شعر [١١–٢٠ من ٤٨ كتاب]

عرائس وشياطين

عباس محمود العقاد

تقول الأسطورة إنَّ شِعر العرب إنَّما هو من وحي الشياطين، وشعرَ العجم إنَّما هو من وحي العرائس؛ ومن هنا كانت الفتنة، من هنا كان الشعر الذي ينعم بمذاقه ذوو الذوائق الأدبية الرفيعة، ويأتي أحدُ أرفعِهم؛ «العقاد» ليسُوق لنا من وحي أجمل أشعار القدماء عربًا وعجمًا مجموعةً من الأبيات شديدة الفرادة والتألُّق، توخَّى فيها عذوبة اللفظ والمعنى، أصالة الفكرة وتنوُّع الأفكار، تعدُّد النماذج والأنساق، لنجد أنفسنا بصدد عشرات القصائد العربية والعالمية المتميِّزة، والتي ربما لم يتسنَّ لنا مطالعة أكثرها من قبلُ، فقد حرَص المؤلِّف على تقديم المغمور على المشهور، والنادر على الوافر.

نقوشٌ على سطحِ ماء

وليد جلال

ﺑ «النقشِ على الحجر» ضربَ الأقدمونَ الأمثال. وفي مفارقةٍ لافتةٍ، يضربُ لنا الشاعرُ الشابُّ «وليد جلال» مَثَلَهُ الشعريَّ الفريدَ ﺑ «نقوش على سطحِ ماء».

ربما للأمرِ علاقةٌ بعصرِ السرعةِ الذي نحياه؛ تتوالى الأحداثُ سريعًا، فينقشُ الشاعرُ على إيقاعٍ مماثلٍ، بخفةٍ ومهارةٍ، النقشَ تلوَ النقش: ذاتَ ثورة، ثم ذاتَ غفوة، ثم ذاتَ ضيعة، فذاتَ رؤية، وأخيرًا ذاتَ رحلة. ويرحلُ بقارئه على طولِ الرحلةِ في المكان؛ أماكنِ الثوراتِ والغليان، وعلى امتدادِ الرحلةِ في الزمان، يهربُ من «ريحِ الحداثةِ» تلك التي تحملُ شِعْرًا بلا مُوسيقى، ولا يستسلم ﻟ «قيد الخليل» الذي ربما حَبَسَ الشعرَ في مُوسيقاهُ وسَلَبَهُ شعوره، بينما يجدِلُ «وليد جلال» الشعرَ والشعورَ في جديلةٍ أنيقةٍ، ويُوجبُ عليه تنقُّله بين طبقاتِ الشعورِ «رجوعًا إلى المهد»، وإلى ما هو أبعد؛ حيث «طروادةُ تسقطُ مرةً أخرى»، وفي غفلةٍ من الواقعِ يُوَشوِشُ جلال «وَشوَشاتٍ في أذنِ الجميلةِ النائمة» وتتشظَّى الوَشوَشاتُ، لتَحُولَ «تمتماتٍ على الدربِ» و«صلوات»، يبُثُّها الشاعرُ شعرًا رائقًا، له من رونقِ اللفظِ ودماثةِ المعنى ما يأخذُ بالألباب.

البستاني

وديع البستاني

كان «وديع البستاني» مفتونًا بشعر الهندي الشهير الحائز جائزة «نوبل» في الشعر الخيالي «رابندراناث طاغور»، فعمل على تعريب أجمل ما وصله من مجموعاته الشعرية، بل ووصل به إعجابه الشديد بالشاعر إلى السعي إلى مقابلته في الهند، وقرأ عليه ما عرَّبه من شعره بعد ترجمته إلى الإنجليزية. في «البستاني» ينقل لنا وديع بلغته الرائقة مجموعة غزلية من قصائد طاغور، يعرِّب كلًّا منها في صورة شعر منظوم مرة، ويترجمها نثرًا فنيًّا مرة، ويضيف إلى ذلك تعليقات يضمِّنها بعضًا من انطباعاته وما تركته في نفسه الفكرة والمعنى من أثر، مسرِّبًا إلى القارئ ذلك الإمتاع والشغف.

