وهل للتعليم عندنا سياسة؟ ذلك شيء كنَّا نرجوه وكنا نعتقد أننا غير مخطئين في هذا الرجاء، حين كانت وزارة المعارف في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، تسلك سبيلًا معينة واضحة تدل على أن المشرفين على الأمر فيها يفهمون التعليم، ويقدِّرون حاجة البلد إلى إصلاحه، ويحاولون أن يحققوا من هذا الإصلاح ما يستطيعون. حين كان زكي باشا أبو السعود ينشئ المكتب الفني، ويعد لإنشاء مدرسة الآثار، ويمهِّد لإنشاء الجامعة الأميرية، ويفكر في طائفة أخرى من مشروعات الإصلاح في وزارة المعارف.

في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنَّا نظن أن لمصر سياسة تعليمية أو أن مصر ستنتهي إلى أن تكون لها سياسة تعليمية. وكنا نعتقد ونكرر أن البرلمان المصري الذي لم يكن قد نشأ بعدُ سيُعين على تكوين هذه السياسة التعليمية، وسيطبعها بالطابع القومي متى انعقد، ونذكر أن موظفًا من الذين كان لهم سلطان عظيم على هذه الوزارة في وقت من الأوقات عاتبنا ذات يوم؛ لأننا قلنا وألححنا في القول إن البرلمان سيهدم هذا البناء العتيق الذي قام عليه التعليم في وزارة المعارف.

نعم، كنَّا نرجو رجاءً قويًّا أن تظهر لنا شخصية في التعليم، وأن ننتهي إلى سياسة تعليمية تلائم حاجاتنا وآمالنا. ولكن الله أراد أن يكذِّب ظننا في هذا الأمر، كما أراد أن يكذِّب ظننا في أمور أخرى، فلم تظفر مصر بسياسة تعليمية، ولم يظهر للبرلمان المصري أثرٌ في التعليم، ولم يكن لهذه الحياة الدستورية ولهذه الوزارة الدستورية القائمة من التأثير في وزارة المعارف إلا ما شهدنا وما نشهد من محو آثار زكي باشا أبو السعود، والعودة بأمور التعليم إلى ما كانت عليه من الفساد والاضطراب أيام الإنجليز.

نخطئ الخطأ كله إذا قلنا إن مصر لم تكن لها سياسة تعليمية في وقت من الأوقات، فالحق أن قد كانت لمصر في التعليم سياستان مختلفتان اختلافًا شديدًا: إحداهما سياسة قومية في أغراضها ووسائلها، وهي سياسة الأمراء المصريين الذين سبقوا الاحتلال، والأخرى سياسة أجنبية سيئة الأثر في حياتنا القومية، لا ترمي إلا إلى نشر الجهل من جهة وإلى إفساد العقول المتعلمة من جهة أخرى، وهي السياسة الإنجليزية التي أقامها «دنلوب» معتزًّا بسلطان اللورد كرومر. فلم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال محو هذه السياسة الإنجليزية في وزارة المعارف، والرجوع إلى السياسة القومية القديمة التي كانت تعتمد على محاربة الأمية من جهة، وعلى إيجاد طبقة من المتعلمين الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي ليشرفوا على الأمور العامة من جهة أخرى، والتي كانت لولا الاحتلال منتهية من غير شك إلى إزالة الأمية وإلى إيجاد التعليم الصحيح في مصر، وإلى جعل أمور المصريين العامة بين أيدي المصريين. لم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال الرجوع إلى سياسة محمد علي وإسماعيل في أمر التعليم.

ومهما يجادل أنصار الوزارة القائمة، ومهما يقل أنصار الكثرة البرلمانية الحاكمة، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن هذه النتيجة التي كنَّا نتمناها قد بدأت تتحقق شيئًا فشيئًا بعد إعلان الاستقلال. فقد استأنفت وزارة ثروت باشا التفكير في الرجوع إلى تلك السياسة، بل رجعت إليها بالفعل وأخذت في تنفيذها، فكثرت البعثات العلمية إلى أوروبا وأمريكا في عهد هذه الوزارة. ثم تبعتها في هذا وزارة يحيى باشا إبراهيم، وأرسلت مصر إلى أوروبا من الطلاب الذين تعلِّمهم الحكومة عددًا غير قليل يتخصَّص في ضروب مختلفة من العلم والفن. وظهر من هذا الفرق بين السياسة التعليمية لبلد مستقل والسياسة التعليمية لبلد يحكمه الأجنبي.

