ربما يفضِّل جيفري كارجيل العيش على كوكبٍ آخر؛ فالأرض بالنسبة إليه ليست ذلك الكوكب المألوف بسمائه الزرقاء التي تتخللها سحب بيضاء؛ إنما هي كوكب جهنمي هامد يتوهج بلون أحمر غاضب؛ ففي أغلب مناطق عالمه، لا تغرب الشمس أبدًا، وتتسبب في إحماء الأرض لتتجاوز درجة حرارتها ألفَي درجة مئوية وتعمل على تبخير الصخور إلى السماء الحارقة. ظهر غطاء جليدي عملاق مغطًّى بصقيع من النيتروجين في الليل اللامتناهي في المنطقة المظلمة من الكوكب. وفي منطقة الشفق الغريب بين منطقتَي النهار المتواصل والليل السرمدي، تسقط ثلوج من الصوديوم والبوتاسيوم.

ما يتخيله كارجيل ليس كوكبًا غريبًا على بُعد سنوات ضوئية منا؛ إنما هو كوكب الأرض بعد ٧٫٥ مليارات سنة، عندما تكون الشمس قد تضخمت لتصبح نجمًا أحمر عملاقًا شديد الوطأة. ويأمل كارجيل — من خلال تصميم نماذج لمناخ وجيولوجيا الأرض في المستقبل — في دفع العلماء بشدة نحو معرفة كيف ستقضي الأرض أيامها الأخيرة؛ وهو شيء لم تتجشم سوى قلة قليلة عناء النظر فيه.

يقول جيفري كارجيل، عالم الكواكب من الوكالة الأمريكية للمسح الجيولوجي في فلاجستاف بولاية أريزونا: «قتل العلماء المائة سنة القادمة بحثًا، وهذا أمر مفهوم لأن تلك الفترة ذات أهمية بالنسبة إلينا، ولكنهم تجاهلوا المستقبل البعيد.»

إن تصوُّره لمصير الأرض دراماتيكي. ربما يقلقنا في الوقت الراهن الاحترار العالمي الذي هو من صنع الإنسان، ولكن على المدى الطويل، سوف تسبب الشمس الاحترار بدلًا منا، بكفاءة عالية. وبعد ما يزيد قليلًا على مليار سنة من الآن، سوف تُطلق الشمس ظاهرة الحرارة الجامحة في الغلاف الجوي للأرض؛ مما سيعمل على تبخر المحيطات في الفضاء. وفي النهاية، سوف تلوح الشمس في السماء بحجمٍ أكبر ٢٥٠ مرة مما هي عليه اليوم، وسوف تحرق الأرض لدرجة أنه سيصعب التعرف عليها. يقول كارجيل: «شيء واحد أعرفه؛ هو أن الأرض ستكون مكانًا غريبًا جدًّا.»

في حين لم يُعِر العلماء كثيرًا من الاهتمام لمستقبل الأرض البعيد، فإن بعضهم فكَّر على الأقل في الطريقة التي سيتغير بها هذا الكوكب على مدار بضع مئات من ملايين السنين القادمة. أحد هؤلاء العلماء هو كريستوفر سكوتيز، وهو جيولوجي في جامعة تكساس في أرلينجتون. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، صمم هو وزملاؤه رسمًا تخطيطيًّا يعبر عن طريقة حدوث الانجراف القاري منذ أن كانت القارة العملاقة بانجيا تشكل كتلة واحدة عملاقة من اليابسة قبل حوالي ٢٥٠ مليون سنة.

حاكى سكوتيز أيضًا الشكل الذي ستكون عليه القارات في المستقبل، مفترضًا أنها ستواصل نمط الانجراف الحالي؛ حيث تبتعد الأمريكتان عن أوروبا وأفريقيا ببضعة سنتيمترات فحسب في السنة؛ تقريبًا بالسرعة نفسها التي تنمو بها أظافرك. ويتوقع أنه في غضون ٥٠ مليون سنة، سيصبح المحيط الأطلنطي أوسع بكثير مما هو عليه الآن، في حين أن أفريقيا ستكون قد التحمت بأوروبا مُخفِيَة بذلك البحر المتوسط ومُكوِّنَة سلسلة جبلية هائلة مثل جبال الهيمالايا.

