الاشتراكية

الاشتراكية

سلامة موسى

إن لكل عصر بنيته الخاصة التي يتشكل منها نظامهُ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فإذا نظرنا إلى العصر الأوروبي الوسيط وجدنا أن جوهرهُ يتجلى في المسيحية الكاثوليكية، التي كانت مدعومةً سياسيًا من الكنيسة، واقتصاديًا من النظام الإقطاعي، إلا أنه هذه البنية سرعان ما أصابها التحلل والتفكك نتيجة لظروف متعلقة بتدهور الحياة السياسية والاقتصادية، حيث انخرطت الكنيسة في الصراع السياسي مع الإمبراطورية، وابتعدت عن دورها الوعظي الإرشادي، كما اتسعت الفجوة الاقتصادية بين الطبقة الأرستقراطية الممثلة في النبلاء ورجال الدين وبين العامة من الشعب. لذلك جاء الفكر الرأسمالي البرجوازي ليثور على هذه الأوضاع، بحيث تم القضاء على النظام الإقطاعي بسبب تغير نمط الإنتاج بتصاعد معدلات حركة التجارة، واكتشاف جبال الذهب والفضة في أمريكا الجنوبية، وبداية الثورة الصناعية، وملكية وسائل الإنتاج. وعلى الصعيد السياسي تحللت البنية السياسية وأصبحت الدولة هي الوحدة الأساسية للوجود السياسي بدلًا من الوجود الإمبراطوري. ولكن يكشف التطور الفكري للأيديولوجية البرجوازية الرأسمالية أنها تحولت (على مدار ثلاثة قرون) من فكر ثوري إصلاحي، إلى فكر محافظ تقليدي، هدفه الأول الحفاظ على المكاسب والمصالح التي حققتها الطبقة الرأسمالية، حتى لوكان في ذلك استغلالًا للطبقة العاملة. لذلك جاء الفكر الاشتراكي ليلعب مع الرأسمالية ذات الدور التاريخي الثوري الذي لعبته هي ضد الطبقة الأرسقراطية. ومن الجدير بالذكر أن تحمس سلامة موسى في هذا الكتاب للأيديولوجية الاشتراكية يظهر إلى أي مدى كان تأثير المركزية الأوروبية حاضر بقوة في عقول النخبة المثقفة في العالم الثالث، بحيث لا ترى ذاتها الحضارية، ولا وجودها المتعين، إلا من خلال الخبرة الحضارية الأوروبية.

عن المؤلف

سلامة موسى: مفكر مصري، كان من أوائل الداعين للفكر الاشتراكي، وكان إيمانه بأن تحقيق النهضة في المجتمع المصري يستوجب التمثل بالغرب والمحاكاة الكاملة له.

ولد سلامة موسى عام ١٨٨٧م بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلومترات من الزقازيق لأبوين قبطيين. التحق بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣م.

سافر عام ١٩٠٦م إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين. انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربع سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثيرين من عمالقة مفكري وأدباء الغرب، أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثرًا كبيرًا بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين. كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.

بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان: «مقدمة السوبرمان»، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق. كما أصدر كتابًا آخر بعنوان: «نشوء فكرة الله»، يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديرًا للشعوب وإغلالًا لأيديها! كما تَبَنَّى موسى كثيرًا من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم! وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!

توفي سلامة موسى عام ١٩٥٨م بعد أن ترك إرثًا مثيرًا للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصيرًا للطبقات الكادحة، ومحررًا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: «إن سلامة موسى أثبت شيئًا هامًّا؛ هو أنه غير عربي.» كما قال: «إن العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المنبت الذي لا عِلْمًا قطع ولا أدبًا أبقى.» وقد هوجم سلامة موسى من «مجلة الرسالة» الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه معادٍ للإسلام، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى دجال ومشعوذ!