هو هذا الذي تورط فيه مكاتب التيمس حين كتب الفصل الطويل الذي نشرته له صحيفته أمس. وقد يكون من المُفيد أَنْ يعرف الناس كيف دفع الكاتب إلى هذا التورط الذي لا يمكن أن يُوصَفَ بِأَقَلَّ من أنه تَضْلِيلٌ للرَّأي العام الإنجليزي، وتشويه لما ينبغي أن يستقرَّ في نفسه من صور الحياة الواقعة في مصر.

نعم قد يكون من المُفيد أنْ يَعْرِفَ الناسُ كيف دفع مكاتب التيمس إلى هذا التضليل، ومن الذي دفعه إليه. أدفعته نفسه إليه؟ لأنَّه وإن أقام في مصر واتَّصل بجماعات من المصريين، وغير المصريين، أجنبيٌّ على كل حال لا يستطيع أن يرى الأَشْيَاءَ كَمَا هِي وَلَا أَنْ يَفْهَمَهَا كما ينبغي أن تُفهَم؛ فهو عاجز لذلك عن أنْ يصورها تصويرًا صادقًا، ومُضطر لذلك إلى أن يشوهها تشويهًا شديدًا، أم دفعه إلى هذا التضليل بعض الذين يتصلون به من المصريين القليلين الطامعين، الطامحين، الذين لا يستطيعون أن ينسوا أنفسهم وما لها من المطامع والمطامح، ولا يتحرجون من أنْ يَتَّخِذُوا إلى تحقيق آمالهم الآثمة ما يُبَاحُ وما لا يُبَاحُ من الوَسَائل والأَسْبَاب، أم دفعه إلى ذلك جماعة من الموظفين الإنجليز ومِنَ الرِّجال البارزين بين الجالية الإنجليزية في مصر؟ أولئك الذين لا يهدءون ولا يرضون إلا إذا رأوا مصر خاضعة أشدَّ الخضوع في جملة حياتها وتفصيلها للسلطان الإنجليزي، ولنفوذ دار المندوب السامي كما يقولون.

أمَّا أنا فلستُ أشكُّ في أن مكاتب التيمس قد دُفِع إلى هذا التضليل بهذه المؤثرات كُلها مُجتمعة؛ فهو مَهْمَا يَكُن ذكيًّا فطنًا، وهو مهما يكن أديبًا أريبًا، أجنبيٌّ لا يستطيع أن يفهم المصريين، ولا أن يتصور حياتهم وعواطفهم وآمالهم على وجهها، وهو من أَجْلِ هذا عُرضة للخطأ وللخطأ القبيح في الفهم والحكم وفي التقدير والتصوير، وهو مُتَّصِلٌ بِهَذِهِ البيئات التي يَعْرِفُها المصريون حقَّ المعرفة، والتي تتحرق شوقًا إلى الحكم، والتي طال عليها العهد وبَعُدَ عليها الأمد، وشقَّ عليها الحرمان، والتي لا تتحرج من أن تحكم منافعها وعواطفها الخاصة في حياة الشعب وآماله ومثله العليا.

ثُمَّ هو بعد هذا وذاك مُتَّصِلٌ بِهَؤُلاء الإنجليز الذين نعرف من رأيهم في السياسة المصرية ما نعرف، وهو بعد هذا وذاك إنجليزي له ميوله وأهواؤه التي تفسد تصوره للأشياء، وحسن تقديره للأمور، فإذا لاحظنا هذا كله لم يكن من العسير علينا أن نفهم هذا التضليل الذي دفع إليه مكتب التيمس، وأن نرده إلى أسبابه الأولى. وفهمنا لهذا التضليل لا يمنعنا من الأسف الشديد؛ لأن مثل هذا المقال ينشر في صحيفة كصحيفة التيمس؛ فيَتْرُك في الرَّأي العام الإنجليزي آثارًا أَقَلَّ ما تُوصَفُ بِهِ أَنَّها لا تُعين على تقريب مَسَافة الخلف، ولا على إزالة سوء الظن، ولا على محو الشكوك والريب بين المصريين والإنجليز.

