ذاتك الأخرى.
ذاتك الأخرى.

إن التخلص من الجثث يمكن أن يكون صعبًا؛ فإذا دفنتها في قبر قليل العمق، فستكون عرضة لنبش الحيوانات الجائعة. تواجه أجسامنا مشكلة مماثلة بعض الشيء فيما يتعلق بالتخلص من المواد غير المرغوب فيها. يمكن تشبيه إحدى طرق تنقية الكبد للدم بإعطاء تعليمات إلى الجزيئات ﺑ «التخلص من هذه المواد»، غير أن هذه التعليمات تكون في صورة مادة مصنوعة من نوع من السكر — والبكتيريا التي في أمعائنا تعشق المواد السكرية. بعض البكتيريا تفرز إنزيمًا خاصًّا يسمح لها بتكسير السكر وتناوله؛ الأمر الذي يُسفر غالبًا عن إعادة تدوير مركبات بداخل الجسم بدلًا من التخلص منها.

في ثمانينيات القرن العشرين، استخدم ريتشارد جيفرسون الإنزيم لابتكار طريقة فعالة يعتمد عليها الآن آلاف من علماء الهندسة الوراثية حول العالم. في الوقت نفسه، كان يحيره الدور الطبيعي للإنزيم. يساعد مفعول الإنزيم المتعلق بإعادة التدوير في تحديد مستويات الدم للعديد من المركبات، بما فيها المواد المهمة مثل الهرمونات الجنسية. وأدرك جيفرسون أنه لا بد أن البكتيريا بداخلنا — التي هي أبعد ما تكون عن عدم الفعالية — تؤثر فينا تأثيرًا بالغًا.

وفي العَقد المنصرم، أصبح هذا الرأي هو الاتجاه السائد، وأثبتت دراسة تلو أخرى كيف يمكن أن تؤثر الميكروبات التي تعيش بداخل أجسامنا وتقتات علينا — الميكروبيوم (نبيت جرثومي) — على صحتنا بل وسعادتنا. لكن بالعودة إلى ثمانينيات القرن العشرين ارتقى جيفرسون بهذه الفكرة؛ فقد رأى أنه إذا كانت الميكروبات على هذا القدر من الأهمية، فلا بد أنها تلعب دورًا كبيرًا في التطور أيضًا. يقول جيفرسون: «الجينوم الكامل هو أكبر قفزة فكرية تحققت في حياتي.»

غير أن جيفرسون كان منهمكًا في ضبط تقنيته الوراثية والمساعدة في تنظيم أول تجربة ميدانية لنبات معدل وراثيًّا عام ١٩٨٧. وفي وقت لاحق، ترك المجتمع الأكاديمي وذاع صيته بسبب جهوده لجعْل التكنولوجيا الحيوية مفتوحة المصدر؛ من ثَمَّ يمكن استخدامها لمنفعة الجميع دون الاقتصار على عدد معين من المؤسسات الثرية. ولم يُقدِم قط على الإعلان عن نظرية الجينوم الكلي رسميًّا، مع أنه كثيرًا ما تحدث عنها في الاجتماعات.

وبعدها بعقدين من الزمن، توصل باحث آخر إلى فكرة شديدة الشبه، بل وأطلق عليها الاسم نفسه. ومع أن مرحلة استكشاف هذا المنهج لا تزال في بدايتها، تبدأ في البزوغ تلميحات تفيد بأن الميكروبات التكافلية يمكنها أن تلعب بحقٍّ دورًا في التطور أكبر بكثير مما دار بخلد أحد.

ما أدهش جيفرسون هو أن الميكروبيوم بداخلنا يلعب دورًا حيويًّا في بعض العمليات الرئيسية. فعلى سبيل المثال، تؤثر فينا نسب من هرمونات الجنس تأثيرًا واضحًا بطرق شتى، ومع ذلك يُدور ٦٥٪ تقريبًا من التستوستيرون الدائر في الدم من خلال ميكروبات، طبقًا لإحدى الدراسات التي عثر عليها جيفرسون مصادفةً في ذلك الوقت.

