كوكب الأرض يواجه أزمة. رائحة الموت المُنتِنة في كل مكان حيث سقطت فروع بأكملها من شجرة الحياة وأوشكت أن تذهب في طي النسيان، وكل ذلك بسبب المخلَّفات الغازية التي يطلقها نوع بيولوجي فعَّال إلى حدٍّ مذهل في الغلاف الجوي. فمرحبًا بك على كوكب الأرض قبل ٢٫٤ مليار سنة.

لا تستطيع النباتات حصاد الضوء إلا بمساعدة البكتيريا الخضراء المزرقة التعايشية.
لا تستطيع النباتات حصاد الضوء إلا بمساعدة البكتيريا الخضراء المزرقة التعايشية.

يمكن القول إن هذه كانت المرحلة الأكثر صخبًا في تاريخ الحياة. كانت الحياة مزدهرة على سطح الأرض لأكثر من مليار سنة حين ظهر في المشهد نوع جديد من الخلايا، وهو نوع يحصُل على طاقة الشمس باستخدام عملية تُولِّد ناتجًا ثانويًّا عالي السُّمِّيَّةِ؛ ألا وهو الأكسجين. مثل هذه الخلايا سرعان ما شرعت تنمو بأعداد لا يمكن تخيُّلها في المحيطات الأولى لدرجة أنها غيَّرت الغلاف الجوي للأرض.

في ذلك الوقت، كانت هذه بمنزلة الكارثة. وقد أهلك الأكسجين — على الأرجح — نسبةً هائلة من الكائنات الحية تفوق ما أهلكته أي مسبِّبات انقراض جماعي أخرى. لكن نفس الخاصية التي تجعل الأكسجين خطيرًا إلى هذا الحد — وهي تفاعليته العالية — تجعله كذلك مصدرًا غنيًّا للطاقة. وسرعان ما بدأت الحياة في استغلال هذه الخاصية، بما في ذلك — بالطبع — أسلافنا من الحيوانات.

على مدار العقد الماضي، تغيَّرت رؤيتنا لهذه المرحلة المحورية ١٨٠ درجة. ستخبرك الكتب الدراسية أن معدلات الأكسجين بدأت في الارتفاع بعد فترة قصيرة من تطور عملية التمثيل الضوئي، لكننا الآن بِتْنَا نعرف أن بعض الخلايا بدأت إجراء عملية التمثيل الضوئي منذ ٣٫٤ مليار سنة، قبل أن تبدأ معدَّلات الأكسجين في الارتفاع. والسؤال هو: لِمَ استغرقت الخلايا كل ذلك الوقت قبل أن تبدأ في إطلاق الأكسجين؟

تتمحور عملية التمثيل الضوئي حول الحصول على طاقة الشمس. وتستخدم النباتات هذه الطاقة في صناعة غذائها، وذلك من خلال بناء سلاسل الكربون من ثاني أكسيد الكربون. تنتج هذه العملية السكريات التي يمكن استخدامها كمصدر للطاقة أو لإنتاج جزيئات أكثر تعقيدًا بدءًا من البروتينات وحتى الحمض النووي. لكنها — على عكس ما قد تتوقعه — لا تنتج بالضرورة أكسجين. في الواقع، تُحوِّل كثير من أنواع البكتيريا الضوء وثاني أكسيد الكربون إلى غذاء دون إنتاج الأكسجين. علاوة على ذلك، تُرجِّح اكتشافات حديثة أن هذه البكتيريا تفعل ذلك منذ أن وُجِدَتِ الحياة على سطح الأرض.

في عام ٢٠٠٤، كان كل من مايكل تايس ودونالد لو — من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا آنذاك — يدرسان الصخور التي تشكلت في المياه الضحلة قبل ٣٫٤١ مليار سنة في جنوب أفريقيا. وقد اكتشفا هياكل أحفورية تشبه إلى حَدٍّ كبير الحصائر الميكروبية التي تشكلها بكتيريا التمثيل الضوئي اليوم، لكن لا توجد علامة على أن الأكسجين كان يُنتَج آنذاك (مجلة نيتشر، المجلد ٤٣١، صفحة ٥٤٩). والتفسير الأرجح لذلك هو أن هذه الخلايا كانت تقوم بعملية بناء ضوئي غير مولِّدة للأكسجين.