فقد قُلْنَا — وما زلنا نَقُول — إنَّ السبيل إلى إقامة السلم بين مصر وإنجلترا مقام الخصومة والخلاف، إنما هي الصراحة والصدق والإخلاص، وتصوير الأمور هنا وهناك على وجهها في غير عوج ولا التواء، وأين هذا مما كتبه مُكاتِب التيمس أمس؟ وما رأيك في رجل يزعم لصحيفته أنَّ رجل الشارع يتمنى أن يعود عهد كرومر إلى مصر، سله متى سمع هذا؟ وأين يسمع هذا؟ أو ممن سمع هذا؟ ومن عسى أن يكون رجل الشارع الذي اتصل به مكاتب التيمس أو الذي يتصل به مكاتب التيمس في كل يوم وفي كل ساعة فيتحدث إليه، ويسمع منه، ويعرف أنه يتمنى أن يعود عهد كرومر؟ وأين يرى مكاتب التيمس رجل الشارع هذا؟ أفي القاهرة وحدها؟ أم فيها وفي الأقاليم؟ وبأي لغة يتحدث مكاتب التيمس إلى رجل الشارع هذا ويسمع منه؟ أأتقن هو العربية أم أتقن رجل الشارع الإنجليزية؟ أم اصطلحا على لغة خاصة يتفاهمان بها ليعلم مكاتب التيمس أن رجل الشارع يُريد أن يعود عهد كرومر إلى مصر.

وهل تحدث مكاتب التيمس إلى رجل الشارع هذا حديثًا مفصلًا مسهبًا، فسمع منه أنَّ المصريين قد جحدوا جهادهم الطويل، ونَسُوا عَنَاءَهُم الثقيل، وأهملوا ما احتملوا أثناء الحرب، وتجاوزوا عما سفك من دمائهم أثناء الثَّورَة، وَمَا أُهْدِرَ من كرامتهم أثناء الاضطرابات، وما انتهك من حرماتهم وحقوقهم في ظل الأحكام العُرفية، وأصبحوا لا يذكرون شيئًا من هذا، ولا يقدرون شيئًا من هذا، ولا يحفلون بحق، ولا حرمة، ولا كرامة، ولا دم، ولا نفس، وإنما يذكرون شيئًا واحدًا ويقدرون شيئًا واحدًا، ويطلبون شيئًا واحدًا، هو أنْ يعود عهد كرومر، لتذل نفوسهم بعد عزة، وتخيب آمالهم بعد أن بدأت تنجح، وليردوا إلى ما كانوا فيه من تلك الحياة الهادئة الوادعة حياة القطعان، التي تأكل وتشرب لتسمن ليس غير، نستغفر الله، بل لتسمن ويستفيد مربيها وسيدها من هذا السمن.

من الذي تحدث بهذا كله إلى مكاتب التيمس؟ وأين كان هذا الحديث؟ وهل يظن مكاتب التيمس أنه يصدق نفسه حين يزعم أنَّ المصريين الذين ثارَتْ نُفُوسُهم وَخَواطرهم لحادثة دنشواي قد طابت نفوسهم، واستقرت خواطرهم، بعد تلك الأموال التي احتملوها منذ أعلنت الحرب إلى أن أعلن الاستقلال وأنفذ الدستور؟!

وهل يظن مكاتب التيمس أنه يخدم الحق، ويخدم وطنه، حين يُضَلِّل الرأي العام الإنجليزي، فيُخيِّل إليه أنَّ المصريين راغبون في حكم الإنجليز لاجئون إليه ومُتَهالِكُون عليه، وهو يعلَمُ حَقَّ العلم إذا ما خلا إلى نفسه وإلى ضميره، وإلى من شاء من المصريين وغير المصريين أنَّ أبناء النيل لا يُبغضون شيئًا كما يبغضون الحُكْمَ الأَجْنَبي، ولا ينفرون من شيء كما ينفرون من الحكم الأجنبي، ولا يلعنون شيئًا كما يلعنون الظروف التي بسطت عليهم سلطان الأجنبي، ولا يرون أنفسهم أهلًا لأن يكونوا أبناء النيل، ولا لأن يشربوا ماءه، ولا لأن يستظلوا بسمائه، ولا لأن يمشوا على شاطئيه إن رضوا بحكم الأجنبي أو تسلطه على منافعهم، أو قصروا في مقاومة هذا الحكم، ودفع هذا العدوان ما وسعهم ذلك أو وجدوا إليه سبيلًا.

