اكتب كل ما تعرفه عن بلوتو؛ الكوكب التاسع في مجموعتنا الشمسية. على الأرجح لن تجد الكثير لتكتبه، حتى إن كنت إس آلان ستيرن؛ أحد أبرز خبراء علم الكواكب في العالم.

تحليل بعثة إلى كوكب بلوتو.
تحليل بعثة إلى كوكب بلوتو.

يقول ستيرن — مدير قسم دراسات الفضاء بمعهد الأبحاث الجنوبي الغربي في بولدر بكولورادو: «يمكنني أن أخبرك كل ما نعلمه يقينًا عن بلوتو في نحو ثلاث بطاقات مقاس ٣×٥. وهذا يترك مجالًا واسعًا للاكتشاف.»

لا عجب إذن في الحماس الملموس الذي استشعَره فريق ستيرن عندما تجمَّع أعضاؤه في كيب كانافيرال بفلوريدا في آخر شهر أكتوبر. كان ذلك آخر اجتماع رسمي قبل إطلاق وكالة ناسا لبعثة «نيو هورايزنز» التي طال انتظارها والتي من المعتزم إطلاقها بعد تاريخ كتابة هذه السطور بشهر (يناير ٢٠٠٦)، وهي أول بعثة تستكشف بلوتو والجزء الخارجي من المجموعة الشمسية. وكان مما زاد حماس العلماء أن فريقًا منفصلًا من علماء الفلك بقيادة ستيرن كان قد أفاد قبل بضعة أيام من ذلك الاجتماع لا أكثر بأنَّ بلوتو يملك قمرين صغيرين إضافةً إلى قمره الكبير شارون. فقال ويليام ماكينون عضو فريق بعثة نيو هورايزنز، وعالم الكواكب في جامعة واشنطن بسانت لويس في ميزوري: «سنكتشف أن الأمر مختلف عن توقعاتنا.» وقد اتضح ذلك من «انبثاق» هذين القمرين فجأة.

ولا شك أن المستقبل يدَّخر لنا مفاجآت أخرى. فيقول ستيرن — كبير العلماء في بعثة نيو هورايزنز: «إننا لا نعلم حتى ما الذي نجهله بالضبط.» والحقيقة أنه نظرًا لبُعد بلوتو الشديد عنَّا وجهلنا المطبق به، فمن شأن النتائج التي تأتي بها تلك البعثة أن تُحْدِث تغييرًا جذريًّا في طريقة تفكيرنا في أمور كثيرة. فقد تمدُّنا تلك البعثة بأدلة مهمة تساعدنا على فهم كل شيء بدءًا من كيفية نشأة المجموعة الشمسية وصولًا إلى كيفية تكوُّن الغلاف الجوي لكوكب الأرض.

خلافًا للسطح الصخري لكوكب المريخ — مثلًا — يتألف بلوتو من مزيج من الصخور والمياه المتجمِّدة والميثان وغيره من المركَّبات المتطايرة؛ مركَّبات من شأنها أن تنصهر وتتبخَّر وفي بعض الحالات تتسرَّب إلى الفضاء في درجات الحرارة الأعلى الموجودة في الجزء الداخلي من المجموعة الشمسية. ولكن عند الأطراف الخارجية، قد تكون تلك المركَّبات قد ظلت دون تغيير جوهري منذ نشأة الكواكب. فيقول ريتشارد بينزِل، أستاذ علوم الكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمختص بدراسة تكوين الكويكبات: «المسألة ليست أنه ثلج فحسب، فهو ثلج نقي ظل على تلك الهيئة طيلة عمر المجموعة الشمسية.» ويقول بينزِل — أحد أعضاء الفريق العلمي لبعثة نيو هورايزنز — إنَّ تلك المادة الأزلية معناها أن البعثة «ليست مجرَّد رحلة عبر المكان، وإنما رحلة عبر الزمان أيضًا.»

عالم آخر

قبل أن يكتشف عالم الفلك كلايد تومبو كوكب بلوتو في عام ١٩٣٠، كان الناس يعرفون نوعين فقط من الكواكب: الكواكب الأرضية — وهي كواكب صخرية صغيرة يتراوح حجمها ما بين حجم كوكب الأرض وكوكب الزهرة اللذين يبدوان توءمين تقريبًا، ونصف ذلك الحجم بالنسبة إلى المريخ، وأقل من ذلك في حالة عطارد — والعمالقة الغازية المتمثلة في المشتري وزُحَل وأورانوس ونبتون، التي تتكون من الهيدروجين بالأساس ولا تحتوي على سطح يابس يُذكَر.

