في حالة تقليدية من حالات التباس الهُوِيَّة، في بداية السنة الجامعية الأولى لأورين تسور، تلقَّى بريدًا إلكترونيًّا غير متوقع، طُلب منه فيه التفكير في رئاسة حدث متميز بناءً على إسهامه في العام السابق. لم يستطع تسور تذكُّرَ رده بالضبط، ولكنه قال: «رددت ردًّا هزليًّا.» بطريقة كان متأكدًا أنها ستُوضِّح للقائمين على الحدث أنهم قد أرسلوا الرسالة إلى الشخص الخطأ.

ما حدث أن المنظمين لم يفهموا الدعابة، وظلوا على موقفهم رغم ردود تسور التي تزايدت سخريةً عبر الرسائل. في النهاية سألوه عن نوع البحث الجديد الذي سيعرضه في هذا الحدث الوشيك. ولمَّا كان ما زال في حيرة من أمره، فكَّر مليًّا قبل أن يكتب لهم في النهاية: «أعمل على رصد السُّخرية والتَّهكُّم في النص المكتوب.»

نظرًا لأن تسور عالم كمبيوتر يدرس معالجة اللغة، بدأ منذ ذلك الحين في تنفيذ ما كتبه لهم. ففي عصر التواصُل الإلكتروني المباشر — غير الشخصي في العادة — أصبح فَهْم سبب قولنا دومًا عكس ما نعني، والكيفية التي يدرك بها الناس هذا، أكثر أهمية من أي وقت مضى. كما أننا نستقي — في الوقت نفسه — أفكارًا لامعة بشأن كيفية التهكم ومعالجته؛ بل وبشأن كيفية السخرية التي هي قريبة الشبه بالتهكم لكنها أكثر منه لَذْعًا. ورغم أن السخرية تبدو أحط أشكال الفكاهة، فهي تبدو أيضًا شكلًا أكثر تقدمًا من أشكال التمارين العقلية.

أحد الأشياء الأكيدة هو أن السخرية والتهكم أمران شائعان. ولقد اكتشف ريموند جيبس — عالم نفس بجامعة كاليفورنيا، سانتا كروز — أن المعنى الظاهري الذي يتضمَّنه ما يقرب من ١ إلى ١٠ تعليقات تُقال بين الأصدقاء لا يكون مقصودًا. وفيما يتعلق بالعمر، يبدأ هذا في مرحلة مبكرة؛ إذ تُظهر دراسات النمو أننا نستطيع فَهْم جمل تهكُّمية في سن الخامسة تقريبًا، وحتى الأطفال الأصغر سنًّا يقومون بحركات مثل ضرْب جباههم وكأنهم محبطون حال السخرية منهم. ورغم أن استخدام السخرية ربما يتفاوت بتفاوت الدول والمناطق، فإن إحدى الدراسات صغيرة النطاق أشارت إلى أن الناس في شمال شرق الولايات المتحدة يستنبطونه أكثر من الذين يعيشون في الجنوب؛ إن السخرية موجودة في جميع الثقافات.

تقول بيني بيكسمان في هذا الصدد؛ وهي إخصائية علم نفس معرفي بجامعة كالجاري في ألبيرتا بكندا، ودرست طريقة تطور الشعور بالسخرية لدى الأطفال: «يقول الناس دومًا: «ذهبت إلى اليابان ولم يفهم أحد سخريتي؛ لذا لا أعتقد أن اليابانيين شعب ساخر.» وبالطبع هذا ليس صحيحًا على الإطلاق؛ لقد خرج قدر كبير من الأبحاث الجيدة التي أُجريت حول التهكم من اليابان. كل ما في الأمر أن أشكال السخرية تختلف قليلًا.» فيبدو أن كل ثقافة لها دلالاتها الخاصة بها. على سبيل المثال، في الإنجليزية يبدأ التعليق التهكمي بوجه عام بنبرة صوت خفيضة، لكن لدى متحدثي الكانتونية يكون العكس صحيحًا؛ فنبرة الصوت المرتفعة تنم عن وجوب عدم الانتباه إلى حرفية التعليق.

أشار إخصائيو علم النفس التطوري إلى العديد من التفسيرات المحتملة لميلنا إلى السخرية؛ فربما تسمح لنا بالتحقُّق ممَّا إذا كان الآخرون لديهم وجهة النظر نفسها أو المستوى نفسه من الذكاء، أو ربما تُمكننا من التعبير عما لدينا من إحباط وانتقاد للآخرين دون الظهور بمظهر عدائي واضح. وفي سلسلة من الدراسات أُجريت عام ٢٠١١، اختبر الباحثون في إسرائيل الطرق المختلفة التي يشكو بها الناس مشكلاتهم لممثلي خدمة العملاء، ووجدوا أنه بينما أعاقت العدوانية الصريحة قدرة ممثلي الخدمة على التفكير في حلول خلَّاقة، فإن السخرية حسَّنت بالفعل من هذه القدرة.

كانت النتيجة مثيرة للدهشة؛ نظرًا لأنه يجب علينا التنقُّل بين الكثير من العمليات العقلية قبل فَهْم جملة يعتمد معناها على أكثر مما تشير إليه الكلمات. وأظهر علماء الأعصاب أن الجمل الساخرة والتهكمية عادةً ما تستغرق وقتًا أطول في معالجتها من الجمل التي يؤخذ معناها حرفيًّا، وأنها تعتمد على نطاق أوسع من الشبكات العصبية المرتبطة ليس فقط بالفَهْم اللفظي، بل أيضًا بتفسير القَصْد والمعلومات الاجتماعية. وتقول كيت رانكن؛ المتخصصة في علم النفس العصبي بجامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو: «إذا فَقَدَ فجأة شخص ما قدرته على فهم الدعابات؛ فهذه علامة على وجود مشكلة ما في دماغه.» فعدم فَهْم قَصْد التهكم ربما يكون أحد العلامات الأولى الدالَّة على شكل من أشكال الخلل العقلي. ويعاني المصابون بالتوحد أيضًا صعوبةً في فهم السخرية، رغم أن جوناثان توربوكس، المتخصص في علم النفس السلوكي، اكتشف — بالتعاون مع جمعية «أوتيزم ريسيرتش جروب» في ثاوزند أوكس، كاليفورنيا — أن التدريب لبضعة أشهر يمكن أن يساعد الأطفال المصابين بالتوحُّد على فهم دلالات السخرية، حتى يصلوا إلى مرحلة يبدءون فيها استخدامها بأنفسهم.