ثم نظن — ونعتقد أن أنصار الوزارة لا يستطيعون أن ينكروا هذا — نظن أن وزارة ثروت كانت قد استعدَّت استعدادًا جديًّا لإنشاء طائفة أو قل لإنشاء مئات من المدارس الأولية، الغرض منها محاربة الأمية، حتى إذا جاء البرلمان وأقرَّ تعميم التعليم الأولي كانت الوزارة قد مهَّدت لذلك تمهيدًا لا بأس به. ونظن أن وزارة ثروت باشا كانت قد دبرت المال اللازم لإنشاء هذه المئات من المدارس الأولية، ولكن وزارة ثروت استقالت وجاءت وزارة نسيم، فنامت هذه المدارس أو نسيتها وزارة المعارف ونسيتها الميزانية أيضًا. ولكن وزارة يحيى باشا لم تهمل سياسة البعثات العلمية، فمضت فيها على سُنَّة الوزارة الثروتية، بينما لم تلتفت إلى التعليم الأولي إلا التفاتًا ضعيفًا جدًّا، ولكنه التفات. فقد أنشأت لجنة لدرس مشروع التعليم الأولي، وأصلح زكي باشا أبو السعود تكوين هذه اللجنة، ولكن وزارة يحيى باشا سقطت، والله يعلم إلى أين انتهت هذه اللجنة.

على أن هناك جهدًا قدمته وزارة يحيى باشا إبراهيم، أو قدمه زكي باشا أبو السعود على كرهٍ من وزارة يحيى باشا إبراهيم لتحقيق هذه السياسة التعليمية المستقلة. وهو هذا الجهد الذي بُذِل لإكثار عدد المتعلمين استعدادًا لما لم يكن بدٌّ من إنشائه من المدارس. فقد أنشئت مدرسة المعلمين الثانوية، وأنشئت الأقسام الليلية في مدرسة المعلمين العليا، وكل هذا يدل على أن هاتين الوزارتين اللتين توصفان بالإثم وتتهمان بالتقصير تستطيعان أن تتقدما إلى أي برلمان منصف وفي يدهما عمل قيم في ترقية التعليم. فماذا صنعت الوزارة الدستورية القائمة على سلطة الشعب وحب الشعب وتأييد البرلمان؟ لم تصنع شيئًا، أو قل إنها مَحَتْ ولم تثبت، وهدمت دون أن تفكر في البناء، أو قل إنها عدلت عن هذه السياسة القومية، لا نقول إلى السياسة الإنجليزية، فنحن أحرص على الإنصاف من هذا، بل نقول عدلت عن هذه السياسة القومية إلى سياسة فردية لا ترمي إلا إلى شيءٍ واحد، هو أن يستمتع بالسلطان المطلق في وزارة التعليم فردٌ بعينه، لم يكن بدٌّ من أن يقبض على الأمر في هذه الوزارة؛ لأن السياسة السعدية كانت في حاجة إلى هذا.

