يعيش الحمار «إيور» صديق ويني الدبدوب في ركن من الريف الإنجليزي، والذي سيكون مألوفًا لدى كلِّ مَن سار في هذا الجزء من العالم. إذا قررتَ أن تسلك طريقًا مختصرًا هناك، فستجد أن الأرض تصبح رطبة قليلًا، ثم تزداد رطوبة على نحوٍ كبيرٍ، لكنك إذا كنتَ شخصًا قويًّا معتادًا على ارتياد الأماكن الوعرة، فستظن أن الأمر لا يستحق التراجع … ثم في اللحظة التالية ستنغرس قدماك، ستنغرس إحدى فردتي حذائك العالي الرقبة بدرجة كافية ليتشبَّع جوربك بالطين، عندها ستطلق تنهيدة مثل تنهيدة إيور.

إلا أنه بالنسبة إلى البعض تُعَدُّ المستنقعات الصغيرة التي تملأ الريف البريطاني والعديد من الأراضي الرطبة الأخرى، من الأماكن التي يبحثون عنها ولا يتجنَّبونها. إننا لا نتحدث فقط عن الحياة البرية الموجودة فيها، رغم أن الأراضي الرطبة تعيش حولها نباتات وحيوانات نادرة؛ فالمستنقعات تمثِّل للعلماء كنزًا دفينًا من المعلومات؛ فهي تحفظ حبوبَ لقاح وأبواغًا تفتح نافذةً على ماضٍ يرجع إلى آلاف السنين.

توني براون هو أحد الباحثين الذين يحاولون فتح هذه النافذة. منذ بضع سنوات بدأ فريقه البحثَ في المستنقعات من أجل الحصول منها على عينات جوفية. لقد كانت مهمة تتطلَّب التعرُّض للبلل والطين، ولم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة.

أراد براون دراسة التحوُّل الكبير في المشهد الطبيعي الذي حدَثَ عندما قُطِعت أشجار الغابات من أجل إفساح المجال للأراضي الزراعية. بدأت هذه العملية منذ نحو ٥ آلاف سنة، لكن بدايتها الفعلية كانت خلال العصر البرونزي، الذي كان في بريطانيا منذ حوالي ٤٥٠٠ سنة وحتى ٢٥٠٠ سنة مضَتْ؛ لذا أراد الفريق العثور على مستنقعات ترجع إلى هذا التاريخ، إلا أنه في موقع تلو الآخَر لم يكن خُثُّ المستنقعات قديمًا بالقدر الكافي لتسجيل هذا التحوُّل. فيقول براون: «لقد أصابنا الإحباط.» وفي البداية كانوا حائرين أيضًا.

يتكوَّن خُثُّ المستنقعات حيثما تصبح التربة مُشبَّعة بالماء على نحوٍ دائمٍ، مما يشجِّع نموَّ نباتاتٍ مثل طحلب الإسفنجوم. تحافظ نسبة الأكسجين المنخفضة والبيئة الحمضية على المواد العضوية الموجودة، بدايةً من النباتات الميتة وحتى حبوب اللقاح والأبواغ التي تنقلها الرياح، حتى ضحايا القتل العرضي في الزمن القديم. تكشف طبقاتُ التأريخ بالكربون المشعِّ وتحديد هوية حبوب اللقاح والأبواغ عن شكل الحياة النباتية في الماضي؛ ومن ثَمَّ ما كان عليه المناخ والبشر في هذا الوقت. ظلت المستنقعات الضخمة المتكوِّنة في قاع الأودية الواسعة وعلى الأراضي المرتفعة رطبةً بفعل الأمطار الغزيرة، وعادةً ما يرجع تاريخ هذه المستنقعات إلى العشرة آلاف سنة الأخيرة من العصر الجليدي الأخير. إلا أنه من أجل الحصول على صورة أفضل بَحَثَ فريق براون أيضًا عن مستنقعات أصغر حجمًا، لا يزيد حجمها عادةً عن هكتار أو هكتارين.

