أنهى صلح وستفاليا، الذي وُقِّع في عام ١٦٤٨، حرب الثلاثين عامًا وحطم قوة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. لوحة للفنان خيرارت تيربورخ.
أنهى صلح وستفاليا، الذي وُقِّع في عام ١٦٤٨، حرب الثلاثين عامًا وحطم قوة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. لوحة للفنان خيرارت تيربورخ.

ثمة سبب وجيه جعل بعض الكُتَّاب، الذين ضاقوا بفكرة السيادة، يشرعون في إطلاق اسم «داء بودان» عليها. وجان بودان هو رجل قانون فرنسي عاش في القرن السادس عشر وشهد نشوب الصراعات المذهبية وبداية التوسع الجشع للقوى الأوروبية في القارات الأخرى، فكان بالفعل أول من طرح فكرة «السلطة المطلقة والأبدية» على نطاق واسع. إلا أن جان بودان لم يكن مبتكرًا عظيمًا كما يُرى أحيانًا؛ إذ كان يوجد بالفعل شبكة متكاملة من القوانين الخاصة بالقرون الوسطى في الوقت الذي كان يكتب فيه.

بداية من أواخر القرن الحادي عشر توصل رجال القانون إلى أساليب يكونون بها ذوي نفع للحكام، من خلال انتزاع صفحة من القانون الروماني أو الكنسي — أو إخراج فقرة من السياق بما يتوافق مع مصلحة الحكام — وذلك بغرض دعم سلطة الحكام الذين لم يعودوا يرغبون في الخضوع للسلاح ذي الحدين للسلطة الإمبراطورية والسلطة البابوية. وكان من شأن حركتهم المضادة البارعة (التي تفسر إلى حدٍّ بعيد التناقضات التي تشوه مفهوم السيادة الحديث) أن تحوِّل كل ملك إلى إمبراطور، أو حاكم مطلق، له سلطات تشبه السلطة الإلهية. وكانت النتيجة أن وجد المحامون منذ ذلك الحين أنفسهم في صراع مع النسخ الدنيوية من الإشكاليات اللاهوتية القديمة. فالسؤال عما إذا كان البرلمان البريطاني يستطيع جعل بعض قوانينه تؤدي إلى إجراء استفتاء إلزامي — الذي كان موضوعًا مثيرًا للجدل في هذا الوقت — لا يختلف كثيرًا عن السؤال بشأن ما إذا كان الرب يستطيع خلق حجر ثقيل للغاية بحيث لا يستطيع هو نفسه أن يحمله.

رغم هذه التناقضات، فقد أمد ظهور تصور واضح المعالم ظاهريًّا لفكرة السيادة النظرية الدستورية والسياسية بسلاح تعلمت لَيَّه وتوجيهه في كل اتجاه يمكن تصوره تقريبًا في القرون التالية. قليلة للغاية هي الموضوعات التي أثارت هذا الكم من الكتابات الجدلية في القرن السابع عشر الحافل بالاضطرابات بسبب تخبط الدول بين نماذج النظم السياسية المختلفة، بداية من الدول التي لم ينطبق عليها نظام بودان بسلاسة، مثل الاتحاد الكونفيدرالي السويسري أو المقاطعات الهولندية المتحدة، وحتى دول مثل فرنسا، حيث بدت سيادة الملك لا تتجزأ تمامًا مثل النقطة في الهندسة.

حظيت إنجلترا أيضًا بنوعها المميز من الحكم الدكتاتوري المطلق في شكل السيادة البرلمانية، بالرغم من رفض السير إدوارد كوك، المؤيد الرئيسي للمبادئ الدستورية قبل الحروب الأهلية، للسيادة بوصفها «كلمة غير برلمانية». وربما يكون كرومويل قطع رأس تشارلز الأول وعليها التاج، لكنه بالتأكيد لم يتخلص من القوة الشاملة المهيمنة التي سعى الملك للاحتفاظ بها لنفسه.

