ربما تدفق في الماضي شلال ضخم من فوق هذه المنحدرات التي يبلغ ارتفاعها ٤٠٠٠ متر.
ربما تدفق في الماضي شلال ضخم من فوق هذه المنحدرات التي يبلغ ارتفاعها ٤٠٠٠ متر.

على مدار السنوات الماضية استقبل كوكب المريخ عددًا لا بأس به من الزوار، كل منهم يهبط على سطحه وبحوزته آلات أكثر تعقيدًا ممن سبقوه، ويعدنا بأن يكشف لنا المزيد من أسرار الكوكب الأحمر. وفي الوقت الحالي تدور حوله سفينة فضائية، وتجوب الطوافات سطحه، وآخرها طوافة «كيوريوسيتي» التابعة لوكالة ناسا. ولكن كل ذلك لا يزيد الصورة إلا تشوشًا عندما يتعلق الأمر بتاريخ المناخ على سطح المريخ.

على مدار قرن من الزمان، اختلفت الآراء حول مناخ المريخ من حيث كونه باردًا أم حارًّا، جافًّا أم رطبًا. ثم بعد عقود طويلة قضاها العلماء في رصد الظواهر الجيولوجية، مثل وجود شبكة من الممرات المتعرجة تشبه وديان الأنهار، استقر الرأي على وجهة نظر واحدة، وهي أنه في الوقت الذي بدأت فيه الحياة على سطح الأرض كان المناخ على سطح المريخ رطبًا قليلًا وصالحًا نسبيًّا للحياة، وكان الكوكب يحظى بغلاف جوي سميك ودورة نشطة لسقوط الأمطار ومنظومة من الأنهار والبحيرات. بل ربما وُجِدَ على سطح الكوكب الأحمر محيط ضخم ظل ماؤه يجري فترة طويلة.

ولكن ماذا لو كان تفسيرنا خاطئًا كليًّا؟ يبدو أن هناك العديد من الأدلة تشير إلى أن الأمر كان مختلفًا تمامًا. وإذا صحت هذه الأدلة فهذا يعني أن كوكب المريخ لم يشهد قط دورة هيدرولوجية متواصلة من المياه المفتوحة، والتبخر وسقوط الأمطار شبيهة بتلك الموجودة على سطح كوكب الأرض. ولكنه كان منذ القدم صحراء باردة جرداء تخللها عدد قليل من الفترات القصيرة التي سادت فيها أجواء أكثر دفئًا ورطوبةً. وتعد وجهة النظر تلك ثورية من حيث إنها — إذا صحت — ستغير مفهومنا تمامًا عن المناخ الذي ساد كوكب المريخ، وستجبرنا على أن نعيد تقييم أنواع الحياة التي ربما تكون دبت على سطح هذا الكوكب في يوم من الأيام.

يسود المريخ اليوم مناخ بارد ويحيط به غلاف جوي رقيق للغاية لا يمكن أن يدعم وجود مياه سائلة على سطحه. فجميع المياه الموجودة بالكوكب محتجزة في القطبين أو تحت سطحه في صورة جليد صلب مثل الصخر يصل عمقه إلى عشرات أو مئات الأمتار. وربما يوجد في هذه الأعماق بعض التجاويف المحتوية على مياه سائلة، تستمد دفئها من النشاط الحراري الأرضي.

لكي نصل إلى أفضل تصور عن الظروف التي سادت المريخ في الماضي البعيد، من المنطقي أن نبدأ مما نراه الآن ثم نعود إلى الوراء، وهذا هو الأسلوب الذي تبناه جيمس هيد اختصاصي جيولوجيا الكواكب في جامعة براون بمدينة بروفيدنس في ولاية رود آيلاند، وهو من الباحثين الرواد في العمليات الجيولوجية الأولى التي تمت على كوكب المريخ.

