عروس البحر: هل هي من وحي حالة مرضية؟

فايقة جرجس حنا

٢٩ يناير ٢٠١٥

لطالما كانت عروس البحر مصدر إلهام وثراءِ مخيلة الكُتَّاب ومادةً لكثير من الأفلام، فهل هي حقيقة كما يؤكد البعض، أم مجرد أسطورة، أم حالة مَرَضِيَّة لم يستطع الناس تفسيرها في الماضي؟ …

لطالما جرت الدراسات حول عروس البحر، تلك المخلوقة التي اقترنت بالأساطير والأدب الشعبي، منها على سبيل المثال: أسطورة الإلهة آتارجاتيس — التي انتشرت في آشور القديمة — التي تقول إنها أحالت نفسها إلى نصف إنسان ونصف سمكة بسبب خجلها من نفسها عندما قتلت محبوبها من غير قصد، وغيرها من الروايات. وعجَّت الأساطير والملاحم اليونانية القديمة والثقافات الأوروبية والأفريقية والآسيوية بحكايات حوريات البحر، وصوَّرها مشاهير الفنانين في منحوتاتهم وقصصهم وأفلامهم، بل وأورد كريستوفر كولومبوس مشاهدته لحوريات البحر إبَّان رحلته عبر الكاريبي. لكن هناك حالة مَرَضِيَّة تُعرف ﺑ «الخيلانية» أو متلازمة عروس البحر، وهي عبارة عن حالة تشوه خَلْقي نادرة — تصيب طفلًا من كل ١٠٠ ألف طفل، ومعظم الأجنة المصابة تموت قبل أن تُولَد — تصيب الجنين وتتميز باندماج الطرفين السفليين، وكأنَّ الطفل يملك رِجلًا واحدة تشبه ذيل السمكة، وهي تحدث عندما يفشل الحبل السُّرِّيُّ في تكوين الشرايين؛ ممَّا يترتب عليه وجود دمٍ يكفي لطرف واحد فحسب، وقَلَّمَا ينجو الأطفال أكثر من بضعة أيام، ما خلا عددًا قليلًا من الحالات التي نجت حتى سن المراهقة في العصر الحديث؛ بسبب التقنيات الجراحية المتطورة. هل من الممكن إذن أن تكون أسطورة عروس البحر قد تأثرت بحالات التشوه هذه في الماضي بسبب التشابُه الكبير؟ فعلى سبيل المثال بعض من التصورات القديمة لوحوش البحر قد استُمدَّت من مشاهدات لأنواع حقيقية؛ مثل: الحيتان، والحَبَّار، والفقمة التي كان يندر رؤيتها في هذه الأزمنة وكانت غامضة حينذاك. ومن ثَمَّ قام مؤرخون من جامعة أكسفورد باقتفاء أثر حالة التشوه هذه في النصوص التاريخية وفي المتاحف الطبية والتشريحية حول العالم؛ لمعرفة تأثيرها في أساطير عروس البحر، فوجدوا أن أول ذِكْرٍ معروف للحالة كان في أطلس نُشر عام ١٨٩١، ولم تكن هناك أية إشارات حول فَهم الممارسين للطب لحالة الخيلانية في الأزمنة الأولى. ولا يستطيع العلماء الجزم بأن أساطير عروس البحر قد تأثرت بهذه الحالة الطبية؛ بَيْدَ أن التشابه بين عرائس البحر والأطفال المصابين بهذا التشوه له جانب إيجابي على هؤلاء الأطفال؛ إذ جعل التشابه هؤلاء الأطفال يشعرون بالفخر لأنهم يشبهون كائنات أسطورية سحرية جميلة لطالما عجت بها الأساطير، ولا تزال مصدرًا ثرًّا للخيال في العصر الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    عبد السلام همال ·٧ أكتوبر ٢٠١٦، ٨:٢٨ ص

    شكرا لكم على الخدمة الثقافية الممتازة التي تخصون بها الجماهير المتعطشة للعلم والمعرفة