لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.

وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.

ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.

وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.

ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.

وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.

وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.

وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.

وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟

وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.

أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.

وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.

وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!

والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.

وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.

هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.

واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.

والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.

فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:

وهل يأبق الإنسان من ملك ربه

فيخرج من أرض له وسماء

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.