منذ بضعة عقود أرسلت مركبة فضائية كانت تدور حول الكوكب صورًا لشبكة من الوديان، وانبهر جيمس بشدة عندما رأى هذه الصور، وقال عن ذلك: «لقد أسرتني هذه الصور، وحاولت أن أتوصل إلى تصور عما تمثله.» وتجدد إحساس جيمس بالإثارة، بشكل خاص، في الشهر الماضي عندما أرسلت «كيوريوسيتي» صورًا جديدة لقيعان مفروشة بالحصى المستدير مما يشير إلى أن المنطقة التي كانت الطوافة تستكشفها ربما جرى فوقها نهر في يوم من الأيام.

ومن الواضح أن هذه الخصائص تشير إلى مريخ مختلف تمامًا عن ذلك الذي نراه اليوم، ولكن إلى أي مدى يصل هذا الاختلاف؟

يحسب الباحثون في مجال الكواكب عمر الخصائص الموجودة على سطح المريخ بناءً على مدى كثافة تراكم الفوهات الناشئة عن التصادم، فالمناطق الأقدم تكثر بها الفوهات. وبالاستعانة بالصور التي ترسلها المركبات الفضائية وبناء النماذج، بحث جيمس هيد عن أدلة على تغير المناخ مدفونة داخل الصخور عبر العصور. ففي نهاية العصر الجيولوجي المعروف بالعصر الهيسبيري، أي منذ ثلاثة مليارات عام، كانت السمات الجيولوجية للسطح هي أنه «لا يزال يبدو باردًا وجافًّا» كما هو اليوم. ولكن إذا رجعنا إلى الماضي نصف مليار عام إضافية، أي في بداية العصر الهيسبيري عندما كان الموقع الذي هبطت عليه «كيوريوسيتي» عند فوهة «جيل» لا يزال يتشكل، سيظهر عدد هائل من الظواهر التي قد ترسم لنا صورة أخرى. فهذه الظواهر تشير إلى مناخ يشبه مناخ كوكب الأرض إلى حد بعيد، إذ ترتفع به درجات الحرارة والضغط الجوي عما هما عليه اليوم بكثير مما يسمح بتكون الأنهار والبحيرات، وتبخر المياه لتكوين السحب وسقوط الأمطار مما يبقي الدورة الهيدرولوجية على سطح الكوكب قائمة.

يقول جيمس هيد: «هناك العديد من الأشياء التي تشير إلى وجود مناخ دافئ ورطب، ولكن خطتنا هي أن نكتشف إذا كانت هذه الأشياء تحتاج بالفعل لظروف مناخية دافئة ورطبة.»

انتهى عصر الفيضانات

يقول جيمس هيد إن هناك بضعة أشياء مفقودة. فبينما تبدو شبكة القنوات الفردية في موقع ما أرضية وشبيهة بشبكات الأنهار، فالأمر سيبدو مختلفًا عند تفحصها عن قرب أكثر. تفتقر هذه الشبكات إلى وجود تكامل على نطاق واسع، وهي إحدى السمات التي يجب أن تتوافر في أي نظام للمجاري المائية استمر فترة طويلة. فبدلًا من وجود أنظمة مكتملة النمو ومتصلة بعضها ببعض على نحو واسع، تبين الصورة رقعًا منفصلة بعضها عن بعض توحي بمراحل أقصر ربما تدفقت فيها كميات ضخمة من المياه على نطاق محدود، ولكن هذه القنوات لم تستمر فترة طويلة ولم تمتد لمسافات بعيدة. وحتى القيعان المفروشة بالحصى المستدير التي اكتشفتها الطوافة «كيوريوسيتي» لا يمكن أن تكشف لنا عما إذا كان النهر الذي أنتجها ظل يتدفق آلاف السنوات — وهي فترة زمنية قصيرة بالنسبة للمعايير الجيولوجية المتوافقة مع النظرة التنقيحية لمناخ المريخ الذي يتميز بالبرودة والجفاف — أو لملايين السنين، مما يجعله ظاهرة أكثر رسوخًا تدل على وجود مناخ رطب ودافئ على سطح المريخ. وينتهي جيمس هيد إلى أن وجهة النظر التي تقول إن كوكب المريخ في مراحله الأولى كان صحراء جرداء باردة شهدت فترات قصيرة وُجدت خلالها مياه سطحية تعد «تفسيرًا مقبولًا».