أما بلوتو فكوكب مختلف، بل شديد الاختلاف. فقُطره أقل من نصف قُطر عطارد، ويستغرق وصول أشعة الشمس إلى ذاك الكوكب الصغير ٤ ساعات، وهو مظلم أكثر من الأرض ألف مرة. وتبلغ درجة الحرارة على سطح بلوتو نحو −٢٣٣ درجة مئوية. وفي حين أن الهواء على كوكب مثل المريخ قليل الكثافة — أقل من واحد من مائة من كثافة هواء الأرض — فإن الغلاف الجوي لكوكب بلوتو الذي يغلب عليه النيتروجين أقل كثافة ألف مرة، وأحيانًا يتجمَّد كليًّا.

فلا عجب في أن بلوتو وقمره الأكبر شارون — الذي اكتُشِف عام ١٩٧٨ — يُطلَق عليهما «القزمان الثلجيان»، وهو اسم يميزهما عن الكواكب الأرضية والعمالقة الغازية. إلا أن أحدًا لم يشك في أن بلوتو — عوضًا عن أن يكون آخر عضو يُكتَشَف ضمن عائلة محدودة من الكواكب — قد يصير بوابة لفئة جديدة كاملة من الأجرام تُعرَف بأجرام حزام كايبر. وقد صرنا نعلم الآن أن بلوتو واحد من أجرام تقاربه في الحجم ربما يصل عددها إلى المئات تقع في حزام كايبر — المنطقة الأكبر والأبعد في المجموعة الشمسية، ومصدر معظم المذنبَّات التي يمكن رؤيتها من على كوكب الأرض.

أجرام حزام كايبر هي بقايا اللبِنات التي أنشأت المجموعة الشمسية، فهي المواد نفسها التي راح بعضها يرتطم ببعض في صخب في موقع أقرب إلى الشمس قبل ٤٫٥ مليار سنة، والتي تَلاحَمَ بعضها مكوِّنًا الأرض والكواكب الأرضية الأخرى، فضلًا عن قلب الكواكب العملاقة. تلك الأجرام المحفوظة في صقيع الفضاء البعيد عن الشمس قد تكون بقايا ما كان موجودًا وقت ميلاد المجموعة الشمسية. وعندما نشرع في دراسة بلوتو ومحيطه عن كثب، سنرى بقايا لم تُمَسَّ تقريبًا من مرحلة تَكوُّن الكواكب. وقد تحمل تلك البقايا سجلًّا كيميائيًّا وبنيويًّا انمحت آثاره من الأجرام التي درسناها حتى الآن في الجزء الداخلي من المجموعة الشمسية.

ومن ثم، قد يمنحنا بلوتو في الواقع بعض المعلومات عن المراحل المبكرة من تكوُّن الأرض. ونظرًا لأن بلوتو وشارون شديدا التقارب حجمًا ومكانًا — حتى إنهما كثيرًا ما يُسمَّيان الكوكب المزدوج — فقد يتبادلان أجزاءً من غلافيهما الجويين؛ فيجذب شارون الهيدروجين وغازات أخرى خفيفة الوزن بعيدًا عن بلوتو في دوامة لولبية قد تمتزج بالغلاف الجوي الممتد لشارون نفسه. لم تسبق رؤية هذا النوع من التبادل الجوي بين الكواكب من قبل. وقد تلقي دراسة كيفية تغير الغلاف الجوي لبلوتو مع مرور الوقت — من خلال القياسات اللاسلكية والمصوَّرة — بعض الضوء على سؤال ذي صلة يرجع إلى المراحل المبكرة للأرض، ألا وهو: ما مدى سرعة تسرب الهيدروجين الذي كان موجودًا في الغلاف الجوي للأرض في الأصل إلى الفضاء؟ (مجلة ساينس، المجلد ٣٠٨، صفحة ١٠١٤) نحتاج إلى معرفة الإجابة عن هذا السؤال حتى نتمكن من تصميم محاكاة دقيقة للبيئة التي بدأت فيها الحياة قبل نحو ٤ مليارات سنة.

