إحدى الظواهر المبهرة التي تُذكِّرنا بتنوع مستويات الوعي هي ظاهرة الحس المواكب، التي تتضمن تداخلًا بين حواس الدماغ، وذلك لدى نسبة قليلة من الناس.

حتى عهد قريب، لم يكن يتم تصديق الخبراء الزاعمين تعرض حوالي ٤٪ من الناس لخبرة لاإرادية تتضمن — على سبيل المثال — استحضار ألوان معينة عند رؤية أرقام محددة.

وكان الناس يعتقدون أن هؤلاء يختلقون ذلك لكي يميزوا أنفسهم، أو ربما هي نتيجة لاشعورية لمتطلبات الاختبارات النفسية التي خضعوا لها.

لكن الآن — بالطبع — زاد وَعْيُنا بالظاهرة؛ فأدركنا أن هذا التداخل بين حواس الدماغ حقيقي، ويمر به بعضنا بطرق متنوعة ومختلفة.

تشير التقديرات إلى وجود عدد يتراوح من ٥٠ إلى ١٥٠ شكلًا من الحس المواكب، لكن سنُورِد هنا أكثرها إثارة للاهتمام، والتي لدينا معلومات عنها.

وحينما تقرأ عن تلك الأشكال — سواء كنت ممن خبروا هذه الظاهرة أم لا — ستتعجب من مدى تنوع استيعابنا للعالم على مستوًى أوَّلِيٍّ للغاية.

(١) الحس المواكب اللغوي-التذوقي

وهو واحد من أندر أشكال الحس المواكب؛ حيث يربط الناس بين كلمات ونكهات.

يوجد هذا الشكل لدى أقل من ٠٫٢٪ من الناس، وقد يؤدي إلى تدفق النكهات عبر ألسنتهم بسبب كلمات معينة.

لا يشتمل هذا الشكل على الشعور بنكهة طعام ما فحسب، بل يمتد ليشمل درجة حرارته وقوامه وحتى موقع تذوقه على اللسان.

على سبيل المثال، ارتبطت كلمة «سجن» بنكهة لحم الخنزير المقدد الجامد البارد لدى واحد ممن يستشعرون تلك الظاهرة من الذين خضعوا للاختبار.

(٢) الحس المواكب الحسي-المنعكس

تخيَّلْ أنك رأيتَني وأنا أمد يدي وألمس ذقني، فَشعرْتَ بلمسة على ذقنك أنت.

هذا هو ما يُطلَق عليه الحس المواكب الحسي-المنعكس؛ عندما تشعر بنفس إحساس شخص آخر.

ترتفع نسبيًّا نسبة هذا الشكل من الحس المواكب لتصل إلى حوالي ١٫٦٪.

بل إن حتى ٣٠٪ تقريبًا من الأشخاص العاديين الذين لا يستشعرون تلك الظاهرة لديهم صورة طفيفة من هذا الشكل في حالة الإحساس بالألم عند مشاهدة شخص آخر يتعرض للأذى.

قد يكون هذا الشكل عبارة عن صورة مكثفة من جزء — على الأقل — من العملية المتعلقة بتعاطفنا مع الآخرين.

(٣) الميسوفونيا

في حين أن الكثير من أشكال الحس المواكب غير مؤذٍ، بل إن البعض يعتبرها تضيف على نحو إيجابي إلى حياتهم، إلا أنها ليست جميعها مفيدة.

فالميسوفونيا — التي تعني حرفيًّا «كراهية الأصوات» — هي حالة مرضية تتسبب في إثارة الأصوات لمشاعر سلبية قوية؛ مثل الشعور بالاشمئزاز أو الغضب.

وهي حالة نادرة للغاية، وقد تنتج عن وجود مشاكل في الوصلات الرابطة بين قشرة الدماغ السمعية والجهاز الحوفي.

وعادةً ما يشعر المصابون بتلك الحالة بمشاعر عدائية شديدة تجاه أصوات تنفُّس الآخرين أو تناولهم الطعام.

(٤) التشخيص

يحدث هذا الشكل عندما يكون هناك ارتباط بين تسلسلات مرتبة — مثل الأرقام أو أيام الأسبوع أو الحروف — وشخصيات معينة، بل ومناظر معينة كذلك.

فقد يرى البعض أن يوم الاثنين يشبه شابًّا صغيرًا مكتئبًا يرتدي قميصًا أحمر، بينما قد يشبه يوم الثلاثاء امرأة كبيرة في السن وَدُودة وثرثارة، وهكذا …

(٥) الحس المواكب الرقمي-الشكلي

وثَّق هذا الشكلَ لأول مرة منذ ما يزيد عن قرن من الزمان الرجلُ الموسوعة السِّير فرانسيس جالتون، ويتمثل هذا الشكل في عرض الأرقام تلقائيًّا في الدماغ على هيئة خرائط ذهنية.