ولو أن وزارة الدستور وقفت عند هذا الحد فنقضت ما أبرم أسلافها، وأرادت أن تستمتع بالسلطان المركزي المطلق لقلنا سياسة سيئة، ولكنها موقوتة تزول متى نزلت الوزارة عن الحكم غدًا أو بعد غدٍ. ولكن الوزارة تجاوزت هذا كله إلى ما هو شرٌّ منه، فمهدت لتكوين سياسة تعليمية سيئة حقًّا، ذلك حين عمدت إلى شيئين: الأول إلغاء مجلس المعارف الأعلى وإنشاء هذه اللجنة الفنية على هذا النحو الذي أُنشئت عليه. ولسنا نعرض للنتائج المباشرة التي تنتج عن هذا العمل، فقد عرضنا لهذا في غير هذا الفصل، وإنما نلاحظ أنها تعجَّلت هذا الأمر تعجلًا غريبًا، واستطاعت أن تحمِل البرلمان على أن يقرَّها منه على ما كانت تريد، فأثبتت لنا بذلك شيئًا كنَّا نتمنى ألا يكون حقًّا، وهو أن البرلمان المصري لا يمتاز — مع الأسف الشديد — بالكفاية في فهم التعليم، ولا بالحرص على أن يكون له سلطان ما على أمور التعليم. فلو أن للبرلمان المصري كفايةً في التعليم، ولو أن للبرلمان المصري سلطانًا على التعليم؛ لما قُضيَ على المجلس الأعلى، ولما أُنشئت هذه اللجنة، ولما وقع هذا العبث العظيم بوزارة التعليم مع هذه السرعة العجيبة، في وقت كان البرلمان فيه خليقًا أن يعنى بأمور أخرى تدعو إليها الحاجة.

نقول إن هذا أثرٌ سيئٌ من آثار الوزارة في سياسة التعليم؛ لأنه يحملنا على أن نيأس من كفاية البرلمان لفهم التعليم، وإذن فمن الذي سيشرف على التعليم؟ وزارة المعارف وحدها. ونحن نعلم كفاية وزارة المعارف، ونحن نقدِّر آثار وزارة المعارف في التعليم إلى الآن. الثاني أن وزارة المعارف أظهرت — ووافقها على ذلك رئيس الوزراء، وأقرتها على ذلك الكثرة البرلمانية — نفورًا من التعليم العالي، وتلكُّؤًا في تنظيمه وترقيته. وليس أثر ذلك مقصورًا على أن هذا التعليم العالي سيظل في مصر منحطًّا كما هو الآن، بل لذلك أثرٌ آخر أقبح وأعظم شرًّا من هذا الأثر، وهو أن الإشراف على التعليم بجميع أنواعه سيظل إلى أجلٍ بعيدٍ مقصورًا على رجال التعليم في وزارة المعارف، وعلى من تخرِّجهم المدارس القائمة الآن؛ أي إن أمور التعليم ستظل بأيدي قوم تنقصهم الكفاية الصحيحة لفهم التعليم.

هناك نظرية يظهر أن الذين يعنون بالأمور العامة في مصر لم يلتفتوا إليها في يوم من الأيام، بل يظهر أنهم يسيرون على عكسها ويزعمون أنهم بذلك يحققون الديمقراطية ويخدمون مبادئها، وأنا أعني في هذه المسألة رئيس الوزراء خاصة. فرئيس الوزراء وأنصاره طبعًا يؤثرون التعليم الأولي على التعليم العالي، ويُؤثِرون نشر هذا التعليم الأولي وتعميمه على تنظيم الجامعة وإنشاء أقسام التعليم العالي فيها. وحجتهم في ذلك ظاهرة كحجة الاشتراكيين والمتطرفين من أحزاب الشمال في أوروبا، وهي أن التعليم الأولي يخدم الشعب مباشرةً، بينما التعليم العالي والثانوي لا ينتفع بهما إلا طبقات معينة، هي التي تستطيع أن تؤدي أجور التعليم.

وإذن فلا بدَّ من إيثار الدهماء على الخاصة، ولا بدَّ من تقديم التعليم الأولي على التعليم العالي، ولا بدَّ من إنشاء المدرسة الأولية قبل إنشاء الجامعة. كذلك يفكِّر سادة اليوم في مصر، ولئن حاججتهم في ذلك ليذكرون لك فرنسا وغير فرنسا، وما نشأ من المذاهب الحديثة التي تؤثِر التعليم الأولي والفني على التعليم العالي. وليس هنا موضع البحث عن قيمة هذه المذاهب الحديثة، ولكننا نريد أن يلتفت سادة اليوم في مصر إلى شيءٍ لا يلتفتون إليه، نريد أن يلتفتوا إلى أننا نستطيع أن نقلِّد الفرنسيين والأمريكيين يوم نستطيع أن نقول إننا نشبه الفرنسيين والأمريكيين؛ أي يوم نظفر من التعليم العالي والثانوي بمثل ما تستمتع به فرنسا وأمريكا.