كلا، إنَّ مكاتب التيمس ليعلم من ذلك مثل ما نعلم، ولكنه إنجليزي يُريد أن يبسط سلطان الإنجليز، وهو لا يتحرج في سبيل ذلك من أن يُضَلِّلَ أُمَّتَهَ وَيَقُول لها غير الحق، ومتى كرهت السياسة والاستعمار الانتفاع بالتضليل؟

نعم، ومكاتب التيمس يعلم حقَّ العلم أنه لا يُصَوِّر الحَقَّ ولا يهدي أُمَّتَه إلى الصَّواب حين يزعم لها أن المصريين ينظرون إلى المندوب السامي كما ينظرون إلى الرجل القوي الذي بيده تصريف الأمور، ويلجئون إلى المندوب السامي ليخرجهم بحزمه ونصحه وقوته من هذا الحرج الذي هم فيه.

إنه ليعلم حقَّ العلم أنه يُضَلِّلُ أُمَّتَه حين يقول لها هذا الكلام، وأنَّ المصريين إن عنوا بمقدم المندوب السامي الجديد وانتظروا منه شيئًا، فليسَ ذلك إلا لأنَّ الظروف قد جعلت سياسة مصر الآن إلى الإنجليز، فلولاهم ما كان الظلم، ولولاهم ما كان الاعتداء، ولولاهم ما كان صدقي باشا شيئًا، ولولاهم ما أقدم صدقي باشا على بعض ما أقدم عليه.

هم الذين فرضوا الظلم والظالمين على هذا البلد، وهم الذين انتظروا من فرض الظلم والظالمين على هذا البلد تحقيق المآرب وقضاء اللبانات، وهم الذين استيقنوا آخر الأمر أنهم إن ظفروا ببعض المنافع العاجلة، فقد خسروا ود مصر، وهم الذين استيقنوا آخر الأمر أنَّ تَجْرِبة الظُّلم والقهر والعسف قد أَخْفَقَتْ أَشْنَعَ الإِخْفَاق، فمن حق المصريين أن ينتظروا منهم رفع الظلم الذي وضعوه، والعدول عن التجربة التي هموا بها، ومضوا فيها، فانتهت بهم إلى الفشل والإخفاق.

المصريون لا يستعطفونهم، ولا يلجئون إليهم ولا يأملون فيهم خيرًا، وإنما يطالبونهم بالحق، ويحملونهم تبعة ما جنوا على هذا البلد من السيئات، وما أعظم الفرق بين موقف المنكر للظلم، المطالب بالحق، المُحتفظ بالكرامة، الحريص على الاستقلال، وموقف المستكين الضعيف.

ما أبعد الهوة بين المِصْريين في هذا الجيل وبين الإنجليز، وما أعجز الإنجليز عن أن يضعوا في نفوسهم هذه الحقيقة البديهية، وهي أنَّ النفس المصرية قد بَرِئَتْ كل البراءة من الذلة والخنوع، ونفرت كلَّ النفور من الإذعان والخضوع، وأَصْبَحَتْ تَحْتَمِلُ كل شيء وتَسْتَهِينُ بكل شيء، وتُضَحِّي بكل شيء في سبيل العزة والكرامة والحُرِّية والاستقلال، ليست هذه ألفاظًا تقال، ولكنها الصور الصحيحة للحقائق الواقعة التي يعلمها الإنجليز حقَّ العلم، فإن كانوا في شك منها فليجربوا، فسيخفقون كما أخفقوا وسيفشلون كما فشلوا، وسيعلمون حق العلم أنَّ عهد كرومر قد مضى وانقضى، وأنَّ التفكير فيه وفي عودته إنما هو عبث من العبث، لا ينتج إلا إضاعة الجهد، وخلق المصاعب التي لا تنقضي، والإمعان في فساد ما بيننا وبين الإنجليز من الصلات.

وَأَظْرَف من هذا كله تصوير مكاتب التيمس للصلة بين الأحزاب في مصر، وللخروج من هذه الأزمة التي فرضها الإنجليز علينا فرضًا، فالنظام القائم تُؤيده قلة لا يمكن الاعتماد عليها، وهذا حق، النظام القديم تريده كثرة لا يمكن الاستغناء عنها، وهذا حق أيضًا، ولكنَّ الذين يُمَثِّلون هذه الكثرة لا يُمْكِنُ أَنْ يُخْرِجُوا مصر من أزمتها، لماذا؟ لأنَّ الإنجليز لا يُريدون ذلك؛ لأنَّ أنصار الإنجليز من هذه القلة الضئيلة لا يُريدون ذلك، ولا تُصَدِّق ما يقال لك غير هذا، فمكاتب التيمس نفسه لا يصدقه، وكيف يستطيع مكاتب التيمس أنْ يُصَدِّق أنَّ الوفد ليس إلا ظلًّا لنفسه؟ وكيف يستطيع مكاتب التيمس أنْ يُصَدِّق أن الوفديين أنفسهم لا يُريدون أن ينهض رئيسهم بأعباء الحكم؟!