فيما يلي شكل يُوضِّح كيف قد يبدو الأمر:

عادةً ما تختلف هذه الخرائط حسب الشخص الذي يشعر بهذا الشكل من ظاهرة الحس المواكب.

قد ينتج هذا الشكل جزئيًّا من القرب النسبي بين مناطق الدماغ التي تعالج الأرقام، والمناطق المختصة بالتمثيل المكاني.

يُعتقَد أن نسبةً تصل إلى ٢٠٪ من الناس قد يستشعرون هذا الشكل من الحس المواكب أو ما يماثله من خبرات تعني أن الأيام أو الشهور أو الحروف الأبجدية تتخذ شكلًا مكانيًّا في العقل.

(لا أعرف كيف يتوافق ذلك مع وجود ظاهرة الحس المواكب لدى ٤٪ فحسب من الناس، لكن يبدو أن هذه النسبة تعتمد — على الأرجح — على التمييز الدقيق بين الظاهرة وبين ما يشبهها من خبرات.)

(٦) الحس المواكب الصوتي-اللوني

يُعبِّر هذا الشكل من الحس المواكب عن الارتباط بين الأصوات والألوان، وهو الشكل الذي كان يُثير اهتمام الرسام فاسيلي كاندينسكي، وحاولَتْ كثير من لوحاته استحضاره.

فيما يلي إحدى لوحاته، تُدعَى «أصفر وأحمر وأزرق»:

يرتبط سماع أصوات معينة تلقائيًّا ولاإراديًّا لدى من يستشعرون هذه الظاهرة برؤية ألوان معينة.

وبالنسبة للأشخاص العاديين الذين لا يستشعرون تلك الظاهرة، فيبدو من العجيب أو من المشتِّت للانتباه، أن يروا فجأة ألوانًا حينما يستمعون للموسيقى، لكن بالنسبة لمن يستشعرون هذه الظاهرة منذ الصغر، فإن ذلك يُعَدُّ خبرة طبيعية ويومية.

لا يتسبب هذا الشكل من الحس المواكب في تشوش أكثر مما يتسبب سماعك لأغنية ما بتذكيرك بمكان معين كنت تقيم فيه.

أما ما يبعث على الدهشة فهي الأشكال المتنوعة التي اكتشفها العلماء ضمن هذا الشكل الواحد لظاهرة الحس المواكب؛ إذ يرى بعض المستشعرين لهذا الشكل الألوانَ معروضةً في الفضاء أمامهم، بينما يتصورها آخرون في خيالهم.

من ناحية أخرى يشعر البعض بهذا الشكل من الحس المواكب عند سماع الكلمات المنطوقة فحسب، والتي تتأثر بنبرة صوت المتحدث ودرجته وحِدَّته، في حين يستشعره البعض الآخر عند سماع الموسيقى فحسب.

ضياع قدرتنا على استشعار الحس المواكب

نستشهد هنا بما كتبه السير فرانسيس جالتون عندما دوَّن لأول مرة اكتشافاته فيما يتعلق بالحس المواكب الرقمي-الشكلي في عام ١٨٨١:

ينبغي لي أن أُحذِّر هنا من الميل المتكرر جدًّا لدى المرء لافتراض أن عقول جميع الأشخاص الأصحاء العاقلين يجب ألَّا تختلف عن عقله.

بل ينبغي لعالم النفس فحص عقول الآخرين مثلما يفحص عقول الحيوانات من أجناس مختلفة، وأن يكون مستعدًّا لمواجهة حالات كثيرة لا يدري سوى القليل عنها، إن لم يكن يجهلها تمامًا.

جالتون، ١٨٨١

أما بالنسبة لشخص عادي (مثلي) يقرأ عن تلك الظاهرة، فستظل تجربة الحس المواكب على الأرجح لغزًا، تخلب الألباب مثل تجربتها وتخيُّلها.

هذا على الرغم من حقيقة كون إحدى النظريات الخاصة بالحس المواكب تزعم أننا كنا كلنا يومًا ما مستشعرين لتلك الظاهرة.

إذ يشير بعض العلماء إلى أننا مررنا جميعًا بخبرات الحس المواكب في مرحلة الطفولة المبكرة، لكن بالنسبة لمعظمنا تلاشت تلك الارتباطات الحسية المتقاطعة الغريبة في مسار التطور الطبيعي.

إذن انمحت خبراتنا الخاصة بظاهرة الحس المواكب سريعًا مع مسار التطور الطبيعي، وربما بمساعدة ظاهرة فقدان ذاكرة الطفولة.

مع ذلك، وبالنسبة لعدد قليل، فستظل تلك الظاهرة جزءًا طبيعيًّا من حياتهم للأبد.

6 Intriguing Types of Synesthesia: Tasting Words, Seeing Sounds, Hearing Colours and More by Jeremy Dean. Psyblog. May 1, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.