لا أحد يعلم يقينًا ما سيحدث بعد ذلك. ولكن استرشادًا بالأنماط السابقة، يعتقد سكوتيز أن مناطق الاندساس الصغيرة — حيث تغوص صفيحة تكتونية تحت صفيحة أخرى — تحمل بعض الدلائل. فلا بد أن تسبب المناطق الموجودة في الطرف الغربي من المحيط الأطلنطي صدعًا عملاقًا من الشمال للجنوب يبتلع القشرة المحيطية الثقيلة القديمة. وسيبدأ المحيط الأطلنطي في التقلص، ويجعل الأمريكتين تلتحمان بقارتَي أوروبا وأفريقيا المندمجتين؛ لذلك، بعد نحو ٢٥٠ مليون سنة من الآن، سوف تلتئم معظم كتلة اليابسة في العالم مرة أخرى مكوِّنة قارة عملاقة جديدة أطلق عليها سكوتيز وزملاؤه «بانجيا ألتيما». وفيها ستكون قادرًا على العبور من الأمريكتين إلى أفريقيا وأوروبا دون أن تبتل قدماك.

ماذا يحدث بعد بانجيا ألتيما؟ من المستحيل معرفة ذلك على وجه اليقين، ولكن يظن سكوتيز أن هذه القارة العملاقة نفسها سوف تنقسم. يبدو أن العملية دورية؛ لذلك من المحتمل أن تتشكل كتلة يابسة عملاقة أخرى بعد عدة مئات من ملايين السنين. ويشير سكوتيز قائلًا: «لا بد أنه سيكون لدينا قارتان أو ثلاث قارات بانجيا أخرى.»

ومع ذلك، سوف يزداد الانجراف القاري بطئًا بعدها. يزداد زخم الانجراف بحرارة باطن الأرض، التي تنخفض تدريجيًّا. وسوف يفقد الكوكب في النهاية كل مياهه؛ مما يبقي على حركة القارات من خلال تليين الدثار. إننا قلقون في الوقت الراهن من أن انبعاثات غاز الدفيئة — وهو ثاني أكسيد الكربون — تحبس حرارة الشمس وترفع درجات حرارة الأرض. ولكن من المفارقات أنه بعد عدة مئات من ملايين السنين من الآن سيكون عدم وجود ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي هو الذي يرفع درجة الحرارة ويسبب كارثة؛ وهي فقدان المحيطات وانقراض جميع أشكال الحياة على الأرض.

يرجع الفضل لغاز ثاني أكسيد الكربون في الحفاظ على المناخ ثابتًا إلى حدٍّ ما؛ وهذا لأنه بمثابة منظم حرارة طبيعي. تخزن الأرض ثاني أكسيد الكربون في عدة صورة مختلفة: في صورة غازية في الغلاف الجوي، وفي صورة محلول مخفف من حمض الكربونيك في المحيطات، وفي مرحلة تشبه الثلج تسمى هيدرات الغاز أو الكلاثريتات بالقرب من القطبين، وفي الصخور في صورة معادن الكربونات والنفط والغاز الطبيعي.

إذا حدث لأي سبب أن بدأت درجة حرارة الأرض في الانخفاض ولاح عصر جليدي في الأفق، فسوف تنخفض سرعة التفاعلات الكيميائية المؤدية إلى امتصاص سطح الأرض والمحيطات لغاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. وفي الوقت نفسه، يستمر النشاط البركاني في إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي؛ ومن ثَمَّ يتراكم غاز الدفيئة، ما يعمل على ارتفاع درجة الحرارة من جديد. وبالعكس، إذا ارتفعت درجة حرارة الجو، فإن هذا يزيد من سرعة التفاعلات التي تسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء؛ ومن ثَمَّ فإن درجة الحرارة تنخفض مرة أخرى. يقول كارجيل: «هذه الآلية تعمل لأكثر من ٤ مليارات سنة، مبقية الظروف على الأرض بعيدة عن حد التطرف الشديد.»

المشكلة هي أنه على المدى الطويل تزداد الشمس سطوعًا بمعدل نحو ١ بالمائة لكل ١٠٠ مليون سنة (انظر الجزء الذي بعنوان «مستقبل الشمس الناري»). قد لا يبدو هذا المعدل كبيرًا، ولكن عندما ترتفع الحرارة، سوف تنخفض مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي نتيجةً لتلك التفاعلات الكيميائية التي تعتمد على الحرارة. وسوف يفشل «منظم الحرارة» في عمله. وفقًا لنموذج مناخ وضعه جيمس كاستينج من جامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفرستي بارك وزميله كين كالديرا، فإنه في غضون ٥٠٠ مليون سنة ستكون مستويات ثاني أكسيد الكربون قد انخفضت إلى ما يزيد قليلًا بنحو ٤٠ بالمائة عن مستوياته في الوقت الراهن (مجلة نيتشر، المجلد ٣٦٠، صفحة ٧٢١).

