يقول السيد «م. رائف» إنه يسمع في هذه السنوات كلمة «العلوم الإنسانية»، ولا يدري ما المقصود بها، وما أصل هذه التسمية، فهل هي كلمة مترجمة أو هي فروع جديدة من العلوم العصرية؟

ونقول: إن الكلمة ترجمة عن الأوروبية تقابلها بالإنجليزية كلمة Human studies أو كلمة Humanities؛ وهي ترجمة صحيحة من وجهة اللفظ والمعنى، ولكنها لا تحمل معها دلالتها التاريخية التي أوجبت وضعها في اللغات الأوروبية وجعلت قراء تلك اللغات يفهمونها على البداهة بغير حاجة إلى مراجعة.

فالعلوم الإنسانية عندهم هي طائفة من العلوم غير اللاهوتية، كان رجال الدين يتعلمونها ويفرقون بينها وبين دراسة الكتب المقدسة والحكمة الدينية، ومنها الآجرومية والبلاغة والتاريخ وعلم تقويم البلدان وما إليها، وكانوا يسمون هذه العلوم باللاتينية Literae تمييزًا لها من العلوم الإلهية التي كانوا يسمونها LiteraeDivinae على سبيل التقسيم الضروري الذي لا محيص عنه في أدوار الثقافة الأولى.

ثم احتاج الأمر إلى التمييز بين هذه العلوم الإنسانية وبين علوم إنسانية أخرى؛ كالطبيعة والكيمياء والفلك والطب وعلوم الأحياء والنباتات وسائر هذه الدراسات التي لا تدخل في باب اللاهوت ولا بد من التمييز بينها وبين دراسات الآجرومية والبلاغة والتاريخ والحقوق وما هو من قبيلها، فأصبحت لدينا — على هذا — ثلاث طوائف من العلوم المنوعة؛ وهي: اللاهوتية، والإنسانية، والطبيعية.

وليست هذه التسمية بصالحة للتفرقة بينها لولا القرائن التاريخية؛ لأنها كلها علوم إنسانية يتعلمها الإنسان، وكلها علوم إنسانية بمعنى التهذيب وطلب الكمال، وكلها طبيعة ما دام الإنسان موجودًا كسائر الموجودات التي تشملها الطبيعة.

ولا غنى عن التواضع والاصطلاح للتمييز بينها، ولا مانع عندي في التفرقة بينها بأسماء أخرى؛ كاسم العلوم الدينية، واسم العلوم الطبيعية، واسم العلوم الثقافية، فربما أغنانا هذا التقسيم من قرائن التاريخ المستعار من مصطلحات الغرب، وإن كان هذا التقسيم أيضًا موقوفًا على التواضع والاصطلاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.