منذ توصلنا إلى هذا الاكتشاف، صادفنا بالفعل بعضًا من ميكروبات التمثيل الضوئي المبكرة هذه. وفي عام ٢٠١١، اكتشف مارتن بريزير وزملاؤه من جامعة أكسفورد حفريات لخلايا بكتيرية فردية في صخور تشكَّلت قبل ٣٫٤٣ مليار سنة فيما يُعرَف الآن بغرب أستراليا (دورية نيتشر جيوساينس، المجلد ٤، صفحة ٦٩٨). يقول بريزير: «لقد وُجِدَت هذه الخلايا البكتيرية في بيئات مدية أو فوق مدية جيدة الإضاءة.» إن التركيب الكيميائي للصخور بالإضافة إلى الضوء الوافر يرجحان بقوة أن بعض الخلايا كانت تقوم بعملية التمثيل الضوئي دون إنتاج الأكسجين.

قد يبدو ظهور عملية التمثيل الضوئي بعد وقت قصير من نشأة الحياة نفسها أمرًا مدهشًا؛ فأقدم الأحفوريات التي نعرفها تعود إلى وقت أسبق قليلًا؛ إذ ترجع إلى ما قبل ٣٫٤٩ مليار سنة. لكن نيك لين من كلية لندن الجامعية — الذي يدرس أصل نشأة الحياة — يعتقد أنه بمجرد ظهور الخلايا القادرة على العيش على الطاقة الكيميائية، كان من السهل عليها أن تبدأ في استخدام الطاقة الضوئية عوضًا عن الطاقة الكيميائية. يقول لين: «في الواقع، يطلق الضوء الإلكترونات عبر الأجهزة نفسها.»

في رأي الباحثين من أمثال لين، يتمثَّل اللغز الحقيقي في سبب استغراق عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين وقتًا طويلًا قبل أن تتطور. ربما لم تظهر هذه العملية إلا قبل ٢٫٤ مليار سنة؛ أي بعد مليار سنة على الأرجح من ظهور عملية التمثيل الضوئي غير المولدة للأكسجين. وبأخذ مزايا عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين في الاعتبار، علينا أن نعرف السبب وراء هذا التأخير؟

تتشكل عملية التمثيل الضوئي من خطوتين: في الخطوة الثانية تنضم الإلكترونات إلى جزيء ثاني أكسيد الكربون للمساعدة على تحويل الجزيء إلى سكريات. أما الخطوة الأولى فهي الحصول على الإلكترونات. تُنتزع الإلكترونات من جزيء أصلي وتُستخدم في توليد التدرج الكهروكيميائي الذي يشغل الخطوة الثانية.

التأخر لمليار سنة

الجزيء الأصلي في عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين هو المياه؛ حيث تؤدي إزالة الإلكترونات إلى انشطار جزيئات المياه إلى أيونات هيدروجين وغاز الأكسجين. وتؤدي أيونات الهيدروجين والإلكترونات دورًا رئيسيًّا في تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى سكريات. وعلى الرغم من ذلك فإن الأكسجين ليس سوى ناتج ثانوي لا حاجة له.

أما في عملية التمثيل الضوئي غير المولِّدة للأكسجين، فإن الجزيئات التي توفِّر الإلكترونات عديدة. أحد أكثر هذه الجزيئات شيوعًا هو جزيء كبريتيد الهيدروجين؛ إذ إن انشطاره يولِّد الكبريت كمخلفات ناتجة بدلًا من الأكسجين. وميزة كبريتيد الهيدروجين هي أنه من السهل جدًّا إزالة الإلكترونات منه، أو أكسدته. كذلك كان كبريتيد الهيدروجين منتشرًا في المحيط الأول، لكنه كان يُستنفَد بسرعة على الأغلب في المياه السطحية حيث تجري عملية التمثيل الضوئي غير المولِّدة للأكسجين.