سوف تكافح معظم النباتات من أجل الحصول على ما يكفي من الغاز لعملية التمثيل الضوئي. يقول كاستينج: «سوف يبدأ نحو ٩٥ بالمائة من الأنواع النباتية في المعاناة.». وسوف تحل المراعي والشجيرات والصبار التي تعيش على مستويات منخفضة نسبيًّا من ثاني أكسيد الكربون محل الصنوبر والتنوب والغابات الاستوائية. وبعد نحو ٩٠٠ مليون سنة من الآن، سوف تكون مستوياته منخفضة للغاية حتى فيما يتعلق بهذه النباتات الجديدة. وستكون الأرض الخضراء الخصبة قد تحوَّلت إلى أرض بُنِّيَّة موحلة.

كوكب واحد وعالمان

ثم ستزداد الأمور سوءًا؛ ففي غضون ١٫٢ مليار سنة، سوف تكون الشمس أكثر سطوعًا بنحو ١٥ بالمائة مما هي عليه اليوم. وسوف تصل درجة حرارة سطح الأرض إلى ما بين ٦٠ و٧٠ درجة مئوية، وسوف تصبح التفاعلات الكيميائية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي قوية بحيث يكاد يختفي كل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. يقول كارجيل: «سوف يختفي ثاني أكسيد الكربون الذي يقابل تأثيره تأثير الشمس الساطعة.»

وسوف تزيد المحيطات الساخنة نسبة الرطوبة في الجو إلى حدٍّ بعيد؛ مما يضاعف المشكلة؛ فالمياه أيضًا من غازات الدفيئة، ولكنها لا تعمل كمنظم حرارة مثل ثاني أكسيد الكربون. فالمزيد من المياه في الغلاف الجوي يعني المزيد من الحرارة، التي تعمل على تبخر المزيد من المياه. وهذه الحلقة المفرغة ستؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري الجامح. وسوف تختفي جميع المحيطات تقريبًا، مخلِّفة مسطحات ملحية جافة شاسعة، وستتوقف آلية تحرك القارات عن العمل، ومن شبه المؤكد أن حياة الحيوانات المعقدة التركيب ستكون قد اندثرت.

لم يتوصل أحدٌ إلى نماذج جيولوجية مفصلة لإظهار الكيفية التي قد تبدو عليها هذه الأرض الجافة، ولكن جازف كارجيل بتقديم تخمين؛ فيشير إلى أنه مع توقُّف تشكُّل الجبال، سيكون التآكل بفعل ما تبقى من أنهار ضحلة مشبعة بالبخار هو القوة الجيولوجية المهيمنة التي تسبب التغيير. «تخيل دلتا نهر المسيسيبي وهي ينطلق منها البخار مع اختفاء ٩٠ بالمائة من مياهها. سوف يكون هناك الكثير من الجداول المائية البطيئة وسوف تستوي الأرض كلها. وسوف تتآكل جميع الجبال وصولًا إلى قواعدها.» وربما تشبه مساحات واسعة من الأرض تلك الصحاري الموجودة الآن في ولاية نيفادا وجنوبي أريزونا، حيث تُدفن الجبال المنخفضة الوعرة على نحوٍ شبه تام تحت أنقاضها.

وفي مرحلةٍ ما، سوف تحلل الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس الساطعة المياه الموجودة في الغلاف الجوي للأرض المشبع بالبخار إلى هيدروجين وأكسجين، ولن تكون الجاذبية الأرضية قوية بما يكفي للاحتفاظ بالهيدروجين الذي سيضيع هباءً في الفضاء. ولكن الأكسجين سيبقى، وفي درجات الحرارة تلك، يمكن أن يصل إلى معدلات ضغط تبلغ مئات وحدات الضغط الجوي. ويضيف كارجيل: «سوف يمتص الحديد الموجود في الصخور الأكسجين، وستصبح الأرض كوكبًا صدئًا.» ربما تبدأ في الظهور على نحوٍ يشبه قليلًا كوكب المريخ.

أشار كارجيل أيضًا إلى أوجه تشابه بين الأرض وكوكب الزهرة المحاط بغيوم كثيفة سامة من حامض الكبريتيك. ففي نهاية المطاف سيرفع الاحتباس الحراري لكوكب الأرض درجات الحرارة لتصل إلى ألف درجة مئوية، وهي درجة حرارة عالية بما يكفي لإذابة الصخور. وستتشكل بحار من الحمم الحارقة، وسوف تحدث عملية تحلل للمعادن الكبريتية مثل الجبس. وإذا بقي غلاف جوي خفيف مشبع بالبخار، فإنه سيشكل مزيجًا قاتلًا من حمض الكبريتيك على غرار كوكب الزهرة.