ينبع اتجاه آخر من الدلائل من علم المعادن. فدائمًا ما كان العلماء يفسرون وجود الطين، الذي كشفت عنه المركبات الفضائية التي هبطت على سطح الكوكب أو تلك التي دارت حوله، على أنه دليل قوي على وجود مياه على سطح الكوكب. ولكن الأعمال البحثية التي قامت بها بيثاني إيلمان، وهي جيولوجية بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا، تطعن في هذا الرأي. ففي دارسة نشرت في نوفمبر من العام الماضي حللت بيثاني إيلمان توزيع المعادن المختلفة التي اكتُشفت في آلاف المواقع السطحية عن طريق مركبتي «مارس إكسبرس» و«مارس ريكونيسنس أوربيتر»، واكتشفت أن معظم الطين الموجود هو في الحقيقة من النوع الذي يتكون في الظروف المناخية الحارة التي تفتقر إلى الأكسجين والتي توجد تحت السطح، وأنها تختلف تمامًا عن خليط الطين الغني في الأساس بالألومينيوم الذي يتكون في مناطق المياه السطحية المكشوفة والذي يوجد فقط في عدد محدود من البقع على سطح المريخ.

ومن المدهش أن المناطق القليلة التي وُجد بها الطين والمعادن الأخرى التي من الواضح أنها تكونت في مياه متدفقة تعود جميعها إلى فترة زمنية واحدة، تقريبًا منذ ۳٫٦ مليارات عام، أي خلال فترة التحول إلى العصر الهيسبيري، وبالمصادفة تزامن ذلك مع الوقت الذي قد يكون شهد تكون معظم القنوات السطحية. ويتوافق هذا الرأي مع وجهة النظر التي تقول إن المريخ كان كوكبًا باردًا شهد فترات قصيرة من الجو الرطب خلال هذا العصر الجيولوجي فقط. وتقول بيثاني إيلمان: «لا شك أن المناخ على كوكب المريخ قديمًا كان دافئًا ورطبًا أكثر من اليوم، ولكن ذلك لا يدل على وجود مناخ دائم الدفء مثل ذلك الموجود على سطح الأرض.»

أظهر تقرير حديث وجود دليل أقوى على أن الطين الموجود على سطح المريخ ربما يكون طينًا بركانيًّا بالأساس، وأنه ربما لا يكون له أي اتصال طويل المدى بمياه سطحية على الإطلاق. وفي مقالة نشرت بمجلة «نيتشر جيوساينس»، يزعم فريق يرأسه آلان مينييه من جامعة بواتييه بفرنسا أن الطين الموجود في جزيرة موروروا المرجانية ببولينزيا الفرنسية ترسب من الحمم البركانية الذائبة الغنية بالماء، ولم يتكون في أحد الأنهار أو البحيرات. ويرتبط ذلك الكشف بموضوعنا حيث إن النمط الطيفي للطين في موروروا يتشابه إلى حد بعيد مع نمط العديد من أنواع الطين الموجودة على سطح الكوكب الأحمر وتلك الموجودة أيضًا في بعض النيازك التي سقطت من المريخ. ويرى آلان مينييه أن ذلك يعني أن الأمر لا يحتاج إلى وجود مياه سائلة لملايين السنين على سطح المريخ أو حتى بالقرب منه.