من ناحية أخرى، تتمثل الفائدة الكبرى لاستخدام المياه كمانح للإلكترونات في أن ثمة مصدرًا دائمًا لها في المحيطات. لكن الأمر ينطوي على عيب خطير كذلك. يقول روبرت بلانكنشيب من جامعة واشنطن بسانت لويس في ولاية ميزوري: «أكسدة المياه أمر صعب إلى حَدٍّ مذهل.» ونحن لا نزال نعاني في سبيل تحقيق ذلك؛ إذ يحاول الباحثون منذ عقود تطوير طرق منخفضة التكلفة، تتَّسم بالفعالية من حيث استهلاك الطاقة، لشطر جزيء المياه لإنتاج غاز الهيدروجين بغرض استخدامه كوقود.

ومن ثَمَّ، من المعقول أن بكتيريا التمثيل الضوئي قد استخدمت جزيئات سهلة التأكسُد في البداية قبل التحوُّل إلى استخدام المياه. أما الرأي التقليدي — الذي يدعمه بلانكنشيب وكثير من الباحثين الآخرين — فهو أن التمثيل الضوئي المولِّد للأكسجين تطوَّر تدريجيًّا من النسخة غير المولدة للأكسجين عبر سلسلة من الخطوات الوسيطة. لكن على مدار العقد الماضي، وضع جون آلن من كلية الملكة ماري بجامعة لندن سيناريو بديلًا بعيد الاحتمال عمدًا على الأغلب. يقول آلن: «لا بد أن هذه العملية قد حدثت بالصدفة.» ويجادل بأن هذا السيناريو هو الوحيد القادر على تفسير التأخُّر لمليار عام قبل إنتاج الأكسجين.

ينبغي على أي سيناريو يتناول الكيفية التي بدأت بها عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين التعامُلُ مع أربع حقائق مهمة؛ الحقيقة الأولى: هي أن ثمة نوعين مترابطين ولكنهما متمايزان من التمثيل الضوئي غير المولد للأكسجين؛ إذ تحتوي بعض البكتيريا على ما يسمى النمط ١ من مركز التفاعل، والذي يحصل على الإلكترونات من مصادر مثل كبريتيد الهيدروجين ويرسلها في طريق أحادي الاتجاه؛ فلا يستخدم كل إلكترون إلا لمرة واحدة فقط. في حين تحمل أنواع البكتيريا الأخرى النمط ٢ من مركز التفاعل، والذي يعيد تدوير الإلكترونات داخليًّا؛ مما يجعلها أقل اعتمادًا على مصدر إلكترونات خارجي (انظر الرسم).

الطرق الثلاث لحصاد الضوء: ثمة أشكال عديدة من التمثيل الضوئي، واحدة منها فقط هي التي تنتج الأكسجين كناتج ثانوي.
الطرق الثلاث لحصاد الضوء: ثمة أشكال عديدة من التمثيل الضوئي، واحدة منها فقط هي التي تنتج الأكسجين كناتج ثانوي.

الحقيقة الثانية: هي أن عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين تتضمن الاستعانة بالنمطين ١ و٢ من مركز التفاعل، واللذين يعملان معًا في ذات الوقت. الحقيقة الثالثة: هي أنه بالرغم من أن البكتيريا الخضراء المزرقة تحتوي على مركزي التفاعل، فإن النمط ٢ من مركز التفاعل وحده هو الذي يشطر جزيء الماء ويولِّد الأكسجين، وذلك في الموضع الذي يحتوي على أربع ذرات منجنيز مصطفَّة حول ذرة كالسيوم. وأخيرًا الحقيقة الرابعة: بكتيريا التمثيل الضوئي غير المولِّدة للأكسجين التي بها مركز تفاعل من النمط ٢ لا تحتوي على هذا التجمع من ذرات المنجنيز والكالسيوم.