في ذلك اليوم نستطيع أن نقول إن لدينا من التعليم العالي والثانوي ما يكفينا، وإن الخير هو أن نُعنَى بهذه الطبقات الفقيرة العاملة التي لا تستطيع أن تنفق شبابها في الدرس والتخصيص العلمي. أمَّا ونحن أبعد الناس عن أن يكون لنا عُشر معشار ما تستمتع به فرنسا من التعليم العالي والثانوي، فخيرٌ لنا ألا نشبِّه نفسنا بفرنسا الآن، ليس لدينا شيءٌ يقاس إلى ما لدى فرنسا من أنواع التعليم، فالجامعات في فرنسا تكاد تبلغ العشرين، ولا يوجد إقليم فرنسي يخلو من مدرسة ثانوية تشرف عليها الدولة.

ولسنا نذكر المدارس الخصوصية، ولسنا نذكر المدارس الحرة عاليةً كانت أو ثانويةً. أمَّا نحن فليست لدينا الآن جامعة واحدة، وكثيرٌ من أقاليمنا يخلو من المدارس الثانوية، وإذن فنظرية المشرفين على الأمر في مصر خاطئة، وستظل خاطئة أعوامًا طوالًا. وأمرٌ آخر نحب أن تلتفت إليه كثرتنا البرلمانية، وهو أن التعليم العالي وحده هو الكفيل حقًّا بنشر التعليم الأولي وإيجاد سياسة صحيحة لهذا التعليم؛ ذلك أن نشر التعليم الأولي ليس معناه تعميم القراءة والكتابة والحساب، وإنما هو أشد من ذلك تعقيدًا وعسرًا. هو يحتاج إلى عقول تستطيع أن تقدِّر البيئة المصرية ونفسيتها وحاجاتها وآمالها، وأن تلائم بين هذا كله وبين التعليم الأولي الذي تريد أن تنشره في البلاد.

وليس من اليسير على كل إنسان أن يقدِّر مثل هذه الأمور، وإنما الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي، واستطاعوا بفضل هذا التعليم أن يفهموا الجماعات ويقدِّروا حاجاتها المختلفة وآمالها المتنوعة؛ هم وحدهم الذين يستطيعون تصور التعليم الأولي ونشره حقًّا. إذن، فليس أساس التعليم في مصر هو التعليم الأولي، وإنما أساس النهضة المصرية كلها التعليم العالي. والسياسة التعليمية الحكيمة حقًّا هي التي تقوم على إنشاء الجامعة قبل كل شيء، وعلى الاستعانة بالفنيين من الأجانب للأخذ في نشر التعليم الأولي، حتى إذا تم تأسيس الجامعة، وأخذ التعليم العالي يُؤتِي ثمره النافع، استطاع المصريون أن يشرفوا حقًّا على أمور التعليم.

إن الذين يريدون أن يخدموا الديمقراطية في مصر لا يحسنون إلى الديمقراطية بإيثار التعليم الأولي على التعليم العالي؛ فإن الديمقراطية التي تقوم على التعليم الأولي وحده تقوم على أساس واهٍ، وهي لا تستطيع أن تقاوم الخطوب ولا أن تثبت للأهوال التي تتعرض لها النظم السياسية. ولئن قامت ديمقراطيتنا على التعليم الأولي واعتمدت على إنصاف المتعلمين؛ لتستحيلنَّ في أسرع وقت إلى إحدى اثنتين: إمَّا إلى الفوضى، وإمَّا إلى حكومة الفرد المستبدِّ. نؤكد لكثرتنا البرلمانية أنها تحسن الإحسان كله إلى بلدها، وإلى الحياة الدستورية، وإلى الحرية نفسها، إذا بدأت عملها البرلماني في العام المقبل، لا بتنظيم التعليم الأولي، بل بتنظيم التعليم العالي. ونحن نضرع إليها إن فعلت ألا تعتمد في ذلك على نفسها ولا على وزارة المعارف، بل على الفنيين من علماء أوروبا.

البوليجين

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.