كوكب نصف مكتمل

يتمثل مصدر جذب آخر في أن بلوتو قد يكون كوكبًا غير مكتمل إلى حد ما. فيقول ستيرن: «الأمر يشبه اكتشاف عالم حفريات لأنثى ديناصور حُبلى تحمل جنينًا في أحشائها. فإن لرؤية كوكب نصف مكتمل أهمية جوهرية في فهم كيفية تكوُّن الكواكب.» ويضيف أنه تبيَّن من نماذج المحاكاة الحاسوبية أنه كان ينبغي لبلوتو أن ينمو ليصير جرمًا كبيرًا جدًّا في حجم الأرض على الأقل. فلو جَرَت العمليات نفسها التي كوَّنت الكواكب الأخرى، لتوفَّر عدد كافٍ من الجلاميد والكتل الصخرية التي تعادل الجبال حجمًا والتي تُدعَى كواكب مصغرة في الفضاء المحيط ببلوتو بحيث ترتطم ببعضها — وتلتصق ببعضها أحيانًا — مكوِّنةً كوكبًا كبيرًا. ويقول: «شيء ما أتى وقطع الإمداد.» وإن كان أحد لا يدري ما ذاك الشيء.

وقد تساهم الاكتشافات التي تتوصل إليها بعثة نيو هورايزنز بشأن العدد الحالي لأجرام حزام كايبر وحجم الفوهات الموجودة على بلوتو وشارون وكثافتها في توضيح هذه الفكرة. وعلى الرغم من أن محاكاة المجموعة الشمسية يمكن أن تنجح إلى حد كبير في إنتاج عائلات من الكواكب تشبه ما نراه اليوم، فإن طبيعة المراحل المبكرة ما زالت قائمة على الاستدلال بالأساس. وفي الحقيقة، من شأن رؤية بعض المراحل المتوسطة في تلك العملية — محفوظة في منتصف عملية التكوين — أن تمدَّنا بأدلة جديدة قيِّمة تعضِّد النظريات المتعلقة بتكوين الكواكب، أو تغيِّرها. ومن شأنها أيضًا أن تكشف بعض التفاصيل المجهولة مثل حجم الكواكب المصغرة نفسها وتكوينها.

يقول مايكل أهيرن — عالم فلك بجامعة ميريلاند — إن دراسة أجرام حزام كايبر هي السبيل الوحيد لمعالجة بعض «القضايا شديدة الأهمية» فيما يتعلق بفهم تكوين المجموعة الشمسية. ويضيف أن تحديد خصائص تلك الأجرام أمر جوهري في فهم الصورة الأشمل لكيفية عمل المجموعة الشمسية.

لنتناول التعداد النسبي للأجرام مختلفة الأحجام في حزام كايبر. يقول أهيرن: «لا يمكننا رؤية أجرام حزام كايبر الصغيرة من الأرض. ومن ثم، فإن النظر إلى الفوهات التي تصنعها عند الارتطام ببلوتو وشارون طريقًا غير مباشر للتوصل إلى توزيع أحجام أجرام حزام كايبر.» ومن شأن ذلك بدوره أن يسهم في تفسير طبيعة المذنبَّات التي نراها في الجزء الداخلي من المجموعة الشمسية. هل تلك أجرام أزلية فعلًا، بقايا القرص الذي انبثقت عنه الكواكب، أم أنها شظايا من أجرام أكبر حجمًا نتجت عن الاصطدام المتكرر في الجزء الخارجي من المجموعة الشمسية؟ دون أن تتوفر لدينا تلك المعرفة الأساسية، سيكون من الصعوبة بمكان تفسير الاكتشافات التي توصلت إليها البعثات الحديثة مثل بعثة «ديب إمباكت» التي رأسها أهيرن هذا العام، والتي أمَّدتنا بصور مفصَّلة لنوى مذنبات يختلف كل منها عن الآخر اختلافًا مدهشًا (مجلة ساينس، المجلد ٣١٠، صفحة ٢٥٨).