شرح ديوان المتنبي

عبد الرحمن البرقوقي

يُعدُّ هذا الشرح ذخيرةً أدبية، ووثيقَةً تراثيةً تُوثق العقد الشعري النَّفيس الذي تركه لنا بلبل الشعر العربي الفصيح في دَوْحَةِ المشْرق «المتنبي» وهو شَرْحٌ وافٍ أورد فيه الكاتب جميع تفاسير الشُرَّاحِ من متقدمين، ومتأخرين، وأقوال النقاد من متعصبين له، ومتعصبين ضده، وقد أكثر البرقوقي من إيراد الشواهد، والأشباه، والنظائر التي تُعَضد قيمة هذا الشرح إيمانًا منه بقامةِ وقيمة المتنبي، وقد تبسَّط الكاتب في ذِكْرِ سيرة المتنبي؛ ولا سيما ما كان منها عَوْنًا على معرفة الظروف والمناسبات التي أسهمت في ميلاد شعر هذا الشاعر الفَذ، وأرفق بهذا الشرح تراجمًا لشرَّاح المتنبي ممن ورد ذكرهم في هذا الشرح، وإتمامًا للفائدة جمع الكاتب الأمثال والحكم التي قالها المتنبي، وزَيَّلَ بها هذا المُؤَلَّف؛ ولا عجب في ذلك فهو شرح تلاقت فيه كل الشروح بعد شىءٍ من التهذيبِ والتنقيح؛ فجاء مُفصلًا لكل ما قاله المتنبي في كل بيتٍ شعري فصيح.

ديوان معروف الرَّصافي

معروف الرَّصافي

الشعر هو الأداة الطيعة التي استطاع به «معروف الرصافي» أن يُعبر عما يجول في نَفْسِه من مشاعر متدفقة، فكان المتحدث باسم جيله، والممثل لآماله، والناطق بلسانه. وفي ديوانه ناقش العديد من القضايا الهامة؛ فعرض لأثر الطلاق الاجتماعي على المرأة، وحث على العناية بالأطفال والأيتام. ولم ينسَ الشاعر الثائر أن يُطالب بإصلاحات سياسية، منها: دعوته لتأسيس «مجلس شعب» للعراق يناقش أموره، وهاجم ظُلم الحكام، واستبداد «السلطان عبد الحميد» ودعا إلى عزله، وطالب الشعب الإسلامي بالاستيقاظ من سباته. وإيمانًا منه بأهمية العلم؛ حث على التعلم وإنشاء المدارس. كما دافع عن الإسلام رافضًا ما يردده البعض بأنه حجر عثرة أمام التقدم. ورثى عددًا من الشخصيات، مثل: «أحمد شوقى» و«الحسين بن علي» الذي لقبه بأبي الملوك. إن الديوان موسوعة شعرية لعصره ونفسه.

هدية الكروان

عباس محمود العقاد

لعلَّ الكروانَ هديَّةُ مصرَ للشاعر، أو لعلَّه الديوانُ هو هديَّةُ الشاعر للكروان، لكنَّ ما لا شكَّ فيه أنَّ الناهلين من عذوبة تلك القصائد المزقزقة هم أصحاب الحظِّ الأوفر والمغنم الأكبر. وقد ألهم الكروان في تغريده الشَّجيِّ الشاعرَ موسيقى ربيعيَّة منطلقة، ولغة مشتركة تجمع بين عالمَي الطيور والشعراء، فأتت كروانيَّات «العقَّاد» نضرة جديدة المعاني متجدِّدتها، وضمَّن ديوانه كذلك قصائد في الغزل الرقيق، منها: قبل بغير تقبيل، يوم يبحث عن ذكراه، شكوك العاشق، الخرافة الصادقة، الحياء في الحب، كما ذهب في تأمُّلاته إلى استكشافات شاعريَّة لسرِّ الوجود، وسرِّ السعادة التي ما إن أدرك محدوديَّتها واستعصاءها حتى انتقل إلى هجاء الدَّهر ومعاونه الموت الذي غيَّب الرفاق، حتى لم يعُد من عزاءٍ سوى صوت الكروان ربما، وهديَّته.