أثبت القرن الثامن عشر أنه ليس من السهل دائمًا فرض سيادة ويستمنستر حديثة العهد على إمبراطورية إنجلترا المتوسعة بطولها وعرضها، وجعلها تتمتع في كل مكان على حد سواء «بسلطة عليا، مستبدة، مطلقة ولا تقاوم»، كما وصفها السير ويليام بلاكستون في عام ١٧٦٥، وهو العام الذي صدر فيه قانون الطابع سيئ السمعة. وفي الوقت الذي بدأ فيه مؤلفو الكتيبات الإنجليز والمستعمرون سعيهم للتوصل إلى نظرية عليا في الجدل بشأن مسألة إمكانية تقسيم السيادة، كان عالم العلاقات الدولية الخارجي قد شهد بالفعل تحولًا ضخمًا. ففي عام ١٧٥٨ نشر إمريك دي فاتيل كتابه «قانون الأمم»، الذي قدم وصفًا قانونيًّا مفصلًا للمكانة «المنفصلة والمتساوية»، التي كانت الولايات المتحدة فيما بعد حريصة على اتخاذها من أجل البدء في التفاوض على معاهدة تحالف مع فرنسا. لقد أصبحت السيادة الآن شرطًا مسبقًا للعضوية الكاملة في المجتمع الدولي. وعلى الرغم من بذل المؤرخين في الآونة الأخيرة جهدًا مضنيًا للتقليل من أهمية تسوية وستفاليا لعام ١٦٤٨ بوصفها شهادة ميلاد سيادة الدول، فمما لا شك فيه أنه قد ظهرت في الفترة ما بين ذلك العام وعام ١٧٧٦ قواعد للممارسات الدولية جزأت أوروبا إلى منظومة من الدول المستقلة ذات السيادة.

ظلت السيادة لوقت طويل حكرًا على أوروبا في المقام الأول. وعندما قدم رجل القانون الإنجليزي جون أوستن (١٧٩٠–١٨٥٩) وصفه المؤثر للسيادة على أنها حالة من الطاعة الحقيقية التي يمكن العثور عليها في معظم المجتمعات، سارع المؤرخ السير هنري سامنر ماين (١٨٢٢–١٨٨٨) بالإشارة إلى أن هذا الأسلوب في التعبير عن القوة كان خاصًّا بالعالم الغربي. تبدو رؤية ماين حاليًّا كرؤية مستنيرة في عصر سادت فيه القناعة بالنزعة المركزية الأوروبية وسيطر عليه توجه بطولي تجاه الثقافات السياسية غير الغربية. وفي الواقع، تنطبق هذه الرؤية على نحو مقلق على الفكر الاستعماري الذي يشير إلى أنه بما أن القوى الغربية «المتحضرة» هي وحدها ذات السيادة، فإن باقي العالم يشبه الأمريكتين في وقت الغزو الإسباني؛ مكان قفر في انتظار الاحتلال من قِبل من يحملون السند القانوني الملائم.

يبدو أن أواخر القرن التاسع عشر شهدت تباينًا ملحوظًا في وجهات النظر حول مفهوم السيادة، فتسارع معدل توقيع المعاهدات. وشعر بعض رجال القانون المهتمين بالشأن الدولي أنهم يستطيعون البدء في الحديث عن بدء «زوال» السيادة. إلا أن أواخر القرن التاسع عشر كانت أيضًا فترة صراعات محتدمة على السلطة بين الدول الأوروبية، التي كانت مستعدة لفرض سيادتها على الدول غير القادرة على المقاومة. وإنه لتفكير محبط أن العصر الذي شهد اتخاذ الخطوات الأولى نحو تأسيس المحكمة الدائمة للعدل الدولي كان أيضًا مفعمًا بالنزعة القومية المتعجرفة التي تميَّز بها أمثال المؤرخ والسياسي الألماني هاينريش فون ترايتشكه الذي عاش في القرن التاسع عشر.