يعتقد بلانكنشيب أن الحقيقتين الأخيرتين هما الأكثر أهمية وأنهما تشيران إلى سيناريو بسيط؛ وهو أن النمط ١ من مركز التفاعل نشأ أولًا، بحسب اعتقاده. بعد ذلك، اكتسبت مجموعة أخرى من البكتيريا الجينات المشفرة لآلية النمط ١ من مركز التفاعل. كان تبادل الجينات ولا يزال شائعًا بين البكتيريا. في هذه المجموعة، تحوَّرت هذه الآلية تدريجيًّا، مُشكِّلةً أول مركز تفاعل من النمط ٢. وفي وقت لاحق، بدأت سلالات هذه البكتيريا دمج ذرات المعادن في النمط ٢ من مركز التفاعل. وأخيرًا، انتهت إلى تكوين يتضمَّن أربع ذرات من المنجنيز وذرة كالسيوم. وأصبح بإمكانها حينئذٍ أكسدة المياه والقيام بعملية التمثيل الضوئي المولدة للأكسجين باستخدام النمط ٢ من مركز التفاعل.

ويزعم بلانكنشيب أن سلالات تلك المجموعة من البكتيريا اكتسبت آلية النمط ١ عبر انتقال الجينات في وقت لاحق، لينتج عن ذلك البكتيريا الخضراء المزرقة. ومن ثَمَّ، فإن بلانكنشيب يعتقد أن احتواء البكتيريا الخضراء المزرقة على مركزي تفاعل مختلفين مجرد مصادفة.

ينطوي هذا السيناريو على تكهُّن واضح متمثلًا في أنه يومًا ما كانت ثمة بكتيريا مولِّدة للأكسجين عبر عملية التمثيل الضوئي، لكنها مختلفة عن البكتيريا الخضراء المزرقة. ويحتمل أن تكون هذه البكتيريا حلقة الوصل بين البكتيريا غير المولدة للأكسجين ذات النمط ٢ من مراكز التفاعل — بما في ذلك البكتيريا الأرجوانية، الموجودة حاليًّا — والبكتيريا الخضراء المزرقة المولِّدة للأكسجين؛ ومن ثَمَّ دَعْنَا نطلق عليها البكتيريا «النيلية». وعلى الرغم من ذلك، لم يُعثر على أي بكتيريا نيلية إطلاقًا. لكن على الناحية الأخرى، يحاول بلانكنشيب وآخرون إثبات أن هذه البكتيريا كانت موجودة في وقتٍ ما.

وربما تكون أهم المحاولات التي جرت في هذا الشأن هي تلك التي أجراها فريق من جامعة أريزونا الحكومية بمدينة تيمبي لتحويل إحدى البكتيريا الأرجوانية إلى شيء يشبه البكتيريا النيلية. وقد حوَّر الباحثون البكتيريا الأرجوانية حتى يمكنها ربط أيون منجنيز بمركز التفاعل خاصتها، واستخدامه للتفاعل مع جزيئات تحتوي على الأكسجين (دورية بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز، المجلد ١٠٩، صفحة ٢٣١٤). وهذه ليست عملية بناء ضوئي مولدة للأكسجين وإنما خطوة باتجاهها.

كارثة بحرية

حتى وإن نجح علماء الأحياء يومًا في هندسة البكتيريا النيلية في المعمل، فإن هذا لن يُثبِت أنها استطاعت التطور على نحو طبيعي. وفي رأي آلن، لا يستطيع سيناريو التطوُّر التدريجي تفسير كافة الحقائق. لِمَ تستغرق سلسلة أحداث بادية البساطة كهذه مليار سنة لتحدث؟ لِمَ تطور التمثيل الضوئي المولد للأكسجين مرة واحدة فقط — في البكتيريا الخضراء المزرقة — على حد علمنا؟ (اكتسبت النباتات القدرة على التمثيل الضوئي بالسماح للبكتيريا الخضراء المزرقة أن تعيش بداخلها. تنحدر البلاستيدات الخضراء الموجودة في النباتات من البكتيريا الخضراء المزرقة.) ولِمَ تحتوي كل البكتيريا الخضراء المزرقة على كلا نوعي مركز التفاعل؟