إضافةً إلى ذلك، فسوف تتيح بعثة نيو هورايزنز معرفة المزيد عن الخواص الكيميائية لأجرام حزام كايبر ومدى تباين أحدها عن الآخر. فقد ثبت بالفعل من التحليلات الطيفية التي أُجْرِيَتْ من الأرض أنَّه ثمة أنواع مختلفة من تلك الأجرام. ويقول بينزِل الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «ثمة نوعان على الأقل.» فبعض الأجرام لونه مائل إلى الزُّرقة أو رمادي — يتألف على الأرجح من مزيج من الثلوج — والبعض الآخر مائل إلى الحُمرة؛ مما يشير إلى أنه محاط بغلاف مكوَّن من جزيئات عضوية أكثر تعقيدًا ربما تكون نِتاج تفاعلات كيميائية تولدت عن الأشعة الكونية والاصطدامات.

تذهب بعض النظريات إلى أن الأجرام المتصادمة في حزام كايبر كانت مصادر مهمة للمياه والغلاف الجوي على كوكب الأرض بل والهيدروكربونات المركَّبة التي ساهمت في توفير العناصر الأساسية اللازمة لظهور الخلايا الحيَّة سريعًا. ومن ثم، فقد يساهم رصد التكوين والتوزيع المفصَّلَين لأجرام حزام كايبر في إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ كوكبنا ونشأة الحياة عليه.

إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة سيستغرق رحلة عمل طويلة تستغرق وقتًا طويلًا. فعقب سنوات من التحضير والانتظار، ما إن تنطلق بعثة نيو هورايزنز في شهر يناير ستحدث نوبة مفاجئة من النشاط والتخطيط. يرجع هذا إلى أن مسار المركبة الفضائية سيعتمد على توقيت إطلاقها بالضبط. ويقول ماكينون: «بالنسبة إلى البعض منَّا، سيكون الأمر مثل الإفاقة من غيبوبة عميقة.»

إذا سارت الأمور حسب الخطة الموضوعة، فلك أن تتوقع فورة أخرى من النشاط بعد ١٠ أعوام من الآن. فما إن تكتمل الرحلة الطويلة إلى بلوتو، ستنتهي مرحلة جمع البيانات الأشد كثافةً في غضون بضعة أيام لا أكثر بينما تمرق المركبة الفضائية إلى جوار ذاك الكوكب. فبلوتو يدور بمعدل بطيء قدره مرة كل ٦٫٤ أيام من أيام الأرض، وستندفع المركبة — بعد تلقِّي دَفعة للخروج من جاذبية كوكب المشتري — بسرعة ٤٣ ألف كيلومتر في الساعة. لذا لن يتسع الوقت أمام نيو هورايزنز سوى لرؤية جانب واحد فقط من بلوتو في أقرب نقطة تمر منها المركبة — وكذلك جانب واحد من شارون نظرًا لأن سرعة دورانه مساوية تمامًا لسرعة دوران بلوتو. وتعويضًا عن ذلك، ستستخدم نيو هورايزنز تليسكوبًا لرسم خريطة للجوانب الأخرى للجرمَيْن في مرحلة الاقتراب، قبل ثلاثة أيام من المرور إلى جواره.

تلك الخطة — وإن كان بها قدر من التنازل — يُتوَقَّع أن توفر تغطية كبيرة. فيقول ستيرن: «ستتوفر لدينا بكسلات (عناصر الصورة) أكثر من المتاحة لدينا الآن بألف مرة عن «الجانب البعيد» من كوكب بلوتو. فإذا التقطت منظارًا مقرِّبًا عاديًّا وخرجت لتتطلَّع إلى البدر المكتمل، سيعادل ذلك ما ستراه في صورة الجانب منخفض الدقة لبلوتو [وشارون]. أما في الجانب عالي الدقة، فسنصل حتى ٢٥ مترًا لكل بكسل.» وهذا القدر من التفصيل كافٍ لتمييز جلاميد وفوهات بحجم البنايات.