وهذا زعم يمكننا التحقق منه من خلال «كيوريوسيتي» وطوافة «أوبرتيونيتي» التي تستكشف سطح المريخ منذ عام ٢٠٠٤، فالطوافتان حاليًّا تسبران أغوار الفوهات الناشئة عن التصادم التي تحتوي على كميات وفيرة من ترسبات المعادن الطينية. فمن خلال الفحص الدقيق لهذا الطين عن طريق ترسانة المعدات التي تحملها الطوافتان — وخاصة المعدات المعقدة التي تحملها «كيوريوسيتي» الخاصة بالكشف عن الكيماويات والمعادن — يمكن أن نحدد هل هذا الطين تكون في البحيرات أم داخل البراكين.

أيضًا يعتقد جيمس هيد وعدد من الباحثين الآخرين أن النشاط البركاني لعب دورًا في تكوين هذا الطين. وتعتمد وجهة نظرهم تلك على نماذج المناخ. فمنذ مليارات السنين كان قرص الشمس الشاب أقل توهجًا بكثير مما هو عليه الآن، وإذا أضفنا تلك الحقيقة إلى ما نعرفه عن تركيب الغلاف الجوي للمريخ في مراحل تكونه الأولى، نجد أنه من المستحيل أن يكون المريخ قد استطاع في هذه المرحلة المبكرة أن يوفر الظروف المناخية الرطبة والدافئة على النحو المستديم اللازم لخلق سيناريو للحياة مماثل لذلك الذي حدث على كوكب الأرض. ولكن على العكس كان المناخ، على حد قوله، جافًّا وباردًا معظم الوقت وتخللته فترات قصيرة مفاجئة من الدفء الناتج عن الانفجارات البركانية.

ووفقًا لما يقول هيد، هناك عدد كبير من الدلائل على سطح المريخ تشير إلى وجود فترات وجيزة من المناخ الأكثر دفئًا والناتجة عن البراكين التي زودت الغلاف الجوي ببخار الماء وثاني أكسيد الكربون. ويقول جيمس هيد: «في حالة وجود عدد كافٍ من هذه الفترات الدافئة المفاجئة، يمكن أن ترتفع درجات الحرارة بما فيه الكفاية لإحداث انصهار مستدام للصفائح الجليدية والتربة دائمة التجمد.» ولكن هذه الفترات لم تستمر في الغالب إلا لبضع مئات أو بضعة آلاف من السنوات، وليس لمئات الملايين من السنوات كما أتى في السيناريو المتصور عن وجود مناخ دافئ ورطب في معظم الأوقات.

المياه المتدفقة من أسفل إلى أعلى

يحظى ذلك النموذج الذي يقول إن المياه كانت تتدفق من «أعلى إلى أسفل» بشعبية متزايدة، ويرى واضعو هذا النموذج أن الانصهار الوقتي للثلوج وعمليات التبخر وسقوط الأمطار؛ كل هذا كان نتيجة لانفجار البراكين أو حدوث تصادمات، وليس نتيجة لوجود قشرة سطحية وغلاف جوي دافئين. وهناك دلائل أخرى حديثة تدعم هذا النموذج، فقد أثبت جيمس فاستوك، عالم الجليديات بجامعة ماين في أورونو، أن الحواف الطويلة المتعرجة الموجودة في السهول القريبة من قطبي المريخ هي في الحقيقة رواسب الإسكرز، وهي رواسب من الحصى الذي حملته أنهار المياه التي تجري تحت الصفائح الجليدية السميكة وليس فوق السطح.

ويزعم جيمس فاستوك أن هناك ظواهر على سطح المريخ ليس لها سوى تفسير واحد؛ أن رواسب الإسكرز يمكن أن تتدفق لأعلى وفوق الحواف والمنحدرات، لأن المياه تكون مضغوطة على امتداد القنوات بفعل الضغط الواقع عليها نتيجة طبقة الجليد التي تعلوها، ولا تتدفق ببساطة لأسفل مثل الأنهار المكشوفة. ويمكن للجميع أن يروا بوضوح من خلال الصور عالية الجودة، على حد قوله، تدفق المياه من أسفل إلى أعلى.

