الألحان: ومقتطفات من غلواء

إلياس أبو شبكة

ربما يملك الشعراء آذانًا حساسةً مُرهفةً، تُسمعهم ألحانًا سرية عذبة يصنعها الكون وقد انتظمت عناصره فيما يشبه الجوقة الكبيرة التي تحفظ الكثير من الأغاني الرائعة المتجددة؛ فتنطلق في موسم الحصاد منشدة بسعادة ألحانًا يملأها البِشر والأمل، تشدُّ من أزر الفلاحين وتحمِّسهم، وتصنع من حركاتهم النشيطة والخيوط الذهبية لأشعة الشمس الساقطة على الزروع الخضراء لوحةً حيةً رائعة، كمشهدٍ من فيلمٍ غنائيٍّ للأطفال، وتتعاقب الفصول المناخية؛ فالشتاء الوقور له ألحانه المميزة التي لا تخلو من الحزن والخوف، تردِّدها الزعابيب والعواصف، بينما تقرع الأمطار الطبول استعدادًا للربيع الذي ما إن يعتلي المسرح حتى تشاركه الطيور والأطفال الصغار في عزفٍ جديدٍ سعيدٍ كلحظة الميلاد.

عن المؤلف

إلياس أبو شبكة: شاعر وأديب لبناني.

وُلد إلياس يوسف أبو شبكة في مدينة «بروفيدانس» بالولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٩٠٣م، وكان ذلك أثناء أحد أسفار والده، وعاد به إلى قريته بمدينة «كسروان» اللبنانية وهو ابن سنة، تلقى إلياس علومه الأولية ﺑ «مدرسة عينطورة» ولما وقعت الحرب العالمية الأولى انقطع فترة عن التعليم، ثم استأنف الدراسة في «مدرسة الإخوة المريميين» في «جونية»، وقد كان غريب الأطوار يتعلم على ذوقه ويتمرد بشكل مستمر على معلميه.

عرف إلياس اليتم وهو في الحادية عشرة من عمره، حيث اغتال بعض اللصوص والده، ونهبوا أمواله، الأمر الذي أثر بشكل كبير في نفسيته، وانعكس فيما بعد على فنه حيث كان صاحب نظرة قاتمة، كما اضطر ليكدح بعد فقد ثروة والده فاشتغل بالتدريس والترجمة.

اتسمت قصائد إلياس بالواقعية والنضج، وقد أحدث ديوانه الشهير «أفاعي الفردوس» ضجة في الأوساط الثقافية العربية، إذ رسم بمهارة فنية عالية لوحات نابضة بالحياة عكست حالته النفسية الثائرة مستخدمًا تراكيب لغوية مبتكرة وصورًا خيالية جديدة.

أسس إلياس «عصبة العشرة» الأدبية التي ضمت عددًا من الكتاب والأدباء اللبنانيين الذين ثاروا على الأساليب القديمة للأدب، وعملوا على كسر الجمود الفكري الذي كان في الحياة الثقافية العربية.

توفي إلياس في عام ١٩٤٧م.