إن عالم الحضارة يحتفي هذه السنة بشخصية يقل نظيرها في السعة والركانة، شخصية راضَتْ نَفْسَها على التوافق والتناسق بين ما فيها من تعدد الجوانب والآفاق، وراقها أن تنشئ من سريرتها تمثالًا جميلًا يُعجِب عُشَّاقَ الفن الجميل.

«كارل ياسبر» هو أشهر فلاسفة الألمان المعاصرين، وهو إمام الوجودية الألمانية غير مدافَع، وله آراء في علم النفس وأدب السلوك تُعَدُّ من مبتدعات المذاهب الأخلاقية في القرن العشرين. ومن أجل هذه الآراء يُعوَّل على تقديره لشاعر الألمان الأكبر «جيتي» في ذكرى ميلاده، بعد انقضاء مائتي عام على ذلك الميلاد.

كتب ياسبر في مجلة العالم الإنجليزية ثلاث مقالات لهذه المناسبة بعنوان «جيتي ومستقبلنا» — يريد مستقبل الأمة الألمانية — فقال ما خلاصته أن جيتي ليس من رُوَّاد المستقبل؛ لأنه في الحقيقة ختام عهد مضى، وربما كان أقرب إلى هومر في عالمه السلفي منه إلينا نحن أبناء العصور الأخيرة. إلا أننا إذا صنعنا مثل صنيعه في زمنه وفي جوه كان لنا من ذلك الصنيع فائدة في المستقبل وفي أية فترة من الزمن، فهو «شخصية مثالية» ولكنه ليس بقدوة نقتدي بها على علالها.

وقال عن منزلته الأدبية: «إنه — وإن يكن أعظم الشعراء الغنائيين في الألمان، وعلى الرغم من التقدير العالمي العظيم الذي نالته روايته «فاوست» — لا يقف في عالم الأدب موقف الند من هومير أو دانتي أو شكسبير على أساس عمل خاص من أعماله، ولكنه منقطع النظير حين نقيسه بمجموعة أعماله وجوانب شخصيته، وهي تلك الشخصية التي كان الشعر والبحث العلمي والجهود العملية من عناصرها الأولية.»

أما الخصال التي نستفيدها من مثال جيتي إذا صنعنا مثل صنيعه، فمنها: تخليصنا من طبيعتنا المباشرة، وتجديد مولدنا في عالم الحياة الروحية، وتَعْوِيدنا النظر إلى «الإنسان الآخر» على حقيقته، ووقايتنا من خطأ الضلال في الأوهام الباطلة عن المستقبل البعيد؛ إيثارًا لوقائع الحاضر على التطوح مع تلك الأوهام.

وتقدير ياسبر هذا يطابق تقديرنا للنابغة الألماني العظيم فيما كتبناه عنه قبل سبع عشرة سنة لمناسبة الاحتفال بانقضاء مائة سنة على وفاته. فقد قلنا عنه في رسالة صغيرة: «إنه من العبقريين الذين لا يُنبِئ قليلهم عن كثيرهم؛ لأنه لم يجمع نفسه في قطعة واحدة ولا موضوع واحد؛ فهو كثير الجوانب كثير التجزئة. الموضوع الواحد عنده لا يدل على كل موضوعاته، والجزء الصغير لا يدل على جملة الموضوع؛ فكل فكرة له هي أصغر من الرجل في جميع أفكاره …»

والحق أن سجل الآداب البشرية لا يحصي في صفحاته نماذج كثيرة من طراز جيتي في تعدد الجوانب وسعة الآفاق؛ فهو شاعر ومشارك في التصوير والموسيقى، وباحث في النبات والتشريح والبصريات وطبقات الأرض، ومستشرق في ناحية من نواحي الاطلاع على أدب الغرب وأطراف من الآداب الشرقية، وله في جميع هذه الجوانب فتوح يعتز بها الباحث المتفرغ لفرع واحد من فروع هذه المعارف والعلوم.