كلا، كلا، إنما هم الإنجليز أو جماعة من الإنجليز، ومن أنصارهم الطامعين الطامحين، الذين لا يُطيقون الوفد، ولا رئيس الوفد، ولا يكرهون أن تتردى مصر في الهاوية، وأن تفسد كل الصلات بين مصر وإنجلترا ما دام الوفد بعيدًا عن الإشراف على أمور مصر؛ لأَنَّ إشراف الوفد على أمور مصر معناه إشراف مصر على أمورها، معناه الاستقلال، معناه الحُرِّية الداخلية الصحيحة، معناه تحقيق ما لا يُريد الإنجليز أنْ يُحَقِّقوه، معناه زوال الخلاف بين المصريين والإنجليز، معناه حرمان الصائدين في الماء العكر أن ينتفعوا بما يجدون من الصيد.

مكاتب التيمس والذين ألهموه من المصريين والإنجليز يعلمون هذا حقَّ العلم، ويكرهون هذا حق الكُرْه، ويُقَاوِمُون هذا حق المقاومة، ولا يتحرجون في سبيل هذا التضليل، وما هو شر من التضليل.

ولكني أُريدُ أَنْ أَهْمِسَ في أُذن مكاتب التيمس والذين ألهموه؛ أنه لم يكن مُوفقًا ولا لبقًا، وأنَّه إِنْ ضلل الإنجليز فقد عجز عن تضليل المصريين، فلم يكن من اللباقة في شيء، ولا من حُسن السياسة، ولا من حُسن الخدمة لمن يُحب، ولا من حسن الحرب لمن يبغض أن يُسمي الأسماء، ويذكر الأشخاص فيحمد هنا ويذم هناك، ويحتاط ويصطنع الحذر، ويصرِّح فيتورط فيما لا ينبغي أن يتورط فيه الساسة اللبقون، فمن أين له أن فلانًا وفلانًا لا يستمتعان بالرِّضا الملكي؟ وما هو وذاك وما ذكره له؟ وماذا يريد بذكره؟ أليس يرى أن في هذا خروجًا عن الذوق، وإفسادًا للخطط، وإحباطًا للتدبير، وخلقًا للعقبات. ومن الذي أنبأه بأنَّ الوفديين أنفسهم لا يريدون أن ينهض رئيسهم بأعباء الحكم، أهم الوفديون؟ فكيف كان ذلك؟ وأين كان ذلك؟ ومتى كان ذلك؟ وهل يدل على ذلك أنَّ الوفديين احتملوا ما احتملوا من المحن، وذاقوا ما ذاقوا من الشر، وصبروا على ما صبروا عليه من الخطوب، أربعة أعوام لم يتفرقوا عن رئيسهم، ولم يُفَرِّطوا في تأييده، ولم يقصروا في الاستجابة له كُلَّما دعاهم؛ لأَنَّهم لا يَثِقُون به، ولا يُحِبُّون أن يَرَوهُ نَاهِضًا بأعباء الحُكْمِ وتصريف الأمور؟ ما أصدق المثل القديم: إن كنت كذوبًا فكن ذكورًا! وما أجدر مكاتب التيمس أن يُقَوِّم منطقه، ويصحح تفكيره، فقد يُخيل إلينا أنه أشد حاجة من رئيس الوفد إلى استقامة المنطق، وصحة الحكم، واعتدال التفكير!

أما بعد، فليت شعري هل هذا المقال الذي نشرته التيمس مقدمة صحيحة وصورة صادقة لما يريد المندوب السامي أن يسلك من طريق إلى حل الأزمة التي أوجدها سلفه، وعقدها تعقيدًا، إن يكن هذا فإنا لا نتردد في أن نُؤَكِّد أن الإنجليز إنما يصلحون خطأً ليقعوا في خطأ آخر، ويدعون تجربة ليدخلوا في تجربة أُخرى لن تكون أقل منها شرًّا ولا نكرًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.