تتكون المستنقعات المتناهية الصِّغَر هذه عادةً في الأودية الأصغر حجمًا؛ حيث تتسرب المياه الجوفية من فوق المنحدرات، وفي حالة مستنقعات الينابيع، عند منبع جدول. وقد كانت هذه المستنقعات الصغيرة هي الوحيدة التي يعود تاريخها إلى ألفي أو ثلاثة آلاف سنة. السؤال هو: لماذا؟

يقول براون، وهو عالم جغرافي بجامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة: «كلما ألقيت محاضرةً عن هذا الأمر، يتساءَل الناس: ماذا عن القنادس؟» يمكن للبحيرات القديمة التي كانت تبني عليها القنادس سدودًا من الأعواد الخشبية لحماية نفسها أن تتحول بالفعل إلى مستنقعات، وربما كانت أعداد القنادس في انخفاض في هذا الوقت بسبب الصيد. إلا أن المستنقعات التي كان براون وفريقه يدرسونها كانت صغيرة للغاية، وفي أماكن شديدة الانحدار بحيث يصعب أن تكون قد تكوَّنَتْ بفعل القنادس.

وفي وسط حيرة الفريق بسبب هذه النتائج، تذكَّرَ براون فكرةً أعلنها بيتر مور في سبعينيات القرن العشرين، وهو عالم نبات بكلية الملك في لندن. كان مور يدرس المستنقعات الصغيرة المنتشرة في مروج مقاطعة سري بجنوب إنجلترا، وكان يرى أن هذه المستنقعات نتجت عن إزالة الغابات؛ فعندما أزيلت الأشجار، لم يَعُدْ هناك ما يمتصُّ الكمَّ الهائل من الرطوبة؛ لذا أصبحت الأرض مُشبَّعة بالمياه.

رُفضت فكرة مور في ثمانينيات القرن العشرين عندما أصبح دور التغيُّر المناخي أكثر وضوحًا؛ ففي أثناء العصر البرونزي أصبح المناخ في بريطانيا أكثر إمطارًا، ويبدو أن هذا وحده يكفي لتفسير زيادة المستنقعات في بعض المناطق. أشار الباحثون أيضًا إلى أن بعض المستنقعات سبقت ظهور المزارعين المستخدمين للفأس، إلا أن بعض الأمثلة المضادة القليلة لا تدحض الفكرة، على حدِّ قول براون؛ ففي النهاية لا يجب إرجاع تكوُّن جميع المستنقعات إلى إزالة الغابات.

لذلك في العام الماضي صنع هو وفريقه نموذجَ محاكاة بالكمبيوتر من أجل رؤية ما إذا كانت فكرة مور بالفعل يمكن إثبات صحتها؛ فأدخلوا الطبوغرافيا المحلية لمستنقع يُطلَق عليه «هور أووك» في جنوب غرب إنجلترا، بالإضافة إلى القدرة المعروفة للأشجار على امتصاص وإخراج الماء. كانت النتيجة مقنعة، على الأقل في هذه الحالة، فيقول براون: «عندما يقلُّ النتح التبخري، تتشبع التربة بالماء.»

لذا يبدو كأن كثيرًا من هذه المستنقعات الصغيرة صناعية؛ نتيجةً لتطفل البشر قديمًا. فبعد كل هذه الجهود من أجل إزالة الأشجار، ربما لم يحصل مَن أرادوا أن يصبحوا مزارعين إلا على عدد قليل من مواسم الحصاد قبل تحوُّل الأرض إلى مستنقعات. إلا أن جهودهم ربما لم تذهب جميعها هباءً؛ فيبدو أن بعض هذه المستنقعات الصغيرة كانت أراضي مرغوبًا فيها خلال فترات تاريخية معيَّنة، على الأرجح لأنها كانت توفِّر واحات من الأراضي العشبية في أوقات الجفاف. فعلى سبيل المثال، في نيو فوريست بجنوب إنجلترا ثمة مستنقعٌ تطوِّقه أرضٌ في منطقة تُعرَف باسم «بيشوبس دايك»، وتقول عنه الأسطورة المحلية إنه المكان الذي استطاع أسقف وينتشستر أن يزحف حوله على يديه وركبتيه خلال النهار.