وهج الظهيرة

عباس محمود العقاد

بين أيدينا ثاني دواوين العقَّاد الشِّعريَّة التي جادت بها قريحته إبَّان صِباه. واتضحت فيها أول ما اتضحت سمات أسلوبه التجديديِّ في الشعر العربيِّ، وميله للخروج عن القوالب التقليديَّة الجامدة. تتعدَّد الموضوعات التي يطرقها الشاعر، فنطالع عناوين منها: الوقار المستعار، كأس على ذكرى، القريب البعيد، نابش القلوب، الدنيا الميتة، الفجر الأول، الخداع القاتل، الهجر الصادق، تمثال رمسيس. ويجمع بين قصائد الديوان اصطباغها بصبغة فلسفيَّة تأمُّليَّة، يُسهب العقَّاد بعض الشيء في تقريبها إلى القارئ في المقاطع النثريَّة التي يُقدِّم فيها لكلِّ مجموعة من القصائد، ونرى كيف تتجلَّى من خلال منظوماته رؤيته الفريدة للحياة، الجمال، الطبيعة، الإيمان، الحب والعاطفة، والوطنيَّة الصادقة.

ديوان عابر سبيل

عباس محمود العقاد

يقدم العقاد في ديوانه الشعري «عابر سبيل»، ألوانًا طريفة وجديدة من الموضوعات الشعرية، لم يسبق أن تناولها أحد من الشعراء. ليبين أن الشعر ليس مقصورًا على غرض دون الآخر؛ فأمور حياتنا وأحداثها تصلح جميعًا مواضيع شعرية، كأنه يقول أن للأدب وظيفة في طرح قضايا المجتمع وعرض مشكلاته، فيخرج بالشعر من ضيق أساليب القدماء وطرقهم النمطية في بدء القصائد ومحدودية موضوعاتهم، لآفاق أرحب في التناول والأحاسيس، حيث تتجلى سمات مدرسته الشعرية المسماة بـ«مدرسة الديوان» من حيث الدعوة للتجديد في الموضوعات، والاستعانة بمدرسة التحليل النفسي، والاتجاه للشعر الوجداني، فنجد في ديوانه شعرًا عن «عصر السرعة» و«الفنادق» و«عسكري المرور» و«المَصْرِف»، وغيرها من الموضوعات التي اعتُبر التطرُّق إليها شعريًا شيئًا غريبًا آنذاك.

ديوان من دواوين

عباس محمود العقاد

جمع العقاد في هذا الديوان مجموعة مُنتقاة من أشعاره التي سبق أن نُشرت في دواوين شعرية أخرى له، فأسماه «ديوان من دواوين». لتتبدى هنا ملامح مدرسته المُجدِّدة في الشعر (مدرسة الديوان)، فنجد مواضيع شعرية جديدة تمامًا في قالب تميَّز بوحدة القصيدة عضويًّا وفنيًّا؛ فكانت العاطفة الغالبة على القصيدة واحدة ذات موضوع محدد، نابذًا أساليب القدماء في بناء القصيدة وافتتاحها بما اعتادوا عليه من الغزل والبكاء على الأطلال. فيتحدث عن «عسكري المرور» و«فن السينما»، ويصف الشتاء في مدينته أسوان. كما نلمس عاطفته الوجدانية وتعبيره عن عواطف نفسه ليعبر شعره عن ما يقلقه من مشكلات، فنجد قصائد كـ «ندم» و«مزيج» وغيرها، حيث يتبدَّى الطابع النفسي والفلسفي لفكر العقاد.

من السماء

أحمد زكي أبو شادي

هو ديوان ينطق بلغة الوجدان الشعري الساكنة في الضمير الإبداعي لأحمد زكي أبو شادي؛ فديوانه الشعري يدلُّ على تَوَحُّدٍ وجدانيٍّ بينه وبين الطبيعة التي يستعير من قاموس مفرداتها ألفاظه الشعرية التي تروي ظمأ المعاني بمياه البيان الشعري الكامن في وريقات هذا الديوان الذي ضمَّ طرائق شتَّى من الموضوعات الشعرية التي غلب عليها طابع المناسبات، وجمعت بين الغزل والرثاء، وضمَّت عددًا من المراسلات الشعرية التي دارت بين صاحب الديوان وخليل مطران. ومن يقرأ الديوان يجد أنَّ الشاعر أعلى فيه ديباجة المنطق المعنوي على الزخرف اللفظي الأخَّاذ؛ فديوانه يدلُّ على أن أشعاره تخاطب المواقف على قدر أحوالها، وهذه هي البلاغة الشاعرة التي تذيب القلوب بفصاحة المنطق الكامن في الكلمات.