«إنهم يشمئزون من ارتباط كِبر السن لدينا في كثير من الأحيان بالتعاسة الشديدة.»
«إنهم يشمئزون من ارتباط كِبر السن لدينا في كثير من الأحيان بالتعاسة الشديدة.»

يتناول كتابك موضوع المجتمعات التقليدية، فهل تأمل أن يلقي الضوء على أسلوب حياتنا في الماضي؟

نعم، تقدم لنا المجتمعات القبلية لمحة عن أسلوب حياتنا جميعًا بالأمس القريب عبر تغير الأجيال المتلاحقة، ولديها كذلك الكثير لنتعلمه منها عن كيفية التعامل مع مشاكل الإنسان بوجه عام.

تعتمد في كتابك اعتمادًا كبيرًا على زياراتك لغينيا الجديدة التي استمرت على مدار ٤٣ عامًا، فلماذا اخترت الذهاب إلى هناك منذ البداية؟

كنت وقتها شابًّا متحمسًا للاستكشاف، فسألت نفسي ما أكثر مكان في العالم تمتعًا بطبيعة بدائية وأعظمها مغامرةً؟ وكانت الإجابة هي غينيا الجديدة. لذا ذهبت إلى هناك وأحببت المكان، ولا زلت أزورها منذ ذلك الحين.

ما الذي جعلك تقع في حب هذا البلد؟

إنه أحد الأماكن الثلاثة في العالم التي يتساقط فيها الثلج على خط الاستواء، والبلد الوحيد الذي تستطيعين فيه الوقوف على الشعاب المرجانية والتطلع إلى اللون الأبيض المميز للأنهار الجليدية، وهو يحوي أيضًا تشكيلة كاملة من المواطن الطبيعية التي تتركز في مساحة تبلغ بضعة أميال. أما عن سكان غينيا الجديدة، فهم ينتمون إلى ألف قبيلة مختلفة، ويتكلمون ألف لغة. وهم أناس رائعون مفعمون بالحيوية ويتمتعون بجرأة في التعامل، فيجري ما في عقولهم على ألسنتهم، وقد تعلمت الكثير منهم.

ما الذي تعلمته من غينيا الجديدة؟

عندما ذهبت إلى هناك عام ١٩٦٤، كان السكان البسطاء بدائيين من الناحية التكنولوجية؛ فكانوا يستخدمون أدوات مصنوعة من الحجر، ولم يكن لديَّ أي فكرة عما سيكون عليه فكرهم، لكني أدركت بعد فترة قصيرة للغاية أنهم يشبهونني من الناحية الفكرية والعاطفية. ثم اكتشفت تدريجيًّا بعد ذلك بعض الاختلافات المهمة بيننا؛ مثلًا في سلوكيات تعاملهم مع الخطر وطريقة تربيتهم للأطفال.

ما الذي يميز طريقتهم في تربية الأطفال؟

يتعجب المراقبون من خارج البلد بصفة عامة من النضج المبكر للمهارات الاجتماعية لدى الأطفال في المجتمعات القبلية. ففي معظم الثقافات التقليدية، للأطفال الحق في اتخاذ قراراتهم الخاصة، مما قد يصيبنا أحيانًا بالرعب لأن طفلًا يبلغ من العمر عامين قد يقرر مثلًا اللعب بجوار النار وحرق نفسه. لكن السلوك السائد لديهم هو حتمية تعلم الأطفال من تجاربهم الخاصة.

ما دور الأسرة والمجتمع في تلك المجتمعات التقليدية؟

ينام الأطفال مع أبويهم حتى يتمتعوا بالأمان التام، ويرضعون متى يرغبون، وكذلك يقضون وقتهم وسط مجموعات لِعب تتضمن أطفالًا من أعمار مختلفة، وهكذا مع بلوغهم سن المراهقة، يكونون قد قضوا ١٠ أعوام في تربية أقاربهم الصغار.

هل لاحظت أي جوانب سلبية؟

تمارس تلك المجتمعات العديد من السلوكيات الرائعة، إلا أن بعض ممارساتهم تبدو لنا مفزعة، مثل قتل كبار السن أو الرضع من حين لآخر أو شن الحروب باستمرار.

ما الحالات التي قد يُقتل فيها كبار السن؟

في معظم المجتمعات التقليدية التي تعيش في قرى مستقرة دون ترحال، يتمتع كبار السن بحياة أكثر سعادة ورضًا من أقرانهم في المجتمع الغربي؛ إذ يقضون حياتهم مع أقاربهم وأطفالهم وأصدقاء العمر. وكذلك في المجتمعات التي لا تعرف الكتابة، يحظى كبار السن بتقدير نظرًا لما يتمتعون به من نفاذ بصيرة ومعرفة.

لكن في المجتمعات البدوية المرتحلة، من المعروف أنك إن اضطررت إلى الارتحال، حاملًا بالفعل أطفالك ومتعلقاتك، فلا يمكنك عندئذٍ حمل العجائز، ولا يوجد بديل آخر.

ماذا يحدث لكبار السن في القبائل البدوية المرتحلة؟

هناك سلسلة من الاختيارات تنتهي جميعها بتركهم أو قتلهم، وأرقُّها هو تركهم والتخلي عنهم مع ترك الطعام والماء لهم حال استردوا قوتهم واستطاعوا اللحاق بباقي القبيلة. وفي بعض المجتمعات، يطلب كبار السن بأنفسهم أن يُقْتلوا. أما في مجتمعات أخرى، فإن كبار السن يتعرضون للقتل دومًا، فمثلًا لدى قبائل أتشِه في باراجواي شباب تنحصر وظيفتهم في قتل كبار السن.