العين البصيرة

إنَّ مركبة نيو هورايزنز التي يساوي حجمها حجم عربة الجولف مزوَّدة — إلى جانب الكاميرا عالية الدقة — بمجموعة مبهرة من المعدات الأخرى التي تتيح لها إجراء فحص شامل سريع لكل جرم تمر به (انظر الرسم التوضيحي). إلا أنَّ أكبر عقبة أمام كمية البيانات التي سنحصل عليها ليست أجهزة الاستشعار، وإنما قوة الإشارة اللاسلكية التي يمكن لنيو هورايزنز أن ترسلها إلى الأرض، والتي سوف تلتقطها هوائيات شبكة الفضاء البعيد التابعة لوكالة ناسا والتي توجد في كاليفورنيا وإسبانيا وأستراليا قبل أن ترسل البيانات إلى مركز التحكم في البعثة، القائم في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز في ميريلاند. وسوف يُستعان بنظام الاتصال ذاك أيضًا لغرض إجراء الأبحاث. وما إن تصل نيو هورايزنز إلى الجانب البعيد من بلوتو، سوف ترسل شبكة الفضاء البعيد إشارات لاسلكية بحيث يتسنَّى للمركبة الفضائية أن تقيس كيف يثنيها الغلاف الجوي لبلوتو ويمتصها. وسيوفر ذلك معلومات قيِّمة عن درجة حرارة الهواء على الكوكب، وكثافة الهواء وتكوينه.

بعثة نيو هورايزنز المقرر أن ترسلها ناسا في يناير ٢٠٠٦ سوف تلتقي بلوتو وأقماره ٢٠١٥. لا يمكن لأحد أن يعرف ما ستجده، إلا أنَّ أجهزة الاستشعار والاتصال فائقة التطور التي زُوِّدَت بها جاهزة لأداء المهمة.
بعثة نيو هورايزنز المقرر أن ترسلها ناسا في يناير ٢٠٠٦ سوف تلتقي بلوتو وأقماره ٢٠١٥. لا يمكن لأحد أن يعرف ما ستجده، إلا أنَّ أجهزة الاستشعار والاتصال فائقة التطور التي زُوِّدَت بها جاهزة لأداء المهمة.

وقطعًا لن تكون نوبة تحصيل البيانات الجامحة التي ستتزامن مع التحليق إلى جوار بلوتو هي نهاية المهمة بأي حال. فسيكون ثمة جرم آخر على الأقل من أجرام حزام كايبر في مسار نيو هورايزنز، وربما أكثر. لن يُنتَقَى الهدف فعليًّا سوى قبل فترة قصيرة من الالتقاء بكوكب بلوتو في عام ٢٠١٥؛ فما إن يُحَدَّد مسار المركبة على وجه الدقة سيكون تحديد موقع المرشح المناسب يسيرًا نسبيًّا باستخدام تليسكوبات قوية مثل تليسكوبات مرصد كيك في هاواي.

نظرًا لأهمية الأسئلة التي قد تجيب عنها بعثة نيو هورايزنز، يبدو غريبًا أن يستغرق المشروع كل هذا الوقت حتى يصل إلى منصة الإطلاق. لقد كان ستيرن يحاول إطلاق بعثة إلى كوكب بلوتو منذ عام ١٩٨٨، وإبَّان تسعينيات القرن العشرين، رأس عملية تصميم كاميرا مخصَّصة لبعثة إلى بلوتو وحزام كايبر خطَّط لها مختبر الدفع النفَّاث التابع لناسا في باسادينا بكاليفورنيا. وقد أنهت ناسا تلك البعثة عام ٢٠٠٠ بعدما فاقت تكاليفها ضِعف التقديرات المبدئية، بيد أنَّ الفكرة الأساسية لم تَمُت. فيقول ماكينون: «أبت هذه الفكرة أن تذهب طي النسيان؛ فهي شديدة الإثارة والجاذبية، وبعضنا لم يهدأ له بال.»

على الرغم من أن ميزانية بعثة نيو هورايزنز تمثِّل نسبة صغيرة من تكاليف المقترح الأول — تُقَدَّر بنحو ٥٠٠ مليون دولار — فإن إمكاناتها العلمية ستضاهي إمكاناته، وربما تتجاوزها في بعض الجوانب. والجدير بالاهتمام أن بعثة بلوتو الجديدة تلقَّت دعمًا هائلًا من قيادات عليا في الإدارة الأمريكية. ففي عام ٢٠٠٠، قالت اللجنة الفرعية لاستكشاف المجموعة الشمسية التابعة لناسا: «يجب أن نذهب إلى هناك.» وهكذا أدرج المجلس الوطني للبحوث في الولايات المتحدة الرحلة الاستكشافية إلى بلوتو وشارون على قائمة أولويات المجلس القصوى.

