مكتبة طه حسين [٤١–٤٩ من ٤٩ كتاب]

من أدبنا المعاصر

طه حسين

بين القديم والجديد، بين الأصالة والمعاصرة، تسعى عيون النقاد، وتُعقد المقارنات. و«طه حسين» — الأديب والناقد الذي سَبَر أمهات الكتب التراثية — لم ينغمس في الماضي الانغماس التام الذي يضعه بمعزل عن حاضره، بل كان معنيًّا بمتابعة الحركة الأدبية الحديثة وتقييمها وتقويمها؛ فهو في كتابه الذي بين أيدينا يقدِّم مراجعات نقدية متميِّزة لعدد من الكتب التي ألَّفها معاصروه، أمثال: محمد حسين هيكل وقصته «هكذا خُلقت»، ونجيب محفوظ وروايته «بين القصرين»، وعبد الله الفيصل وديوانه «وحي الحرمان»، وثروت أباظة وروايته «هارب من الأيام». ويناقش المؤلِّف كذلك مسائل أدبية ونقدية كالتجديد في الشعر، والواقعية كمذهب أدبي، وجمود اللغة وتجدُّدها، وتطوُّر الذوق الأدبي، كما يتعرَّض بالنقد لأداء مجامع اللغة العربية.

ما وراء النهر

طه حسين

«لا يمكن أن تحدث هذه القصة في مصر.» يقول عميد الأدب العربيِّ متهكِّمًا، فالقصة التي بين أيدينا، والتي كُتِبتْ فصولها في منتصف القرن الماضي، تصوِّر أناسًا سيِّئي الطباع، يتجبَّر قويُّهم على ضعيفهم، ويستذلُّ غنيُّهم فقيرهم، ويستخفُّ سعيدهم بشقيِّهم، يؤثرون الأثرة ولا يُنكرون الظلم، وهي الصورة التي لم يكن لوطنيٍّ حُرٍّ أن يقبل بمثلها في وطنه، فضلًا عن أديبٍ ومفكِّرٍ مهمومٍ بترسيخ قيَم الحريَّة والعدالة الاجتماعيَّة كـ «طه حسين». وإلى جانب الدعوة إلى الإصلاح التي ترمي إليها القصة، والأمل الذي تصرُّ على إشاعته رغم الظلمة اليائسة، فمِن أهمِّ ما يميِّز هذه السرديَّة أنها تفاعليَّة، لا تتمُّ إلَّا بمشاركة القارئ في كتابة أسطرها الناقصة، وتعبئة فراغاتها البينيَّة التي تركها المؤلِّف عامدًا متعمِّدًا؛ فوراء النهر حكايةٌ تنتظر قارئها لتكتمل.

قادة الفكر

طه حسين

يرى «طه حسين» أن الحضارة اليونانية القديمة بمفكريها وفنَّانيها الكبار كانت الرافد الأهم (بل ربما الأوحد) للحضارة الأروبية الحديثة، التي استفاد جميع البشر بمنجزاتها، ولكن الأمر لم يكن سهلًا، فقد مرَّ الفكر الأروبي بمراحل تطور مستمرة وطويلة عبر التاريخ، فمن البداوة اليونانية القُحَّة ظهر الشعر كضرورة ليعبِّر الإنسان عن عواطفه وأحاسيسه، ويحكي بعضًا من مفاخره في صور خيالية، فكانت الملاحم الشعرية الكبرى على يد «هوميروس» وغيره من كبار شعراء اليونان. ثم بدأ الإنسان يستشعر حاجته لأنْ يدرك ويفهم ويفسر ما يحدث حوله من ظواهر وأحداث، فبذل جهدًا عقليًا منظمًا، ينتقد فيه كل ثابت على ضوء العقل، فكانت الفلسفة التي تطورت موضوعاتها هي الأخرى وتشعبت مباحثها على أيدي الأساتذة الكبار أمثال؛ «سقراط» و«أفلاطون» لتستمر رحلة الفكر ما تعاقب الليل والنهار.

مرآة الضمير الحديث

طه حسين

هل ثمة مرآة تُرِي الإنسان دواخلَ نفسه ودواخلَ الآخرين؟ «طه حسين» الأديب الكفيف؛ لم تكن لتغني عنه شيئًا مرآةٌ عاديةٌ تعكس الضوء الساقط عليها، لكنه استطاع أن يبتكر مرآةً غيرَ عاديةٍ، تعكس الأنفس المعروضة عليها، محاولًا أن يُرِي ذوي الأبصار — عبر مرآته — ما يراه ببصيرته، وتعمى عنه عيونهم. وكما أن المرايا المادية تظهر فيها الصورة وكأنَّها في بُعدٍ آخر، أصغر أو أكبر من حجمها الطبيعي، وأحيانًا مقلوبة، فإن مرآة طه حسين الأدبية تلعب لعبتها؛ فهي تُظهر فصولًا من هَمِّ الإنسان المعاصر منعكسةً في صورة رسائل؛ يُنسب القسم الأول منها إلى الجاحظ نسبةً يَتشكَّك فيها، ويُنسب القسم الثاني منها إلى كاتبٍ مجهول، يكتب إلى صديقٍ مجهول، ووحده الضمير يبدو واضحًا تُجَلِّيه المرآة وبراعة القلم.

