والأمثال، ولكننا نجد الإنجليزي أيضًا يقول في أمثاله ما يكاد أن يُحسَب ترجمة حرفية للمثل المُتقدِّم حين يُردَّد لهذه المناسبة: «إن الطير من ريش واحد تطير في سرب واحد» Birds of a feather flock together.

فهو اتفاق عام في التجارب الإنسانية على أوسع نطاق، وليس اتفاقًا بين أبناء اللغة في زمن محدود.

***

ولكن الأمثال مع هذا تدل على خصائص الأقوام المختلفين كما تدل على اتفاق الإنسانية جمعاء في التجارب العامة.

لأن هذه التجارب تتفاوت في القوة وطول المدة بين أمة وأخرى، فتكثر الأمثال على معنى من المعاني في هذه الأمة وتقل في غيرها، ويُستَدل من قِلَّتها هنا وكثرتها هناك على اختلاف الأحوال وتباين العادات، وإن كانت المشابهة باقية بين الجميع لا تختفي مرة واحدة كل الاختفاء.

وللشعب المصري نصيب من الأمثال الإنسانية العامة يُعتبَر من أفضل الحِكَم التي تمخضت عنها تجارب بني الإنسان في جميع العصور، ومنها ما يُعتبَر أساسًا من أسس التربية أو أساسًا من أُسُس الاقتصاد أو أساسًا من أسس الحكم والقضاء، ولا تحتوي أمثال الأمم شيئًا يعلو عليها في هذا الباب.

خُذْ لذلك مثلًا هذه الحكمة البليغة في تربية الأبناء: «ابنك في صغره ربيه، وإن كبر خاويه.» فلا يمكن أن تُبنَى تربية الجيل الجديد، ولا تقدير نصيبه من الحرية، ولا تنظيم العلاقة بين الآباء والأبناء على أساس أفضل ولا أصلح من هذا الأساس.

أو خُذْ لذلك مثلًا تلك الحكمة الشائعة في أصول الاقتصاد: «على قد لحافك مد رجليك.»

فهي على بساطتها نصيحة لازمة لا يندم من يذكرها، ولا يزال ترديدها خيرًا من نسيانها والسكوت عنها.

وخُذْ لذلك مثلًا هذه الحكمة «القضائية» التي لا تعلو عليها حكمة في تقرير الأحكام أو الفصل بين الخصوم، وهي قولهم: «الغايب حجته معاه.»

فمهما تبلغ الأدلة من الظهور والتواتر والإقناع فهي لا تُغني عن سماع كلمة الطرف الآخر بلسانه أو بلسان غيره، وما أظن أن أحدًا منا نسي هذه الحكمة مرة في معاملة إنسان غائب عنه بحجته ودعواه إلا ندم على نسيانها.

وتأتي بعد ذلك أمثال كثيرة تساعد على تبسيط الحقائق الدنيوية ولا يَستغني الذهن عن استحضارها في مناسباتها أو الاستدلال بها على مغزاها؛ كقولهم في علاج الطبائع «اغسل الدست وصَفِّيه ما ينضح إلا اللي فيه.» أو قولهم في المجاملات وهي خليقة مصرية من أقدم العصور: «لاقينى ولا تغديني.» أو قولهم في وصف الغربة وهي من أبغض الأشياء إلى المصريين: «الغريب أعمى ولو كان بصير.» أو قولهم في احترام السن «أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة …» إلى أشباه تلك الأمثال التي تعم الناس جميعًا ولكنها تخص الأمة المصرية من بعض الوجوه.

***

وهناك أمثال مصرية لا تمر بالخاطر إلا مرت به ذكريات العصور الماضية التي قضتها هذه الأمة في الأَسْر والضَّعْف، فخرجت منها بالحكمة المناسبة لها والعِبْرة التي تلائمها، وهي طلب السلامة وقلة الاكتراث بكل شيء يُعرِّضها للظلم وسوء العاقبة.

ومن ذلك قولهم: «اصبر على جار السوء يا يرحل يا تجيله داهية.»

أو قولهم: «إردبًّا ما هو لك لا تحضر كيله، تتغير ذقنك وتتعب في شيله.»