وليس هو بقدوة للعاملين في المستقبل كما قال ياسبر وأصاب كل الصواب، ولكن هل كانت صفاته هي الصفات التي توافق حاجة المستقبل من عظماء الرجال أو من أصحاب الشخصيات العظام؟

لقد كان الرجل كوكبًا كبيرًا، ولكنه كان يدور في فلك نفسه ولا يشغل باله بشئون الخلق إلا لأنه فلك رحيب تدخل فيه تلك الشئون باختياره أو بغير اختياره.

وكون الإنسان كبيرًا ليست بمسألة تعليم أو محاكاة، فليس في وسع أحد أن يصبح كبيرًا؛ لأن «جيتي» كبير، وإنما يكبر إذا خُلِق كبيرًا مثل جيتي في تكوينه وتكوين مَلَكاته. ويبقى علينا أن نسأل: هل هذا الكبر في نوعه وخصائصه هو الصفة التي يتطلبها المستقبل من هداة الإنسانية العظماء؟

إن «الغيرة» هي أُولى الصفات التي تتطلبها الإنسانية من عظمائها في مغامراتها المقبلة.

والغيرة هي آخر الصفات التي يُوصَف بها ذلك العبقري الكبير، فكل ما كان يعنيه من تثقيف نفسه وتوسيع أفقه أن يخلق التوافق النفساني في سريرته، وأن يصل من هذا التوافق النفساني إلى التوافق بينه وبين الكون كله؛ طلبًا للسكينة والاستقرار، أو تمكينًا لسكينته واستقراره؛ لأنك تقرأ تاريخه بجملته وتفصيله فلا يبدو لك أنه أزعَجَ نَفْسَهُ بأمر من الأمور، أو أنه عالج المزعجات بغير الإشاحة والإعراض … «ثم أقول لا يعنيني» والسلام!

ولم يكلف جيتي نفسه قطُّ أن يُقنِع غيرَه بفكرة يؤمن بها، بل كان يكره المناقشة في المسائل العلمية كما قال لفون ليونهارد، وكان يُقرِّر ذلك في أحاديثه وشذراته المُتفرِّقة كما قال في الشذرة اﻟ ٥٥٠: «إنه لخير دائمًا أن تلتزم رأيك على طريقة تعبيرك، وأن لا تهتم كثيرًا بإثبات وجهة نظرك، فإنما البراهين صور مختلفة من آرائنا. ومن كان يخالفك فهو لا يصغي إلى الآراء ولا إلى البراهين …»

وقد كان جيتي متحللًا من العصبية الوطنية والقومية ذهابًا مع الوحدة العالمية، ولكن الوحدة الجغرافية كان لها في أمانيه حساب أكبر من حساب الأمم والأقوام، فقال لصاحبه أكرمان سنة ١٨٢٧: «إن فتح قناة بناما، ووصل الدانوب بالراين، واستيلاء الإنجليز على قناة في السويس. هذه العظائم الثلاث من الأشياء التي أود أن أعيش لأراها، ويهون عليَّ من أجل رؤيتها أن أطرح خمسين سنة من الحياة …»

فهو حين فكر في فتح مسالك العالم لم يفكر في الهند ومصر وشعوب أمريكا كما فكر في فتح الطريق واستيلاء الفاتحين عليها، ولم تكن مبالاته بالألمان أنفسهم أشد من هذه المبالاة بالشعوب الشرقية والغربية، فلا يعنيه إذا اتصل الدانوب بالراين ماذا يكون من عقبى ذلك الاتصال!