فصول في الأدب والنقد

طه حسين

بجانب الموهبة الأدبية الفذة التي كانت للأديب الكبير «طه حسين»، كان أيضًا ناقدًا أدبيًّا مُعتبرًا، وصاحب مدرسة متميزة ومهمة للنقد الأدبي، نظرت للنص نظرة علمية موضوعية، ابتعدت عن المدرسة التأثيرية للنقد أو أسلوب التحليل النفسي لشخصية الأديب؛ فكان يرى أن العمل الأدبي ظاهرة اجتماعية تحدث نتيجة لتأثُّر الفرد بجماعته وثقافتها وإدراكه لمشكلاتها؛ لذلك فإن نقد العمل الأدبي يستلزم قراءة شاملة للمجتمع الذي خرج منه الأديب وهو ما فعله عميد الأدب العربي في هذا الكتاب، حيث قدَّم بعض القراءات النقدية لبعض الأعمال الأدبية المهمة للعقاد والحكيم، بالإضافة لفصول أخرى قدَّم فيها رأيه في بعض المسائل الأدبية والثقافية التي تحولت لمعاركَ فكرية شديدة الرُّقِيِّ بينه وبين مفكِّرين كبار هدفت جميعها للوصول للحقيقة.

أحاديث

طه حسين

أحيانًا ما يضيق الأدباء بالكلام في التاريخ والنقد والأدب وقضاياه؛ فيشعرون بشوق لأن يعرفهم القارئ كأصدقاء لا أدباء، ليتجاذبوا معه أحاديث بسيطة تنفذ للقلب، وتخلو من أسباب الجدال أو الخصومة، فتخلق علاقة إنسانية بين الكاتب والقُرَّاء، كما تخفف عن الأديب بعضًا من قلقه وتُقَرِّبه من جمهوره، فينزل من برجه العاجي ويختلط بالناس كاشفًا لهم عن جوانبه الإنسانية؛ فهو مثلهم يتألم ويحب، وتمتلئ نفسه بالأحلام التي يحب أن يُطلِع قُرَّاءه عليها، وهو ما فعله «طه حسين» في هذا الكتاب الذي كانت فصوله كأحاديث لطيفة يُسِرُّها الأصدقاء بعضهم إلى بعض في جلسات السمر، فتزداد الألفة بينهم.

في الصيف

طه حسين

من العظيم أن يجد المرء وقتًا تزهو فيه روحه، وتروق له أفكاره وذكرياته، يجلس فيه مع نفسه ولنفسه، يحادثها مصارحًا ومُعاتبًا لها عمَّا شُغِلَت عنه وانطوت الأحداث عليه من شئون الحياة وصراعاتها المتلاحقة، فلم يجد اهتمامًا منها، تلك اللحظات تجيش في النفس أشتاتًا من المشاعر، تبعث فيها الأمل تارة، واليأس والكآبة تارة أخرى. وعميد الأدب العربي «طه حسين» وجد نفسه في فضاء فصل الصيف الرَّحب جليس خواطر عِدَّة صَحِبَته أثناء سفره إلى «فرنسا»، حيث اجتمع له صفاء السماء، وعليل الهواء، وغريب الحياة وجديدها، فجاد بخواطره التي أحبَّ بعضها، وكره بعضها الآخر، غير أنها تفيض بدفء المشاعر، ورهافة الحِس، وعظيم الفائدة.

من لغو الصيف

طه حسين

إذا كانت حرارة الصيف تجعل الناس يخلدون إلى الدَّعة والكسل، يُحيون الليالي بالمُلهيات، ويتوافدون على وجهات الاصطياف؛ فإن الشتاء ببرودته وتجهُّمه هو موسم للعمل والمُتع المؤجَّلة. وتستمر بنا دورة الحياة من لغو الصيف إلى جِدِّ الشتاء، بينما نطالع في هذا الكتاب أحاديث الجِدِّ الممزوج بالدعابة حينًا، والخيال حينًا، والإفادة في معظم الأحيان. ﻓ «طه حسين» — وعبر عناوين وموضوعات متنوعة هي أبعد ما تكون عن اللغو واللهو — يأخذنا في رحلة نعاين فيها مواطن الشدة واللين في شخصية الفاروق عمر بن الخطاب، ونقف على أطلال طروادة، ونضع أيدينا على سرِّ الخيال العاقل، وأسرار الحب والفن، نتأمَّل واقعنا الاجتماعيَّ ونبتكر الحلول الممكنة للارتقاء به، نُبصر أنفسنا في مرآة الحاضر تارة وفي مرايا الماضي تارة أخرى لنكتشف وجهنا الحقيقي، ونعيش الانسجام مع ما حققناه وما نرنو إليه.

جَنَّة الشَّوْك

طه حسين

يسعى «طه حسين» في هذا الكتاب إلى أن يبعث أحد الفنون الأدبية القديمة المُسمَّاة بـ «الإبيجراما» (أي النقش باليونانية)، حيث يرى أن هذا اللون الأدبي يناسب حياتنا الحديثة ذات الإيقاع السريع اللاهث، بمسئولياتها الكثيرة التي تجعل الإنسان يميل لتفضيل الإيجاز على الإطناب والتطويل الغارقين في الصَّنْعة أو العاطفة. وهكذا تعود نصوص «الإبيجراما» من جديد بعد أن سكنت أرفف المكتبات القديمة ونقشها الغابرون على جدران المعابد والقبور اليونانية، فنُطَالِعها نثرًا أو شعرًا، شريطة أن تلتزم بالشكل الذي تعارَفَ عليه أساتذةُ هذا الفن من اليونانيين واللاتينيين؛ وهو أن يحقِّقَ النصُّ شروطَ التكثيف الموجز للفكرة في ألفاظ أنيقة غير مبتذلة، تصنع كيانًا أدبيًّا مكتملًا تسيطر عليه روحُ المفارقة الواضحة، فيثير ذلك عقل القارئ وعاطفته معًا.