نال القرن العشرون حظه من كلا هذين التيارين؛ الأحلام النبيلة للحكومة العالمية، وكوابيس القتل الجماعي المستتر وراء التبجيل الديني لقاعدة عدم التدخل. وكان ثمة عامان مؤثران في هذا القرن وهما عام ١٩١٩ في فرساي وعام ١٩٤٥ في سان فرانسيسكو؛ إذ إنهما بشَّرا بتدشين أسلوب جديد وأكثر سلمية لتصور السياسة، إلى أن جاءت في نهاية الحرب الباردة حالة من الاضطراب الشديد كافح الكُتَّاب من أجل البحث عن نظائر لها في التاريخ. ومرة أخرى كانت السيادة مسارًا للنقاش أكثر من أي وقت مضى. فظهر تصور رائج عن سيادة مشتركة أو مقسومة أو مقسمة أو جزئية، كان يهدف إلى التعبير عن السمة المميزة الفريدة لأوروبا الجديدة في فترة «ما بعد الحداثة» أو «ما بعد السيادة». مع الأسف لم تكن لغة السياسيين المثقفين هذه تساهم دائمًا في فهمنا لهذه التوليفة الجديدة من القوى. فلم تكن محاولة جادة لإعادة صياغة مفهوم السيادة بقدر كونها محاولة يائسة أخيرة لإنقاذ مصطلح لا يرغب أحد في التخلي عنه.

مع ذلك، لا يقتنع العديد من دارسي العلاقات الدولية بأطروحة تآكل السيادة الرائجة، ويرون أن المرونة المستمرة للدول هي الحقيقة المثيرة للاهتمام التي يجب تفسيرها. أشار هنريك سبرويت في دراسته التاريخية «دولة السيادة ومنافساتها» (١٩٩٥) إلى أحد الأسباب الرئيسية في كون الدول لا تزال مسيطرة هو أن تجزئة السيادة ستؤدي إلى تقسيم الولاءات بطرق غير متوقعة. ويذهب ستيفن كراسنر على نحو مشابه إلى أن مؤسسة سيادة الدولة — التي أطلق عليها وصفه الشهير بأنها شكل من أشكال «النفاق المنظم» — من الممكن توقع استمرار عملها في المستقبل. وجد اللاعبون الرئيسيون في النظام الدولي أن السيادة، بالرغم من عيوبها، لا تزال تعمل أفضل من أي كيان آخر استطاع صناع القرار تصوره.

في ضوء الاضطراب المالي المستمر وما يصحبه من موقف سياسي متمركز حول الدولة، يتضح أن كل الحديث عما بعد السيادة في أوروبا كان في الواقع سابقًا لأوانه. وقد أشار المؤرخ الاقتصادي آلان ميلوارد في كتابه «الإنقاذ الأوروبي للدولة القومية» (١٩٩٢) إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يكن «مؤسسة تمهيدية لاتحاد عالمي» (كما رآه بعض المفسرين الأوائل) بقدر ما كان مشروعًا ذكيًّا لإنقاذ الدولة القومية. وبفضل إدراكنا لطبيعة الأحداث بعد وقوعها نستطيع حتى رؤية التشابه بين عصبة الأمم والاتحاد الأوروبي، وهو تشابه ينذر بعواقب سيئة؛ فكلاهما مستوحى من رغبة «في تحويل الأسلحة إلى أدوات إنتاج»، وكلاهما حاول تخليص أوروبا من أعباء الفرض العدواني لسيادة الدول الذي طالما أثقل كاهلها على مر التاريخ. مع ذلك عند حلول أي أزمة، ذُكر كلاهما سريعًا بأسسهما التوافقية على يد دول قومية لم تهدر وقتًا في إعادة التأكيد على مكانتها بوصفها الوحدة الأساسية لمنظمة سياسية. يبقى السؤال لا محالة يتردد: لماذا رغم جهود ستاخانوف لإعلان انتهاء السيادة أخيرًا، لا يزال المفهوم يطاردنا إلى درجة الاستحواذ في كل فروع النظرية السياسية؟ ربما قدم الفيلسوف والمؤرخ آر جي كولينجوود أفضل إجابة عن هذا السؤال عندما كتب: إن السيادة مجرد اسم يطلق على النشاط السياسي، وهؤلاء الذين يسعون لإقصاء فكرة السيادة باعتبارها فكرة خيالية بالية يحاولون في الحقيقة التهرب من مشكلة السياسة بأكملها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.