ثمة سبب قوي لذلك كله؛ فالآن هو الوقت المثالي لتنفيذ الفكرة. فمدار بلوتو المطوَّل يحمله بعيدًا عن الشمس أكثر من بُعد الأرض عنها ٤٠ مرة؛ لذا سيصير الوصول إليه أصعب وكذلك أقل إثارة للاهتمام بعد عام ٢٠٢٠. ونظرًا لأن غلافه الجوي قد يتجمَّد كليًّا ويهبط إلى سطح الكوكب لعقود طويلة، فقد لا تسنح الفرصة لرؤيته جيدًا مرة أخرى قبل عام ٢٢٣٠. وستيرن على قناعة تامة بأن تلك البعثة تستحق الاستثمار والانتظار، ويقول: «كلما ابتعدت عن الأرض أكثر، صار الوضع أغرب. عندما نصل إلى بلوتو عام ٢٠١٥، سيكون الأمر مذهلًا. أظن أن ما سنجده سيمثِّل نقطة تحوُّل.»

الرفيقان

يتمثل أحد التساؤلات الكبرى فيما يتعلق بتكوين المجموعة الشمسية في كيفية خروج بلوتو وشارون إلى الوجود. والفكرة السائدة هي أنهما — على غرار الأرض وقمرها — نتجا عن ارتطام هائل.

روبِن كانَب — عالمة الكواكب بمعهد الأبحاث الجنوبي الغربي، والتي لم تشارك في بعثة نيو هورايزنز — صمَّمت نماذج المحاكاة الأكثر شمولًا لعملية تكوُّن نظام الأرض والقمر وكذلك نظام بلوتو وشارون، والتي نُشِرت نتائجها في وقت سابق من هذا العام (مجلة ساينس، المجلد ٣٠٧، صفحة ٥٤٦). توضح نماذج المحاكاة الحاسوبية أنَّ سيناريو الارتطام جائز، ولكنها تركت بعض الأسئلة بلا إجابة؛ ففي بعض نماذج المحاكاة خلَّف الارتطام حلقة كبيرة أو قرصًا كبيرًا من الحطام تكتَّل ببطء ليكوِّن قمرًا، وفي نماذج أخرى تكوَّن القمر فورًا.

قد تُحدِّد بعثة نيو هورايزنز أي سيناريو حدث فعليًّا — على حد قول كانَب. في نموذج القرص، سيكون تكوين شارون الكامل وكثافته مختلفين تمامًا عن بلوتو، بينما سيكون الاثنان متشابهين جدًّا في نموذج التكوين الفوري. فينبغي أن تسهم القياسات التفصيلية لحجميهما وحركة الواحد منهما نسبةً إلى الآخر وتكوين سطح كل منهما مقارنةً بالآخر في حل تلك المسألة.

أما عن قمرَيْ بلوتو اللذين اكتُشِفا حديثًا، فالسيناريو الأرجح هو أنَّهما نتجا عن الارتطام ذاته الذي أنشأ شارون؛ لأنهما قريبان نسبيًّا من بلوتو ويدوران في المستوى ذاته والاتجاه ذاته الذي يدور فيه شارون. وتقول كانَب إن فكرة أنهما كانا «نتاجًا ثانويًّا للارتطام الذي تكوَّن عنه شارون تبدو أبسط نقطة للبداية ومن ثَمَّ النقطة الأكثر جاذبية.» إلا أنَّ تلك الفكرة لا تجيب عن السؤال المتعلق بما إذا كانت الأقمار الثلاثة كلها تكوَّنت ببطء من قرص من الحطام أم أنها نشأت فورًا عقب الارتطام. ويظل جائزًا أيضًا أن يكون القمران الجديدان جرمين منفصلين اجتذبهما بلوتو في وقت مختلف.