وقلة الغيرة هذه كانت ظاهرة في علاقاته بأصحابه وأصدقائه كما ظهرت في مسائل العالم ومسائل وطنه وقومه، فكان وزيرًا في بلاط فيمار يستطيع أن ينفع ويُعِين، ولكنه لم يُعِن قط أحدًا ممن يستحقون عَوْنَه، وسعى لإحباط تعيين الفيلسوف شلنج في الجامعة، وعاقب الطلاب لاحتفائهم بصديقه الشاعر شيلر، وكتب إليه بيتهوفن في شيخوخته يطلب مساعدته فأهمل خطابه ولم يكتب إليه جوابه، ولم يُبْلِغه إلى أمير فيمار لينظر في مساعدة الموسيقي الكبير من عنده!

كلا! ليست صفات جيتي بالصفات التي نتمناها لخُدَّام بني الإنسان في مستقبل الإنسانية؛ لأنها صفات خَلَتْ من «الغيرة» التي تدفع إلى المقاومة والكفاح، ولا فائدة للإنسانية في مستقبلها القريب على الخصوص من عظيم لا يُقاوِم ولا يُكافِح ولا يغار.

إن عالم الحضارة يحتفي هذه السنة «بشخصية» يقل نظيرها في السعة والركانة؛ شخصية راضت نفسها على التوافق والتناسق بين ما فيها من تعدد الجوانب والآفاق، وراقها أن تنشئ من سريرتها تمثالًا جميلًا يُعجِب عشاق الفن الجميل، ولكنها لم يَرُقْها قطُّ أن تنشئ من تلك السريرة منارًا يضيء في الظلمات أو شعلة تحترق لتبث في النفوس دفء الثقة وحرارة الرجاء؛ فهي «متحف» يُزار كما تُزار متاحف الآيات الرفيعة والبدائع المعجبة، ولا تُزار للحج ولا لاستلهام الثقة والرجاء.

وإذا كان في صفات «جيتي» صفة خالدة النفع في جميع العصور، وفي عصرنا هذا خاصة بين العصور الحديثة، فتلك هي القدرة على التوفيق بين التجزئة والضم أو بين التحليل والتركيب.

لقد بدأت بدعة التحليل في زمان جيتي ولا تزال فاشية بيننا في زماننا هذا بعد أكثر من مائة وخمسين سنة، فكل شيء يُحلَّل ويُمزَّق ويتفرق شعاعًا ليفهموه كما يقولون، وليس أصعب من فهم الكائن الحي ولا الفكرة الحية إذا كنا لا نفهمها إلا في صورة واحدة، وهي صورتها على مشرحة التحليل والتمزيق.

وكان جيتي يستنكر هذه الطريقة، وينظر للحقيقة الحية فيعلم أنها حقيقة يضيرها التحليل بغير تركيب، بل كانت المسألة عنده مسألة فطرة عميقة تسبق الرأي والنظر، فكانت حياته كلها تحليلًا مقترنًا بالتركيب، أو توفيقًا بين مختلف العناصر والأجزاء، وإن لم يكن يعنت نفسه في المحاولة والمجاهدة، شعورًا منه بقدرته المطبوعة على «ربط أنغامه» بمفتاحها المستقر في وجدانه، دون أن يتعجله العمل إذا تراخى عن الاستجابة إليه في الحين بعد الحين … لأن الزمن لا يطير.

ومن قوله في هذا المعنى: «إن العصر الذي يتخصص بجملته في التحليلات ويخاف كما يبدو من التركيب لن يستوي على الجادة القويمة، فإنما التحليل والتركيب معًا قوام حياة العلم، كما تقوم حياة المتنفس على الشهيق والزفير.»

ومهما يكن من تحوُّل الزمن، ومن مطالب الإنسانية عند عظمائها، ومن اختلاف الرسالات بين أولئك العظماء، فالصرح الشامخ الذي تمثله العالم في جيتي قبل مائة سنة لا يزال صرحًا شامخًا كما كان، جديرًا بالإعجاب والعرفان، وليس من اللازم أن يكون الصرح منارًا في طريق الناظرين، فإن الصروحَ حقيقةٌ بالنظر إليها، قادرة على أن تعطيك جزاء نظرك من متعةٍ بالفخامة والجمال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.