ما طبيعة المناخ الذي يُبقي على الصفائح الجليدية لفترة طويلة بما فيه الكفاية بحيث تتكون رواسب الإسكرز؟ يقول جيمس فاستوك إن النموذج الخاص بهذا المناخ واضح؛ ففي المناطق القريبة من القطبين لا يمكن أن تسير الأمور بنجاح إلا في نطاق حراري تتراوح درجاته ما بين −٧٥ و−٥٠ درجة مئوية. والأهم من ذلك، في ظل هذه الظروف المناخية لا يمكن أن يرتفع متوسط درجات الحرارة السنوي حتى في المناطق الاستوائية عن مستوى التجمد. وفي المدار الاستوائي على كوكب المريخ، حتى إذا عدنا بالزمن إلى تلك الحقبة التي شهد فيها الكوكب أدفأ مناخ مستدام مر به الكوكب، على حد قول جيمس فاستوك، «لم يصل المناخ حتى إلى دفء جزيرة جرينلاند».

ولكن ماذا لو لم يكن كوكب المريخ دافئًا ورطبًا ولا باردًا وجافًّا، وكان باردًا معظم الوقت ولكن رطبًا إلى حدٍّ ما؟

يقول كريس ماكاي، وهو باحث في علم الكواكب بمركز أميس للأبحاث في ماونتين فيو بكاليفورنيا التابع لوكالة ناسا: «يبدو أن الناس لا يستطيعون أن يفهموا كيف يمكن أن يكون المناخ باردًا ورطبًا في الوقت ذاته.» ولكن كريس وعلماء آخرين يزعمون أن سيناريو المناخ البارد الرطب هو السيناريو الأقرب للفترة الأولى من تاريخ كوكب المريخ وفقًا لأفضل الدلائل التي بين أيدينا اليوم. لقد خبر كريس ماكاي تلك البيئات من خلال رحلاته المتعددة إلى أماكن مثل تلك التي يدعونها الوديان الجافة بالقارة القطبية الجنوبية. في هذه البيئات المتناهية الصغر بالكاد ترتفع درجة الحرارة لتبلغ مستوى التجمد، ومع ذلك تتدفق المياه أحيانًا في الصيف، وتظل مياه البحيرات المغطاة بطبقة جليد عازلة سائلة طوال العام، وتنمو النظم البيئية للميكروبات والطحالب تحت الجليد.

هناك دلائل تشير إلى حدوث هذا السيناريو المناخي على سطح المريخ. ويتمثل أحد هذه الدلائل في الفوهات التصادمية القاعدية الغامضة التي يمكن رؤيتها في الصور عالية الجودة. وتختلف هذه الفوهات عن غيرها إذ إنها من المحتمل أن تكون نتيجة تصادمات كبرى حدثت عندما كان السطح مغطى بصفيحة جليدية يبلغ سمكها مئات الأمتار، وربما تكون طبقات الحمم الصخرية الممتدة لعشرات الأمتار حول حواف هذه الفوهات قد شكلت طبقة عازلة على الجليد الموجود بالأسفل مخلفة وراءها هضابًا مميزة تشبه الطاولات وقد انصهر كل الجليد المحيط بها أو تبخر.

ولكن كيف تكونت من الأساس صفيحة جليدية يبلغ سمكها مئات الأمتار؟ يقول جيمس هيد وعلماء آخرون إن ذلك يشير إلى وجود فترة شهدت هطولًا مستمرًّا ليس بالضرورة للأمطار ولكن ربما للثلج على مدى فترة طويلة، وأثمر هذا عن تكون الصفيحة الجليدية التي يصل سمكها إلى ألف متر تقريبًا في القارة القطبية الجنوبية. ويرى جيمس أن الطقس ربما كان باردًا، ولكن لا بد أن الكوكب قد شهد دورة نشطة للمياه استمرت لفترات طويلة.