حتى الآن، نماذج المحاكاة التي نُشِرت لكانَب عن سيناريو الارتطام الذي نشأ عنه بلوتو وشارون ليست مفصَّلة بما يكفي لتكشف إذا كان من المحتمَل أن تتكون أقمار أخرى أصغر حجمًا. إلا أنه في نماذج المحاكاة لعملية تكوُّن قمر الأرض التي تنطوي على اصطدام كبير مشابه نشأ عنه في البداية قرص من الحطام، ثمة حالات تواجدت فيها أقمار متعددة وحطام متناثر. وتتضمن بعض نماذج المحاكاة لعملية تكوُّن بلوتو وشارون التي ينشأ عنها القمر شارون تامًّا بصورة فورية أثرًا لبقايا مواد «مقذوفة» من شأنها أنْ تظهر تكوُّن أقمار أخرى في نموذج محاكاة أكثر تفصيلًا.

بلوتو بالأرقام

١٩٣٠:
اكتشاف عالم الفلك الأمريكي كلايد تومبو كوكب بلوتو.
٢٠١٥:
سنة زيارة بعثة نيو هورايزنز إلى بلوتو (مخطَّط لها).
٢٢٣٠:
السنة التي ستُتاح فيها رؤية جيدة لبلوتو المرة القادمة (تقريبية).
٥٫٩:
متوسط المسافة من الشمس بمليارات الكيلومترات.
−٢٣٣:
درجة الحرارة السطحية المئوية.
٠٫٢:
الكتلة كنسبة مئوية من كتلة الأرض.
٠٫١:
شدة الضوء الذي يصل من الشمس كنسبة مئوية من شدة الضوء الذي يصل الأرض.
٦٫٤:
طول يوم بلوتو مقاسًا بأيام الأرض.
٢٤٨:
طول عام بلوتو مقاسًا بأعوام الأرض.

ما الكواكب على أي حال؟

إن النقاش الأكبر والأكثر احتدامًا بشأن بلوتو ليس معنيًّا بالعلم أو أي من خواص ما كان — طيلة ٧٥ عامًا — الكوكب التاسع في المجموعة الشمسية. فالسؤال المُلِحُّ هو إذا ما كان يجدر اعتبار بلوتو كوكبًا من الأساس — وإن كان كذلك، فما الذي يمكن اعتباره كوكبًا أيضًا.

سوف تُصْدِر لجنةٌ مكوَّنةٌ من ١٩ عضوًا تابعة للاتحاد الفلكي الدولي قرارًا — ذات يوم، ربما — بشأن ماهية الكوكب. يصعب معرفة كيف سيتلقى الناس ذلك القرار؛ لأن أُناسًا كُثُرًا — علماء فلك وطلبة مدارس ومديري متاحف وكُتَّابًا محررين — قد اختاروا بالفعل الرأيَ الذي سيساندونه وتشبَّثوا به. ولكن من المستبعَد أن تُحَل المسألة في القريب العاجل. فيقول براين مارسدن عضو لجنة الاتحاد الفلكي الدولي: «أعضاء كُثُر لم يبدوا أي استعداد للتنازل.» ولم يُحدَّد تاريخ لاتخاذ قرار بشأن تلك المسألة.

يبدو أنه ثمة خمس أفكار رئيسية متداولة، لكل منها أنصارها المتحمِّسون وناقدوها الشرسون:

(١) الكواكب أجسام مستديرة

تضع هذه الفكرة حدًّا واضحًا، استنادًا إلى مبادئ فيزيائية. فأيُّ جسم أكبر من حجم معيَّن — أيًّا كانت المادة المصنوع منها — ستشدُّه الجاذبية ليُكوِّن شكلًا كرويًّا، يكون قطر ذلك الشكل نحو ٨٠٠ كيلومتر. وآلان ستيرن من كبار المروجين لهذا التعريف الذي من شأنه أن يضم تحته بلوتو وأربعة أجرام أخرى على الأقل من أجرام حزام كايبر المعروفة — كواور، وإريس (أو ٢٠٠٣ يو بي٣١٣)، وهاوميا (أو ٢٠٠٣ إي إل٦١)، وسِدنا — وكذلك الكويكب سيريس. إنه تعريف بسيط ويتلاءم مع الأفكار التي يجدها الناس بديهية عن الكواكب، فيقول ستيرن: «إذا قُلْتَ لأطفال أن يرسموا صورة كوكب، سيشرعوا جميعًا في رسم دائرة.» الجانب السلبي: يمثل إدراج سيريس والعديد من أجرام حزام كايبر تحوُّلًا كبيرًا عن نظام الكواكب التسعة القائم.