أو قولهم: «يا داخل بين البصلة وقشرتها ما ينوبك غير صنتها.»

وقد يغرقون في هذا المعنى، فيقولون: «إن لقيتهم يعبدوا تور حش وارمي له.»

أو قولهم: «اللي يجوز أمي أقول له يا عمي.» وهو مَثل من أمثلة العصور المظلمة لا يُستغرَب شيوعه في الأمة التي علمت أن «آخر خدمة الغز علقة.» وأن الشعب مسلوب الحيلة مع حكامه لا يجد إلى المقاومة من سبيل.

ومع هذا بقي المصريون مصريين في جميع الأزمان، يحبون الأُسرة والقرابة، ويقولون: «أنا وأخويا على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب.» أو يقولون: «بلدي بلد مراتي!» ولا ينسون أنهم أمة زراعية وأن الإضرار بالزرع هو نهاية المضرات جميعًا: «وما بعد حرق الزرع جيرة!»

***

ولكن الأمة تتغير وتتجدد والأمثال الشعبية لم تتبعها بعدُ في سُنَّة التغيير والتجديد.

فالذي يقيس الأمة في عصرنا على مدلول هذه الأمثال يخطئ القياس ولا يفهم حقيقة التغير الذي طرأ عليها.

فلماذا لم تتغير الأمثال مع تغير الأمة؟

إن الأمثال لم تتغير لسبب بديهي لا غرابة فيه؛ وهو أن الأمثال لم تكن أمثالًا إلا لأنها وليدة المئات — إن لم نقل الألوف — من السنين. فإذا تغيرت الحالة التي خلقتها وأجرتها على الألسنة وسيَّرتها للاستشهاد بها في مناسباتها؛ وجب أن تنقضي السنون بعد السنين والأجيال وراء الأجيال قبل أن تتغير الحاجة إليها وتخلفها أمثال غيرها على حسب الحالة الجديدة التي أعقبتها.

وقصارى ما يُنتظَر في عصرنا هذا أن يبطل الاستشهاد بأمثال تلك الأمثال لبطلان الاعتقاد بها فتموت أو تُنسَى.

ويبدو لنا أن الأمثال التي ستموت أو تُنسَى من هذا القبيل لن تَخْلُفها أمثال جديدة تُناقضها في زمن قريب؛ لأن أحاديث الجيل الجديد لا تُناسِب العادات القديمة التي تدعو إلى الاستشهاد بالأمثال في سياق الكلام.

فقد كانت أحاديث المصريين بالأمس سمرًا هادئًا في المجالس المستقرة التي تُروى فيها العِبَر وتُنتظَر فيها الشواهد وتتكرر فيها أمثال الأولين كلما عرض أثناء الكلام ما يدعو إلى تكرارها.

أما اليوم، فالأحاديث لا تعدو الكلام المقتضب والعبارات العارضة التي تتخلل الرقص، أو ركوب السيارات، أو لعب البليارد والتنس وكرة القدم وما إليها من الرياضات البدنية. وليس في هذه الأحاديث العاجلة مجال لحكمة الأجيال، ولا في اللمحات الخاطفة موضع لاستبقاء الدهور الطوال، بتكرار ما قِيلَ أو ما ينبغي أن يُقال.

على أن المرء في غالب الأمر قَلَّما يتعوَّد الرجوع إلى الأمثال قبل سن الأربعين أو الخمسين؛ لأنه يستشهد بالأمثال العامة على تجاربه الخاصة وحوادثه الشخصية، وهو لا يجمع التجارب ويُعنَى بادِّخارها والاعتبار بها قبل أن يتجاوز الشباب.

فالجيل الذي حضر التغيير الجديد — أو حضر معظم هذا التغيير — لم يبلغ بعدُ مرحلة التمثُّل بالأمثال، وإذا بلغها لم يَجِد في أسلوب الأحاديث العصرية ما يدعوه إلى حفظ قديمها واختراع جديدها. فقصاراه أن يترك القديم من تلك الأمثال يموت ويبلى غير مأسوف عليه، ولعلها لا تَعْدَم يومئذ من يعطف عليها فيجمعها للعِبْرة والتاريخ!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.