للميكروبات أهمية أيضًا في إنتاج الجزيئات العطرية الصغيرة التي تمنح كلًّا منا رائحة فريدة، ما لم تكن دائمًا رائحة مقبولة اجتماعيًّا. لا يفرز الجسم هذه الجزيئات مباشرةً، وإنما يفرز موادَّ أولية تُسمى الأندروستين تُحوِّلها البكتيريا التي تعيش على جلدنا إلى جزيئات الأندروستينول المتطايرة التي يُشار إليها أحيانًا بالفيرمونات. ورغم أن دور هذه الجزيئات في عملية الانجذاب الجنسي لدى الإنسان مثار جدل شديد، فإن لها دورًا تؤديه بالفعل عند بعض الحيوانات. يقول جيفرسون: «يتأثر كلٌّ من الخصوبة والقدرة الإنجابية وانتقاء قرين التزاوج — الثلاثي المهم في عملية الانتخاب الدارويني — بالميكروبيوم.»

يشير هذا إلى أن نجاح التكاثر عند النباتات والحيوانات قد يعتمد اعتمادًا جزئيًّا على مجموعة ميكروبات بعينها يُئْويها كل فرد. نعرف بلا ريب أن للطفيليات والأوبئة تأثيرًا سلبيًّا ضخمًا على لياقتنا، لكن جيفرسون أدرك أن الميكروبات يمكنها أن تعزز اللياقة أيضًا، بل وخلص إلى أنها على درجة كبيرة من الأهمية حتى إنه بدلًا من أن نفكر في نبات أو حيوان منفرد، يجدر بنا أن نفكر في الجمع بأكمله بما في ذلك الميكروبيوم؛ «وحدة الأداء».

صرح جيفرسون في أحد الاجتماعات في كولد سبرنج هاربر بنيويورك عام ١٩٩٤، الذي استعرض خلاله أفكاره باختصار، قائلًا: «تشمل الوحدة إسهامات عديدة — وأحيانًا آلافًا — من الجينومات المفردة في تشكيلات وأعداد متنوعة.» وأكد جيفرسون أن وحدة الأداء هذه هي وحدة الانتخاب.

في الوقت نفسه، كان عالم الأحياء الدقيقة يوجين روزنبرج من جامعة تل أبيب في إسرائيل يدرس المرجانيات في شرق البحر المتوسط، حيث أدى الارتفاع في درجة حرارة البحر إلى انتشار كثيف للتبييض الذي يحدث للشعاب المرجانية عندما تفقد الطحالب التي توفِّر معظم غذائها. وجد روزنبرج أن الارتفاع في درجات الحرارة في الشعاب المرجانية المتفشية «أوكولينا باتاجونيكا» أدى إلى حدوث عدوى عن طريق بكتيريا «فيبريو شيلوي» التي تسبب التبييض. وقد ظن أن عدوى الفيبريو واسعة الانتشار هذه سوف تقضي على الشعاب المرجانية؛ فهذه الكائنات لا تملك في حقيقة الأمر جهازًا مناعيًّا قادرًا على التكيُّف لمقاومة المرض، ولا يمكنها أن تنجوَ من التبييض طويل المدى أو المتكرر. لقد جانبه الصواب؛ ففي وقت مبكر من العقد الأول من هذه الألفية بدأت الشعاب المرجانية تقاوم بكتيريا فيبريو. وحيث إنه — على ما يبدو — لم تتغير كلٌّ من البكتيريا والشعاب المرجانية، اقترح روزنبرج وزملاؤه أنه لا بد أنَّ تغيرًا ما طرأ على ميكروبيوم الشعاب المرجانية هو المسئول. تُئْوي الشعابُ المرجانية ميكروبات غفيرة، بالإضافة إلى طحلب الأشنة الذي يقوم بعملية البناء الضوئي، وحدوث تغير في هذا التجمع قد يمكِّن الشعاب المرجانية من التخلص من ميكروب فيبريو المُعدي.