يعتقد آلن أيضًا أن النمط ١ من مركز التفاعل قد نشأ أولًا. لكن بدءًا من هذه النقطة، يرى آلن سيناريو مختلفًا تمامًا. يعتقد آلن أنه في وقت مبكر من تاريخ هذه البكتيريا، مرت هذه البكتيريا بنوع من الخلل الوراثي الذي نسخ مجموعة الجينات الكاملة المسئولة عن تكوين النمط ١ من مركز التفاعل. واستطاعت النسخة الاحتياطية من الجينات تولِّي دور مختلف، وقد طورت القدرة على إعادة تدوير الإلكترونات، أول مركز تفاعل من النمط ٢. يفترض آلن أن وجود مركزي تفاعل مختلفَيْن أتاح لهذه البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية النماء في نطاق كبير من البيئات المختلفة. فحين كان يتوافر كبريتيد الهيدروجين، كانت البكتيريا الخضراء المزرقة تستخدم النمط ١ من مركز التفاعل، وحين كان ينقص كبريتيد الهيدروجين، تتحول إلى استخدام النمط ٢ من مركز التفاعل، معيدةً تدوير الإلكترونات التي تجمعها.

وفي يومٍ ما، وقعت كارثة؛ فقد انجرفت بعض البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية إلى بيئة بحرية ضحلة غنية بالمنجنيز لكنها فقيرة لكبريتيد الهيدروجين. فتحولت هذه البكتيريا في حينه إلى استخدام تفاعل النمط ٢. لكن الضوء فوق البنفسجي حين يصِل إلى المنجنيز، ينتزع الإلكترونات من ذرَّاته، وبالتالي كان ثمة كَمٌّ وفير من الإلكترونات، وسرعان ما أعاقت الإلكترونات عمل النمط ٢ من مركز التفاعُل الدائري، وكان من المفترض أن تتفاعل أيونات المنجنيز الناتجة مع المياه لتكوين أكسيد المنجنيز، لكن كان ثمة فيض إضافي من عنصر المنجنيز، يولِّد إلكترونات أكثر ممَّا يكفي لقتل الميكروبات.

حسنًا، قُتلت كافة الميكروبات تقريبًا. فقط واحدة محظوظة من هذه البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية بقيَتْ على قيد الحياة — حسبما يفترض آلن — بسبب تعرُّضها لطفرة وراثية أتلفت المفتاح المسئول عن تشغيل نوع واحد فقط من نوعَيْ مركز التفاعل في أي وقت. ومع عمل نوعي مركز التفاعل معًا في آنٍ واحد، استطاعت إلكترونات ذرة المنجنيز الانطلاق عبر النمط ٢ من مركز التفاعل قبل أن يطردها النمط ١؛ ممَّا يحُول دون حدوث إعاقة. بعبارة أخرى، يحتمل أن مركزي التفاعل كانا يعملان معًا، كما هو الحال في البكتيريا الخضراء المزرقة اليوم (دورية إف إي بي إس ليترز، المجلد ٥٧٩، صفحة ٩٦٣).

لكن كيف تحولت سلالات هذه البكتيريا من الحصول على الإلكترونات من المنجنيز إلى الحصول عليها من المياه؟ حسنًا، إنها بطريقة أو بأخرى لم تفعل ذلك. فحتى يومنا هذا، يوفِّر المنجنيز الإلكترونات اللازمة لعملية التمثيل الضوئي في كافة النباتات. لكن الإلكترونات اليوم تأتي من تجمُّع من ذرات المنجنيز في النمط ٢ من مركز التفاعل، ولهذا التجمع قدرة مذهلة؛ إذ إنه بعد إطلاق الإلكترونات، يسرق إلكترونات أخرى من جزيئات المياه، مما يشطر الجزيئات ويحرر الأكسجين.