مستنقعات مزدهرة

تتناسَبُ النتائج التي توصَّلَ إليها براون، التي عُرِضت في مؤتمر العام الماضي، تمامًا مع ما نعرفه عن تاريخ الزراعة في بريطانيا؛ فقد كان المزارِعون الأوائل يقطعون ويحرثون باستخدام أدوات من الحجر الصوان. وتظهر أدلة على أنهم لم يكونوا بارعين في ذلك. يقول براون: «بدأت الزراعة بشكل تدريجي في مناطق متفرقة، ثم اختفت تقريبًا، ولم تُمارَس على نحو جيد إلا في أوائل العصر البرونزي.» يحتمل أن الرعيل الأول من المزارعين جلبوا أساليب لا تتلاءم مع المنطقة. لم تتحول الأرض إلى أراضٍ زراعية إلا فيما بعدُ بفعل أساليب العصر البرونزي الأكثر تقدُّمًا.

يقول إيان دياك — متخصِّص في الأراضي الرطبة بهيئة حماية البيئة «ناتشورال إنجلاند» التي مقرها في تيلفورد: «إنه أمر معقول بالطبع. فيستطيع المرء تخيُّلَ أن هذه الأماكن قد استقبلت بالفعل كمًّا أكبر من الماء بمجرد إزالة الأشجار، رغم أننا نتخيَّل وجود نوع من الأراضي الرطبة من قبلُ، لكنها لم تكن بالقدر نفسه من الرطوبة.»

لم يكن براون وزملاؤه وحدهم مَن استنتَجَ أن كثيرًا من المستنقعات قد تكوَّنَتْ على يد أجدادنا. في السنوات الثلاث الأخيرة، سجَّلَتْ فِرَق بحثية ملاحظات مشابِهة عن المستنقعات الصغيرة في منطقة ماسيف سنترال في فرنسا وفي الساحل الغربي للنرويج.

يرغب براون أيضًا في الحصول على مزيد من المعلومات عن المستنقعات الكبرى الموجودة بإنجلترا. ورغم أن هذه المستنقعات قد تكوَّنَتْ في الأساس في وقت أسبق بكثير، فإن حجمها ربما يكون قد زاد بفعل إزالة الغابات. يقول براون: «أعتقد أنه لو كان لدينا ما يكفي من معلومات حول تواريخ خُث المستنقعات الكثيف، لكنَّا سنجد زيادة كبيرة في هذه المستنقعات خلال العصر البرونزي.» إلا أن المزارعين الأوائل قد دمَّروا أيضًا الكثير من الأراضي الرطبة من خلال حفر قنوات للصرف، كما أشار دياك؛ لذا من غير الواضح إن كانت المستنقعات قد زادت في الدولة بأكملها أم لا.

ثمة خطط حاليًّا لإعادة أجزاء من المملكة المتحدة إلى شكلها الذي كانت عليه قبل العصر البرونزي، من خلال زراعة غابات جديدة من أجل احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتقليل خطر الفيضان.

إلا أنه إذا كان براون محقًّا، فإن بعض مخططات الأشجار هذه يمكن أن تعمل على جفاف مستنقعات الينابيع، وهذا ليس أمرًا جيدًا. يقول دياك: «إنها تدعم وجود تجمُّع استثنائي من النباتات والحيوانات، لا مثيلَ لتنوُّعِه في غرب أوروبا.» (إن أيًّا من محبي ارتياد المناطق الوعرة الذين يتوغلون في المستنقعات عليهم الانتباه لفراشات نبات بوقية المستنقعات، وأوركيد المستنقعات.)

لذلك، فإن بعض الأماكن لا يجب إعادة تشجيرها، أو يجب أن يُعاد تشجيرها فقط في حال إزالة نُظُم الصرف القديمة في الوقت نفسه. وببعض العناية قد نتمكَّن من الحفاظ على أماكن المستنقعات الحزينة التي تضيف بهاءً للريف الإنجليزي. يا له من خبر سارٍّ لليعاسيب وزهور جنطيانا المستنقعات، وكذا للحمير الكئيبة وصناعة الجوارب الإنجليزية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.