هذه الفكرة مثار جدل؛ فبعض الباحثين يرون أن الجهاز المناعي للشعاب المرجانية قادر على التكيف، لكن ما يعنينا هو كيف شكَّل هذا تفكير روزنبرج. عرف روزنبرج أن معظم الحيوانات تُئْوي مجموعة كبيرة من الميكروبات التي تنتقل عادة من جيل إلى جيل على نحوٍ مباشر أو غير مباشر. وقد جعله اشتغاله بالشعاب المرجانية يدرك — على غرار جيفرسون من قبله — أن نجاة الحيوانات أو لياقتها لا تعتمد غالبًا على جيناتها فحسب، وإنما أيضًا على جينات الميكروبات التي ترثها. إذا كان ممكنًا أن يجعل حدوثُ تغير ما في الميكروبيوم الشعابَ المرجانية تقاوم العدوى، وأمكن انتقال هذا التغير عبر الأجيال، فإن هذه الشعاب طوَّرت — على نحو فعال — قدرة جديدة، على الرغم من أن الجينوم الخاص بها لم يتغير.

البكتيريا جزء أصيل في تكويننا

يرى روزنبرج أن فصل الكائن الحي عن الميكروبيوم الخاص به أمر مصطنع؛ فبمنظور الانتخاب الطبيعي هما كائن حي واحد. يحدث الانتخاب لمزيج يجمع بين جينوم العائل وجينومات الميكروبيوم. وعلى غرار جيفرسون، أطلق روزنبرج على هذا اسم الجينوم الكلي أو الهولوجينوم اشتقاقًا من هولوبايونت؛ وهو مصطلح يصف الكيان الجمعي الذي تشكله المتكافلات. ويمكن اعتبار الهولوبايونت كائنًا فائقًا، كما أشار في أحد أبحاثه عام ٢٠٠٧.

بالمثل يؤكد جيفرسون أن كل البكتيريا التي تؤدي وظائف نافعة بداخل أجسامنا — وعليه فإنها ليست مجرد متكافلات، ولكن بالأحرى هي جزء منا — تشبه عمَّالًا يعملون عن بُعد لدى إحدى الشركات العملاقة التي تستعين بعمالة خارجية في مجال التصنيع، أو ما يُعرف بالتعهيد. ويبقى العمل الذي ينجزه العمَّال على نفس القدر من الأهمية للشركة رغم أنه يُنفَّذ عن طريق عمَّال خارجيين لا تُعيِّنهم الشركة تعيينًا مباشرًا. «البكتيريا هي نحن» كما يصفها جيفرسون. تدعم دراسات حديثة هذه الفكرة، مثل تلك الدراسة التي أُجريت عام ٢٠١١، والتي أشارت إلى أن الفئران تحتاج إلى النُّبيتات الجرثومية المعوية كي تنمو أدمغتها نموًّا طبيعيًّا.

المهم أن ميكروباتنا يمكن أن تتغير بالطبع. توقع روزنبرج — استنادًا إلى نظرية الجينوم الكلي التي وضعها — أن معظم الحيوانات ترث نفس الميكروبات تقريبًا مثل الجيل السابق، وأن الأنواع المرتبطة ارتباطًا وثيقًا ستملك ميكروبيومات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا. لكن التغيرات التي تطرأ على الميكروبيوم — من تَحوُّل في معدل الميكروبات المختلفة إلى اكتساب ميكروبات جديدة — يمكنها أن تسمح للهولوبايونت بالتأقلم السريع مع الظروف المتغيرة، بل وحتى اكتساب قدرات جديدة إبان فترة حياته. ويرى روزنبرج أن التفكير في ضوء هذا سيؤدي إلى رؤًى جديدة.

