من حديث الشعر والنثر

من حديث الشعر والنثر

طه حسين

كان لـ «طه حسين» ما يمكن اعتباره مشروعًا ثقافيًّا خاصًّا، سعى فيه لدراسة فنون الأدب العربي القديم دراسة نقدية، على أسس علمية رصينة، تحرَّرت من كافة التحيزات المسبقة، وتميزت بجرأتها في انتقاد الثوابت، الأمر الذي جرَّ عليه الكثير من المشاكل والصدامات بينه وبين المؤسسات السياسية والدينية والأكاديمية؛ فاتُّهِم مرَّات بالزندقة والجهل ،كما أُبعِد عن وظيفته بالجامعة، فلم يلن إصراره العلمي نحو الوصول للحقيقة. والكتاب الذي بين يديك جَمَع فيه المؤلف سلسلةً من المحاضرات التي ألقاها للجمهور عن فنَّيِ النثر والشعر العربيين قبل الإسلام وبعد ظهوره، والتطور الذي حدث فيهما وعلاقة كل منهما بالآخر، وكذلك علاقتهما بالآداب الأخرى، وتتبع كذلك مراحل ظهور النثر واستقلاله عن الشعر، وأبرز من نبغ في هذا الفن الذي لم يكن له نفس السطوة التي حازها الشعر العربي القديم.

عن المؤلف

طه حسين علي سلامة: أديبٌ ومفكِّرٌ مصريٌّ، يُعدُّ علمًا من أعلام التنوير والحركة الأدبية الحديثة، امتلك بصيرةً نافذة وإن حُرِم البصر، وقاد مشروعًا فكريًّا شاملًا، استحقَّ به لقب «عميد الأدب العربي»، وتحمَّل في سبيله أشكالًا من النقد والمصادرة.

وُلِدَ في نوفمبر ١٨٨٩م بقرية «الكيلو» بمحافظة المنيا. فَقَد بصرَه في الرابعة من عمره إثر إصابته بالرمد، لكن ذلك لم يُثنِ والده عن إلحاقه بكُتَّاب القرية، حيث فاجأ الصغيرُ شيخه «محمد جاد الرب» بذاكرة حافظة وذكاء متوقِّد، مكَّنَاه من تعلُّم اللغة والحساب والقرآن الكريم في فترة وجيزة.

وتابع مسيرته الدراسية بخطوات واسعة؛ حيث التحق بالتعليم الأزهري، ثم كان أول المنتسِبين إلى الجامعة المصرية سنة ١٩٠٨م، وحصل على درجة الدكتوراه سنة ١٩١٤م، لتبدأ أولى معاركه مع الفكر التقليدي؛ حيث أثارت أطروحته «ذكرى أبي العلاء» موجة عالية من الانتقاد. ثم أوفدته الجامعة المصرية إلى فرنسا، وهناك أَعَدَّ أُطروحة الدكتوراه الثانية: «الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون»، واجتاز دبلوم الدراسات العليا في القانون الرُّوماني. وكان لزواجه بالسيدة الفرنسية «سوزان بريسو» عظيم الأثر في مسيرته العلمية والأدبية؛ حيث قامت له بدور القارئ، كما كانت الرفيقة المخلِصة التي دعمته وشجعته على العطاء والمثابرة، وقد رُزقا اثنين من الأبناء: «أمينة» و«مؤنس».

وبعد عودته من فرنسا، خاض غِمار الحياة العملية والعامة بقوة واقتدار؛ حيث عمل أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة المصرية، ثم أستاذًا لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب، ثم عميدًا للكلية. وفي ١٩٤٢م عُيِّن مستشارًا لوزير المعارف، ثم مديرًا لجامعة الإسكندرية. وفي ١٩٥٠م أصبح وزيرًا للمعارف، وقاد الدعوة لمجانية التعليم وإلزاميته، وكان له الفضل في تأسيس عدد من الجامعات المصرية. وفي ١٩٥٩م عاد إلى الجامعة بصفة «أستاذ غير متفرِّغ»، وتسلَّم رئاسة تحرير جريدة «الجمهورية».

أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلَّفات والترجمات، وكانت أعماله تكرِّس للتحرر والانفتاح الثقافي، مع الاعتزاز بالموروثات الحضارية القيِّمة عربيةً ومصرية. وبطبيعة الحال؛ فقد اصطدمت تجديدية أطروحاته وحداثيتها مع بعض الأفكار السائدة، فحصدت كبرى مؤلفاته النصيب الأكبر من الهجوم الذي وصل إلى حدِّ رفع الدعاوَى القضائية ضده. لكن — وعلى الرُّغم من ذلك — يبقى في الذاكرة: «في الأدب الجاهلي»، و«مستقبل الثقافة في مصر»، والعديد من عيون الكتب والروايات، فضلًا عن رائعته «الأيام» التي روى فيها سيرته الذاتية.

رحل طه حسين عن دنيانا في أكتوبر ١٩٧٣م عن عمر ناهز ٨٤ عامًا، قضاها معلِّمًا ومؤلِّفًا، وصانعًا من صنَّاع النور.