ما إن طورت البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية هذا النوع من النمط ٢ من مركز التفاعل، حتى كان كل ما تحتاج إليه هو العثور على كَمِّيَّاتٍ من المنجنيز. بعد ذلك، بات باستطاعتها الانتشار انطلاقًا من البيئات الغنية بالمنجنيز والبدء في استغلال ثاني أكسيد الكربون الذي كان متوفرًا في ذلك الوقت، بمساعدة الموارد غير المحدودة من المياه وضوء الشمس. وسرعان ما كانت أعداد ضخمة من البكتيريا الخضراء المزرقة تُطلق كمًّا من الأكسجين كافيًا لتغيير الغلاف الجوي.

إذا كانت فرضية آلن صحيحة، فلا بد أن البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية تعثَّرت في بيئة غنية بالمنجنيز بدرجة استثنائية للغاية، وفقدت السيطرة على مفتاح وراثي رئيسي في الوقت ذاته. يوافق آلن على أن هذا الاحتمال بعيد، لكن قد يكون ذلك هو تفسير تأخُّر ظهور عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين مليار سنة. يقول آلن: «من وجهة نظري، لم يكن الأمر سوى مسألة وقتٍ حتى تتعرض إحدى هذه البكتيريا إلى حادثين في وقت واحد.»

الأمر اللافت للنظر أنه ثمة أدلة قاطعة الآن تؤيِّد فكرة آلن؛ فقد وجدنا إحدى هذه البيئات النادرة الغنية بالمنجنيز. يدرس وودورد فيشر — من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ببسادينا — صخورًا قابعةً فيما يعرف الآن بجنوب أفريقيا قبل أن تبدأ معدَّلات الأكسجين في الارتفاع. في إحدى البقاع وجدوا وفرة في أكسيد المنجنيز في الصخور التي تشكَّلت — الأمر اللافت — في غياب الأكسجين. ولا حتى الضوء فوق البنفسجي يمكن أن يكون مسئولًا عن توليد أكسيد المنجنيز بالنطاق الذي وجد في الصخور. وهذا يجعل عملية التمثيل الضوئي مثلما توجد في سيناريو البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية الذي وضعه آلن بمنزلة السيناريو الوحيد المحتمل، حسبما ذكر الفريق في اجتماع عُقِد في ديسمبر.

يقول ويليام مارتن بجامعة هاينريش هاينه في دوسلدورف بألمانيا الذي يدرس التطور المبكر: «إنها لأخبار عظيمة، بل وبالغة الإثارة، وتدعم فرضية جون.» يدعم مارتن سيناريو آلن، ويعمل معه لجمع الأدلة الداعمة. لكن بلانكنشيب لا يزال متشبثًا بموقفه، ويصف نقاشاته مع آلن ومارتن حول أصل عملية التمثيل الضوئي المولِّدة للأكسجين بأنها «نقاشات حماسية، لكنها ودودة.»

ما سيحسم الجدل نهائيًّا هو اكتشاف متعضيات حية تمثل أحد الأشكال الوسيطة المفترضة، إما البكتيريا النيلية أو البكتيريا الخضراء المزرقة البدائية. الأمر المدهش هو أن بلانكنشيب وآلن لا يزالان واثقَيْن في أن المتعضيات التي افترضا وجودها لا تزال موجودة في بقعة ما من العالم. يقول آلن: «إنك تجد اليوم بيئات متخصصة تطابق الظروف الطبيعية التي كانت موجودةً قبل ٢٫٤ مليار سنة؛ لذا ليس من الغريب الاعتقاد بأن هذه المتعضيات الدقيقة لا تزال حية في مكان ما.»

أيًّا كان الشكل الذي سيتبين أن سلف البكتيريا الخضراء المزرقة كان عليه، فإن لدينا سببًا في الشعور بالامتنان البالغ له. يقول آلن: «هذه المتعضيات كانت بالغة الأهمية، ربما بفعل الصدفة. فقد غيرت العالم بأكمله إلى الأبد بمنتهى البساطة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Oùss Amà ·٢٤ مارس ٢٠١٤، ١٣:٤ م

    هل يمكن الحصول على هاته المقلات على هيئة pdf ؟؟

  • default avatar
    Said Jalol ·٢٣ مارس ٢٠١٤، ١٢:٥١ م

    شكر كثرا