لاقت هذه الأفكار جمهورًا مُرحبًا وسط علماء الأحياء الدقيقة. فرغم كل شيء، يشير روزنبرج إلى أنهم «لطالما كانوا يقولون إن «البكتيريا تأتي في المقام الأول»». يقول سيث بوردنشتاين — عالم بيئة الميكروبات وعالم الوراثة التطورية بجامعة فاندربيلت بمدينة ناشفيل في تينيسي — إن حقيقيات النوى هي كائنات فائقة، ويضيف: «يجدر بنا أن نتأمل سجل المعلومات الوراثية الإجمالي الذي يمكِّن حقيقيات النوى من أداء دورها.»

على سبيل المثال، في إحدى الدراسات التي أُجريت مؤخرًا، عالج فريق بوردنشتاين النمل الأبيض بالمضاد الحيوي ريفامبيسين لقتل بعضٍ من ميكروباته، فوجدوا أن المستعمرات التي أقامها النمل المعالَج بالمضاد الحيوي أنجبت نسلًا أقل بكثير من المستعمرات الأخرى. من أحد الأسباب المحتملة لهذا أن إحداث اضطراب للميكروبات المعوية للنمل يقلل قدرة الحشرة على استخراج العناصر الغذائية من الطعام.

وجد بوردنشتاين أيضًا أنه وسط دبابير ناسونيا الطفيلية، فإن الأنواع ذات العلاقات التطورية الأكثر تقاربًا معها تحمل ميكروبات أكثر تشابهًا، تمامًا مثلما تنبأ روزنبرج. لكن رغم هذه الاكتشافات، لم يَلقَ مفهوم الجينوم الكلي ترحيبًا حارًّا في أوساط الأحياء التطورية.

يقول أندي جاردنر بجامعة أكسفورد الذي يدرس التطور الجمعي: «أؤكد أن معظم علماء الأحياء التطورية سيتفقون على أنه يوجد قطعًا الكثير من التعاون، لكن هناك مجالًا للصراع أيضًا؛ من ثَمَّ سأكون أقل نزوعًا نحو تجميع كل هذه الخلايا معًا ككائن وحيد متكامل؛ لأن الخلايا الميكروبية أحيانًا تفعل أشياء لا تكون مفيدة للعائل.»

ومن الأسباب الأخرى التي تدعو للريبة أنه يوجد بُعدٌ مرتبط بالفكر اللاماركي في نظرية الجينوم الكلي؛ ففي وقت مبكر من القرن التاسع عشر، استنبط جون باتيست لامارك إحدى نظريات التطور التي تتضمن الفكرة الشائعة حينذاك القائلة بأن الكائنات الحية يمكنها أن تورِّث سمات تكيفية تكتسبها على مدار حياتها؛ ومن ثَمَّ استطال عنق الزرافة لأنها اعتادت مدَّ عنقها. اعتقد داروين في صحة فكرة مشابهة، لكن مثل هذه الأفكار أصبحت مرفوضة بعد تطور علم الوراثة الحديث، يقول روزنبرج: إن نظرية الجينوم الكلي تشير إلى أن الحيوانات يمكنها أن تتطور أحيانًا من خلال وراثة الخصائص المكتسبة، لكنها تشير إلى ذلك بطريقة يمكن التحقق منها بالتجربة.

بعدما نشر روزنبرج أفكاره، بدأ هو وزوجته إيلانا زيلبر روزنبرج في البحث في الأدبيات القديمة بحثًا مكثفًا للعثور على دراسات ذات صلة، فعثرا مصادفةً على بحث يعود إلى عام ١٩٨٩، أعدته ديان دود التي كانت حينها تقوم بدراسات ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل، والتي اكتشفت أن تغيير النظام الغذائي لذبابة الفاكهة من شأنه أن يغير خيارات تزاوج الذبابة بعد جيلين فقط.