هل يُقتل الأطفال أيضًا في بعض الأحيان؟

ينتشر قتل الأطفال في أنحاء العالم كافة، ومرةً أخرى تتبادر إلى الأذهان مدى فظاعة الأمر، لكن ماذا عساهم أن يفعلوا؟ إذا كنت تعيش في مجتمع هامشي حيث من الصعب الحصول على طعام كافٍ، لا يمكنك حينئذ تحمل أعباء من هم عالة عليك. فإذا وُلد طفل يعاني إعاقة بدنية تمنعه من أن يصبح عضوًا مستقلًّا في المجتمع وقادرًا على إطعام نفسه، فالواقع يقضي بأن المجتمع عادةً لن يتمكن من تدبر أمر ذلك الطفل. ومن ثم، تتحمل الأم مسئولية حسم ما إذا كان الطفل قد وُلدَ معافًى، وفي تلك الحالة تمنحه اسمًا وتنقذه من الموت. فالأم هي من تقرر ما إذا كان للطفل أن يعيش أم لا.

هل تنظر المجتمعات التقليدية إلى معظم مواطني الغرب باعتبارهم عالة على مجتمعاتهم؟

بالنسبة لهم، أنا وأنتِ عالة على المجتمع، لأننا لا نزرع طعامنا، بل نحن عالة على نسبة اﻟ ٢٪ من الأمريكيين والبريطانيين الذين ينتجون الطعام. ففي مجتمعنا المعقد، يستطيع ٢٪ فحسب من السكان إنتاج كل ما يحتاجه الآخرون من طعام، لكن في أماكن مثل غينيا الجديدة، يجب على الجميع العمل في مجال إنتاج الطعام.

لماذا تعتقد أن تحسين صورة أسلوب الحياة القبلي التقليدي من الأمور المحببة إلى نفوس البعض؟

يسود لدى عموم الناس ولدى بعض علماء الأنثروبولوجيا اعتقاد بأن سكان القبائل التقليدية يعيشون في سلام، لكن في الواقع لا يسري على الغالبية العظمى منهم هذا الوصف، إذ إن الحياة في سلام تتطلب وجود حكومة مركزية.

لماذا لا تستطيع المجتمعات التمتع بالسلام دون وجود قادة أقوياء؟

تسير الأمور على نحو ديموقراطي إلى حد ما لدى الجماعات أو القبائل الصغيرة، فمع قلة عدد السكان يمكنك اتخاذ القرارات في حضور الجميع. لكن إذا حصلت على موافقة ١٠٠ شخص على معاهدة سلام مع قبيلة مجاورة، فستجد دومًا شبابًا متهورين لا يزال لديهم شعور بالظلم يدفعهم إلى خرق الهدنة وقتل شخص ما، ومن ثم تدور الدوائر من جديد. ويتطلب كبح هؤلاء المتهورين وجود سلطة مركزية. لذا لا تستطيع المجتمعات القبلية فرض سلام دون وجود قائد قوي. إذن يكمن السبب وراء انتشار المجتمع الحكومي — وتحمل المزارعين لمَن يعتبرونهم عالة على المجتمع — في قدرته على حفظ السلام وتسوية النزاعات.

إذن، هل تجتنب الدول القومية الثأر المباشر؟

إن تعرضت سيارتكِ لحادث، فلستِ مسئولة عن الحصول على تعويض ممن تسبب في كسر ساقك، إذ يتولى نظام الدولة القانوني تلك المهمة نيابة عنك، مما يفسر السبب وراء انتقال المجتمعات التقليدية إلى المجتمع الحكومي، وليس العكس. وتدرك المجتمعات التقليدية حاليًّا فوائد سلطة الدولة.

ما رأي مواطني غينيا الجديدة في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة؟

أخبرني أهل غينيا الجديدة بكل صراحة عما يحبونه وما لا يحبونه في مجتمعنا. فهم يحبون كل السلع المادية مثل الشمسيات وأعواد الثقاب والغراء، ويعجبون بأن أطفالنا عادةً لا يموتون لأسباب موت أطفالهم. إلا أن أسلوبنا في تربية أطفالنا يثير الفزع لديهم، فهم لا يتصورون حرمان الأطفال من الجري بين البيوت وحولها. وعندما بدءوا التعرف على مجتمعنا، أصابتهم الصدمة من الوحدة التي نعيش فيها ومن قلة العلاقات الشخصية بيننا، كما أنهم يشمئزون من ارتباط كِبر السن لدينا في كثير من الأحيان بالتعاسة الشديدة.

هل جربت التواصل «دون مقدمات» مع قبيلة لم يعرفها أحد من قبل؟

الشيء المحمود أنني لم أتعامل قط مع سكان قبائل لم يسبق لهم التواصل بثقافة مختلفة، إذ يعدُّ التورط في ذلك الموقف أمرًا خطيرًا، فلا أحد يعرف عندها كيف سيتصرف الطرف الآخر.

نبذة عن جاريد دايموند

هو أستاذ جغرافيا في جامعة كاليفورنيا، بلوس أنجلوس، ومن أحدث إصدارته كتاب بعنوان «العالم حتى أمس: ما يمكن تعلمه من المجتمعات التقليدية؟» (ألين لين/فايكينج)

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.