خوارزمية رصْد السخرية

مهما بلغت براعة تمرُّسنا في استيعاب التعليقات الساخرة، فقد نجد أنفسنا في وقت ما أمام تعليق لاذع ينطوي على معنًى نعجز عن فهمه. فكما اكتشف تسور، فإن الكلمة المكتوبة على وجه الخصوص تُعد منطقة وعرة. ربما يرجع هذا إلى أننا لسْنَا على دراية بالدلالات المهمة — التي تشير في النصوص المكتوبة إلى السخرية — والتي تصدر طبيعيًّا في الكلام؛ فأنت لا تستطيع أن تحرك عينيك غضبًا واستياءً في رسالة البريد الإلكتروني. أدَّت هذه الصعوبات في النهاية إلى أن يُصمِّم تسور خوارزمية لرصد السخرية تلقائيًّا، ولكن باءت تجربتُه الأولى بالفشل، وقد كانت قائمة على مدى توافُق التقييم بالنجوم المُقدَّم من المُشترين على موقع أمازون مع أسلوب تعليقاتهم، لكن عندما اشترك مع اثنين من زملائه نجحت التجربة؛ إذ كانت الخدعة تكمن في تزويد الكمبيوتر بالأمثلة المناسبة.

تخير الفريق بضع مئات الأمثلة الواضحة من تعليقات موقع أمازون الساخرة — على سبيل المثال: «هذا الكتاب رائع للمصابين بالأرق.» — وزوَّدوا خوارزمية التعلُّم الآلي بها. وفي نهاية مرحلة التعلم، كانت الخوارزمية قادرة على التعرف بنجاح على ٧٨ في المائة من تعليقات موقع أمازون الساخرة، و٨٣ في المائة من التغريدات الساخرة على موقع تويتر. ويرى تسور أن هذه الخوارزمية حققت نجاحًا أفضل على تويتر بسبب تقيُّده بعدد ١٤٠ رمزًا فقط في التغريدة الواحدة. «يفتقر تويتر إلى وجود سياق؛ لذا عندما يحاول الناس السخرية يُوضِّحون سخريتهم بصورة أكبر.» وفي بعض الحالات يضيف المستخدمون الهاشتاج #sarcasm إلى تغريداتهم.

ترك تسور — إلى حد كبير — البحث في مجال السخرية من أجل استكشاف جوانب أخرى لمعالجة اللغة، وهو الآن مستقر في العمل في كلية الهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة هارفرد، بَيْدَ أن آخرين تولوا هذه المسئولية باستخدام المزيد والمزيد من الخوارزميات. وربما يستفيد من هذه الأبحاث أيضًا أولئك الذين يعانون صعوبة في فهم الفروق الدقيقة في الكلام؛ فقد اخترع أندرو روزنبرج — بجامعة مدينة نيويورك — برنامجًا بإمكانه رصد السخرية على نحو صحيح من خلال التغيرات في نبرة الصوت، وذلك في أكثر من ٨٠ في المائة من الحالات.

وثمة تطبيقات كثيرة محتملة لهذا، بدايةً من المُسوِّقين الذين يأملون متابعة ردود الفعل العامة على منتجاتهم، وحتى الناس الذين يريدون قضاء بعض الوقت في التعرُّف على ثقافة مختلفة وتعلُّم لغة جديدة. وعلى أي حال، ربما يكون هذا ضروريًّا لبرامج الترجمة على الكمبيوتر. وعقب نشر تسور بحثه عن خوارزميته، تلقى أيضًا العديد من رسائل البريد الإلكتروني من أشخاص مصابين بالتوحد يرونه مفيدًا لهم.

إلا أنه ليس من المرجح أن يتوفَّر لدينا قريبًا أجهزة آلية لرصد السخرية على الشبكة العنكبوتية؛ فالغموض جزء من ثراء اللغة. وربما لهذا يقاوم الناس المحاولات الطويلة الأمد التي تهدف لإدخال علامات ترقيم أو وجوه تعبيرية تُعبِّر عن السخرية في المواد المطبوعة. ويقول تسور: «إنها فكرة سيئة؛ مثل شرح الدعابة.» لأنها تحرمنا متعة اكتشافها بأنفسنا، أو كما قال أحد المُعلِّقين مُصطنعًا الجدية في سياق مناقشته هذه «الإشارات التهكمية»: «إنها أفضل فكرة على الإطلاق؛ إنني لا أستطيع تخيُّل الحياة دونها.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Abdelhamid Lyazrhi ·١٥ ديسمبر ٢٠١٤، ٠:٢٧ ص

    السخريةلامناص منها في عالم اصبح كل ما فيه يدعو الى السخرية

  • default avatar
    حسن حسن ·٩ ديسمبر ٢٠١٤، ١٣:٩ م

    شو يعني اسرائيل؟؟

    • photo avatar
      Mohammed Bronz ·١٤ ديسمبر ٢٠١٤، ٢٢:١٢ م

      لا اعرف تحديداً ولكن اجزم انها متحكمة في العالم