(٢) الكواكب تسير منفردة

ذلك أبرز الآراء المعارضة لبلوتو وجيرانه في حزام كايبر. مفاد تلك الفكرة أن الكواكب أجسام تسيطر على الجزء الخاص بها من المجموعة الشمسية، وتدور وحدها في منطقتها. ومن ثَمَّ، فإن ذلك السرب من الكويكبات التي تدور بين كوكبَي المريخ والمشتري بالأساس، وكذلك السرب الأكبر بكثير المتمثل في أجرام حزام كايبر — بما فيها بلوتو وإريس الذي اكتُشِف هذا العام والذي يَفُوق حجمُه حجمَ بلوتو — لا ينطبق عليها وصف كوكب، وإنما هي مجرد أعضاء في فئة مختلفة من الأجرام السماوية. وفقًا لهذا المعيار، تضم المجموعة الشمسية ثمانية كواكب فحسب، ويكاد يكون من المؤكَّد أنها ستستمر هكذا. ذاك هو الرأي الذي يؤيده نيل تايسون — مدير قبة هايدن السماوية في نيويورك. الجانب السلبي: استبعاد بلوتو، وهو ما يُعَد مخالفةً لما تعلَّمه الناس لأجيال.

(٣) الحجم مهم

أي شيء يَفُوق نصف قطره ألف كيلومتر (أو ١١٥٠ كيلومتر، وهو نصف قطر بلوتو) — مثلًا — يصير كوكبًا على نحو تلقائي. ميزة هذا النهج أنه يضع حدًّا ماديًّا واضحًا يتلاءم أيضًا مع الأفكار القائمة لدى الجميع عما يمثِّل كوكبًا وما لا يمثل كوكبًا. وفقًا لتلك القاعدة، سيريس أصغر من أن يكون كوكبًا — وكذلك سِدنا وهاوميا — ولكن بلوتو وإريس كوكبان. وهكذا صار لدينا ١٠ كواكب، إضافة إلى احتمال مشوِّق أن نكتشف بضعة كواكب أخرى في السنوات المقبلة. ويفضل مايك براون — عالم الفلك الذي اكتشف إريس — هذه الخطة. الجانب السلبي: حدود الحجم اعتباطية، كما أنه يصعب تقدير حجم الأجرام البعيدة تقديرًا دقيقًا.

(٤) التاريخ مهم

وبلوتو له مكانة خاصة. هذا الرأي تسانده مجموعة فرعية ضمن المعسكر القائل بأن عدد الكواكب ثمانية، وتذهب هذه المجموعة إلى أنه بينما قد تستبعد المدارات بلوتو في الظروف الطبيعية، فينبغي «استثناؤه» احترامًا لقضائه ٧٥ عامًا في عائلة كواكب مجموعتنا الشمسية. ومن ثَمَّ، فإن التعريف الصارم يمكن أن يستبعد أجرام حزام كايبر التي يُجرَى اكتشافها في المستقبل، ولكنه سيظل يسمح لطلبة المدارس في كل مكان بالاستمرار في دراسة كواكب المجموعة الشمسية التسعة وحفظها بالترتيب بالطريقة التي تروق لهم. الجانب السلبي: فكرة اعتباطية أكثر من اللازم.

(٥) لا وجود للكواكب

في محاولة للتوصل إلى حل وسط، اقترح البعض التخلص كليًّا من لفظ «كوكب» في صورته البسيطة، وربطه في المقابل بسلسلة من الصفات. بناءً عليه، تتكون المجموعة الشمسية من أربعة أنواع من الكواكب: أربعة كواكب أرضية (صخرية)، وزُمرة من الكواكب الصغرى (الكويكبات)، وأربعة كواكب غازية عملاقة، ومجموعة كبيرة من كواكب ما وراء نبتون (الأقزام الثلجية). الجانب السلبي: فكرة معقدة أكثر من اللازم، ومفرطة الابتعاد عن المألوف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Louelhi ·١٠ مايو ٢٠١٤، ٨:٢٨ ص

    السلام عليكممشكورين كثير على ما تقومون بهالولهي من الجزائر