قال روزنبرج: «عندما قرأت هذا تهللت فرحًا؛ فلا بد أن المسئول عن هذا هو الميكروبات. أدركت هذا في الحال، فما من شيء آخر يمكنه أن يعلل مثل هذا التغير السريع.»

ولإثبات هذا، طلب روزنبرج من أحد طلبة الدكتوراه الذين يدرسون تحت إشرافه، وهو طالب يُدعى جيل شارون، أن يحاول تكرار النتائج التي توصلت إليها دود. وبالفعل بعد جيلين، لم تعد الحشرات التي أُطعمت دبس السكر تتزاوج مع الحشرات التي تتغذى على النشا المعتاد. ثم أعطى شارونُ الحشرات ريفامبيسين لقتل البكتيريا؛ فكانت النتيجة أن الحشرات التي تتغذى على النشا تزاوجت في سعادة مع الحشرات التي تتغذى على دبس السكر؛ مما أثبت أن البكتيريا كانت هي السبب حقًّا (بي إن إيه إس، مجلد ١٠٧، صفحة ٢٠٠٥١).

في الوقت الذي كان يسجل فيه روزنبرج النتائج التي توصل إليها، كان جيفرسون قد أقدم أخيرًا على نشر ملخص لنظريته حول الجينوم الكلي في مدونة كامبيا — وهي منظمة غير هادفة للربح يديرها في أستراليا — الأمر الذي دفعه إلى إجراء بحث مكثف على شبكة الإنترنت؛ حيث عثر في أثنائه على عمل روزنبرج. حينذاك واجه جيفرسون محنة؛ فمن جهةٍ أراد أن يتصل بروزنبرج ليعرف كيف توصل إلى أفكاره، ومن جهة أخرى كما جاء على لسان جيفرسون: «يمكن أن يكون العلماء حمقى.» لكن الغلبة كانت لفضوله. وفي العاشر من مارس ٢٠١٠، جلس جيفرسون وشرع في الكتابة. بدأت رسالته الإلكترونية كالآتي: «عزيزي البروفسور روزنبرج، أكتب إليك لأهنئك والبروفسورة زيلبر روزنبرج على عملكما الذي يتسم بالوضوح والإقناع خلال السنوات المنصرمة حول نظرية الجينوم الكلي.» فتح روزنبرج البريد الإلكتروني في الصباح التالي وتعجب، تُرى من عساه أن يكون ريتشارد جيفرسون هذا؟! في البداية لم يكن متأكدًا من الطريقة التي يجيبه بها خشية أن يكون شخصًا غريب الأطوار. ومع ذلك بعد قراءة الرسالة مرارًا وتكرارًا، خلص إلى أنه سواءٌ كان غريب الأطوار أم لا فهو قطعًا فهم عمله؛ وعليه، ردَّ روزنبرج: «عزيزي ريتشارد، يا لَلروعة! ما أمتع قراءة رسالتك ومدونتك!»

خالق الأنواع

مع أن روزنبرج لم يدرك ذلك في حينه، فإن نتائجه بشأن ذبابة الفاكهة اتفقت أيَّما اتفاق مع أفكار جيفرسون حول أهمية البكتيريا في الخصوبة واختيار قرين التزاوج. حدت النتائج أيضًا بالكثير من علماء الأحياء أن ينتبهوا؛ لأنها ترمي إلى احتمال مثير للاهتمام.

بينما يفسر الانتخاب الطبيعي كيف تتغير الأنواع بمرور الوقت، فإن تعليل كيفية نشأة الأنواع الجديدة في الأساس أثبت أنه أمر أكثر تعقيدًا. في حقيقة الأمر لم يتحدث داروين قط في كتابه «أصل الأنواع» عن أصل الأنواع. فبمفهوم عام، يعرف علماء الأحياء النوع على أنه مجموعة من الكائنات المتشابهة التي لا يمكنها أن تتناسل إلا فيما بينها. وعندئذٍ أي شيء من شأنه أن يمنع مجموعات الكائنات من التزاوج فيما بينها يمكن أن يؤديَ إلى تشكيل أنواع جديدة.