ولا يزال هناك الكثير من الباحثين لا يتقبلون سيناريو المناخ الجاف والبارد ولا حتى التصور البديل الذي يشير إلى مناخ رطب وبارد، مصرين على أنهم لا يجدون تفسيرًا لوجود ظواهر تشبه الأنهار تمتد على نطاق واسع على سطح كوكب المريخ. ويقول جيم كاستينج، وهو اختصاصي في مناخ الكواكب بجامعة ولاية بنسلفانيا، إنه من الصعب تصور أن أودية كوكب المريخ العملاقة تكونت دون وجود فترة طويلة شهدت مناخًا يشبه مناخ كوكب الأرض.

بحسبة جزافية سريعة تتضح هذه النقطة. يتماثل حجم العديد من الأودية في المريخ مع حجم الأخدود العظيم الذي تكون على مدار سبعة عشر مليون عام، وكانت معظم مياه المطر التي تتدفق فيه مستمدة من هضبة كولورادو العظيمة، ويقدرها جيم كاستينج بخمسة ملايين متر من مياه الأمطار. ويرى علماء آخرون أن هذه الظواهر الموجودة على سطح المريخ من الممكن أن تكون نتاج خمسمائة متر من الأمطار، فقط سقطت خلال فترات الدفء المحدودة التي تخللت المناخ البارد القاحل، ولكن جيم كاستينج يقول إن هذا الرقم لا يمكن أن يفسر هذه الظواهر واسعة النطاق، حتى إنه يقول: «أعتقد أنهم مخطئون وأن ذلك الرقم لا بد أن يُضرب في ١٠٠٠٠.»

الجميع يتفقون على أننا نحتاج لأن نعرف أكثر. يقول جيمس هيد: «لقد ظننت أنني وصلت إلى تفسير كامل لكل الأمور منذ خمسة عشر عامًا.» ولكن ذلك العدد الضخم من الصور الجديدة قد زاد الأمور التباسًا. أما الآن، فهو يقول: «اعتبروني لا أدريًّا» فيما يتعلق بمدى دفء أو برودة أو رطوبة أو جفاف المريخ في الماضي.

ربما تتوصل «كيوريوسيتي» إلى المدة الزمنية التي استغرقتها الظروف المناخية الرطبة على سطح المريخ، إذ تقع نقطة هبوطها بالقرب من مئات الأمتار من الترسبات الطبقية التي تنتمي إلى عصر يُعتقد أنه شهد تغير الطقس الرطب إلى طقس أكثر جفافًا، ويقول جيمس هيد: «ربما نتمكن من سبر أغوار هذا التحول.»

قد تساعدنا الدلائل المورفولوجية والكيميائية والمعدنية في إثبات صحة أحد الرأيين. فإذا وُجدت، على سبيل المثال، طبقات من مواد تراكمت بفعل الرياح وطبقات من الرماد البركاني وسط القيعان الرقيقة المفروشة بالحصى المستدير التي تشبه تلك التي اكتشفتها «كيوريوسيتي»، فقد يعزز ذلك من وجهة النظر التي ترى أن مناخ المريخ كان باردًا وجافًّا تخللته فترات قصيرة من سقوط الأمطار نتيجة النشاط البركاني. أما إذا اكتُشفت قيعان سميكة من الحصى توحي بحدوث تآكل بفعل المياه، فسوف يأخذنا ذلك في اتجاه الرأي الذي يقول إن المناخ كان أكثر دفئًا ورطوبةً.

ربما علينا أن ننتظر البعثات المستقبلية التي تستطيع أن تصل إلى أعماق تربة المريخ أو تعود إلينا بعينات منها حتى نحصل على إجابات حاسمة، ولكن النتائج الجديدة التي تبعث بها إلينا «كيوريوسيتي» تفتح أمامنا الباب لإمكانية حل هذا اللغز بطريقة أو بأخرى. يقول جيمس هيد إنه لا يهمه إلى أي جهة ستنحاز الدلائل، ويقول: «بصراحة، أريد أن أعرف فقط ماذا حدث هناك.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.