مثل هذا العزل التوالدي يمكن أن يحدث من خلال نشوء سلسلة جبال جديدة، أو الانعزال في جزيرة نائية، أو التغيرات في تفضيلات التزاوج، أو الطفرات التي تمنع سلالتين من إنجاب ذرية قابلة للنمو إذا تزاوجتا، رغم أنه لا يزال هناك الكثير من الجدل حول التفاصيل. وعندئذٍ، من الناحية النظرية، إذا تسبب تغيُّر في النظام الغذائي في حدوث تحوُّلات في البكتيريا المعوية التي تؤثر على تفضيلات تزاوج الذبابة؛ فإن ذلك يمكن أن يؤديَ إلى انشطار نوع إلى نوعين.

يرى بوردنشتاين أن الميكروبيوم يمكنه أن يؤديَ أيضًا إلى الانتواع (تشكل تطوري لنوع جديد) بطريقة أخرى؛ فعند تهجين أنواع مختلفة من دبابير ناسونيا يموت كثيرٌ من النسل في طور اليرقة. وقد انتهى لتوِّه هو وأحد طلبة الدراسات العليا الذي يُدعى روبرت براكر من إجراء تجارب تثبت — كما يظنان — أن حالات الوفاة هذه تحدث نتيجة لأن النسل الناتج ورث بكتيريا متنافرة. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن الاختلافات في الميكروبيوم يمكنها أن تمنع تهجين حيوانات متوافقة فيما بينها.

دور تطوري

في بحث نقدي نُشر في شهر أغسطس، أشار بوردنشتاين وبراكر أيضًا إلى أن اكتساب ميكروبات معينة يمكن أن يمنح الحيوانات القدرة على الْتهام نوع جديد من الطعام، أو البقاء على قيد الحياة في بيئة مختلفة. وبمرور الوقت يمكن أن يؤديَ أيضًا — نظريًّا — إلى الانتواع.

لكن هذه الحالة لا تزال في حاجة إلى إثبات، يقول عالم الأحياء التطورية سكوت جيلبرت، بكلية سوارثمور في بنسلفانيا: «لا أظن أننا نملك أي أدلة بعدُ على أنه كان هناك انتواع تسببه الميكروبات … لست على استعداد لأنْ أنحوَ هذا المنحى البعيد الآن. بمقدوري أن أجزم أن المتكافلات قادرة على منحنا تنوعًا قابلًا للانتخاب.»

يتفق جيري كوين، عالم الأحياء التطورية بجامعة شيكاجو مع هذا الرأي فيقول: «سمعت عن حالات نادرة للغاية تتسبب فيها المتكافلات الداخلية في الانتواع، وعن عدد هائل من الحالات تتسبب فيها التغيرات التي تطرأ على الجينات [العائلة] في الانتواع، وفيها رُسمت خريطة لتلك الجينات.»

يؤكد روزنبرج أن هذا صحيح، لكننا بدأنا في الملاحظة لتوِّنا، بل إننا حتى لا نعرف أي نوع من الميكروبات يوجد لدى معظم الحيوانات، ناهيك عن فهم دورها في التطور. ومع الأخذ بعين الاعتبار فيض الأدلة التي ظهرت مؤخرًا حول أهمية الميكروبات، ربما سيكون أمرًا مذهلًا إذا اتضح أن هذا الدور ليس أكبر مما اعتُقد قبلُ.

يقول ديفيد سلون ويلسون، من جامعة بينجامتون في نيويورك، الذي يدرس «الانتقاء الجماعي»: إنه حتى إذا اتضح فعليًّا أن الميكروبات التكافلية مهمة في تكوين أنواع جديدة، فإن هذا لا يؤيد بالضرورة مفهوم الكائنات الفائقة التي تملك جينومًا كليًّا. يمكن أن يكون الانتواع ناتجًا ثانويًّا لميكروب يتلاعب بالعائل لنفعه الخاص، وليس لميكروبات وعائل يتطوران معًا من أجل نفعهما الجمعي.

لا يوجد سوى النزر اليسير من الدلائل على كسب نظرية الجينوم الكلي لأتباع بين علماء الأحياء التطورية، غير أن علماء أحياء آخرين بدءوا يتبنون الرؤية نفسها. يقول بوردنشتاين: «لدينا مَيل للتفكير في الميكروبات على أنها منفصلة عن الجينات النووية، لكنني أظن أن أحدث الآراء تفيد بأن الميكروبيوم يعادل في أهميته الجينوم النووي، ويجدر النظر إليهما معًا.» تشير الاكتشافات المتعلقة بذبابة الفاكهة والدبابير إلى أن هذه النظرة يمكن أن تؤديَ بحقٍّ إلى رؤًى جديدة كما زعم روزنبرج. ويعبِّر بوردنشتاين عن هذا بمزيد من الحذر فيقول: «تساعد مصطلحات مثل «كائنات فائقة» و«الجينوم الكلي» على تلخيص مجموعة كبيرة من الأبحاث. المفهوم التكافلي للحياة المعقدة له علاقة أساسية وطبية حيوية أصبحت مقبولة بوجه عام.»

من وجهة نظر جيفرسون، هناك تبعات أكبر؛ إذ يشير إلى أنه ليس بمقدور الكائنات الكبيرة أن تتطور بمفردها سوى تطور تدريجي بطيء، لكن بالتعاون مع الميكروبات سريعة التطور يمكنها أن تنتفع بأحدث التطورات، مثلما اكتسب النمل الأبيض القدرة على هضم الخشب، وأصبحت البقول قادرة على صنع حاجتها من مخصبات النيتروجين. وهو يرى في ذلك تشابهًا مع العالم الحديث؛ فعندما تحتفظ الشركات بمعرفتها وتكنولوجيتها لنفسها، يصبح تطورها أبطأ بكثير مما لو عرضتها بحرية. فمنذ زمن داروين، انصبَّ كل التأكيد تقريبًا على التنافس باعتباره القوة الدافعة في التطور. ويقول جيفرسون إنه على الرغم من أهمية التنافس، فإن التعاون والتشارك أكثر أهمية.

تشبه رائحة الضبع

اشتمها كيفين ثيس قبل أن يراها. بعد أن أدار ثيس عينيه بحذر في أرجاء الفضاء الفسيح لإقليم السفانا بكينيا، حدد مكان مادة بنية زيتية تركها مؤخرًا أحد الضباع المرقطة بعد حكه لمؤخرته في الجزء العلوي من الحشائش. يكافئ هذا السلوك لدى الضباع إحدى صفحات الفيسبوك من حيث تقديم المعلومات عن صحة الحيوان ووضعه التناسلي ورتبته الاجتماعية.

تحتوي المادة الدهنية اللزجة كريهة الرائحة التي تُعرف باسم «المعجون» على مجموعة من المواد الكيميائية التي تُفرز من الجيوب الشرجية التي تُطلق الروائح الكريهة. يعتقد ثيس — من جامعة ميشيجان في إيست لانسنج — أن رائحة المعجون تنتجها ميكروبات تعيش في جيوب إطلاق الروائح. وقد أثبت أن مجموعات الضباع المختلفة تُئْوي مجموعات مختلفة من الميكروبات. ولمَّا كان التواصل الكيميائي في غاية الأهمية لمجتمع الضباع وتكاثرها؛ فإن التغيرات التي تطرأ على المحتوى البكتيري للمعجون قد تساعد في توجيه دفة عملية تطور الضباع (انظر الموضوع الرئيسي). ولعل هذا المحتوى كان له دور أيضًا منذ أربعة ملايين سنة، عندما انقسم أسلاف الضباع إلى نوعين؛ الضباع المرقطة والضباع المخططة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.