في اجتماع للجمعية الفلكية الأمريكية في مونتراي بولاية كاليفورنيا عُقد في شهر سبتمبر، وصف كارجيل صور محاكاة جديدة للكيفية التي ستبدو الأرض عليها بعد فترة أكثر توغلًا في مستقبلها المعذَّب؛ بعد أن تتضخم الشمس وتتحول إلى نجم أحمر عملاق في غضون نحو ٧ مليارات سنة. لا أحد يستطيع التنبؤ بالضبط بكيفية دوران الأرض والقمر حول الشمس في تلك المرحلة، ولكن يتمثل أحد الاحتمالات في أن الأرض سوف تخضع لعملية «تقييد مدِّي» مع الشمس؛ أو بعبارة أخرى، سوف يسود نهار دائم في أحد جانبَي كوكب الأرض بينما يسود ليل دائم في الجانب الآخر.

ويضيف كارجيل أنه على الجانب المضيء من كوكب الأرض في المستقبل سوف تظهر الشمس الحمراء أكبر حجمًا من حجمها الحالي ﺑ ٢٥٠ مرة، وسوف يغطي قرصها معظم أنحاء السماء. وستضيء سماء الكوكب كلها تقريبًا، باستثناء جزء بحجم أمريكا الشمالية سيقبع في ظلام تام، وستكون المنطقة المحيطة به في حالة شفق دائم.

بالتعاون مع بروس فجلي ولورا شايفر من جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميزوري، استخدم كارجيل تنبؤات فلكية بزيادة سطوع الشمس لحساب درجات الحرارة على سطح الأرض. ووجدوا أنه بعد ٧٫٥٧ مليارات سنة من الآن، سوف تصل درجة حرارة محيط الحمم الموجود مباشرة تحت وهج الشمس إلى ما يقرب من ٢٢٠٠ درجة مئوية. وعن ذلك يقول كارجيل: «في درجة الحرارة تلك سوف تبدأ الحمم في التبخر.»

درجة الحرارة على الجانب المظلم أقل سهولة في التنبؤ بها. يضيف كارجيل: «إذا كان لا يزال هناك غلاف جوي سميك يتحرك في المكان، فإنه يمكن أن يحمل ما يكفي من الحرارة للجانب المظلم بحيث إن هذا الجانب المظلم نفسه سيكون دافئًا. ولكن إذا لم يكن هذا الغلاف الجوي موجودًا، فإن الجانب المظلم يمكن أن يصبح شديد البرودة.» سيكون الوضع مماثلًا للوضع على كوكب عطارد، الذي لا يمتلك سوى غلاف جوي رقيق للغاية. ودرجات الحرارة في منتصف النهار على عطارد التي تبلغ ٣٥٠ درجة مئوية — وهي درجة عالية بما يكفي لإذابة الرصاص — تنخفض إلى ١٧٠ درجة مئوية تحت الصفر في الليل.

يعتقد كارجيل أن الجانب المظلم من الأرض يمكن أن يكون حتى أكثر برودة، عند درجة حرارة تبلغ نحو ٢٤٠ درجة مئوية تحت الصفر. وهذه الأرض الغريبة الساخنة والباردة سوف يتمخض عنها بعض أنماط الطقس الغريبة (انظر الشكل). فعلى الجانب الساخن، سوف تتبخر المعادن مثل السيليكون والمغنيسيوم والحديد وأكاسيدها من بحر الحمم. وفي مناطق الشفق الدافئة، سوف تتكثف مرة أخرى. يقول كارجيل: «سترى مطرًا من الحديد، وربما ثلوجًا من أول أكسيد السيليكون.» وفي الوقت نفسه، سوف تسقط ثلوج البوتاسيوم والصوديوم من السماء الغسقية الأكثر برودة.

محنة كوكب: ماذا سيحدث للأرض على مدى بضعة مليارات سنة قادمة؟
محنة كوكب: ماذا سيحدث للأرض على مدى بضعة مليارات سنة قادمة؟

على الجانب المظلم، يمكن أن يكون الجو باردًا بما يكفي لتجميد ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت والأرجون؛ ما يؤدي إلى تشكيل غطاء جليدي عملاق، مشوب بجليد النيتروجين الصلب. وسوف يكون تحته ثلج من ماء قديم صافٍ؛ هذا إن تبقى أي ماء على الكوكب. وثَمَّةَ احتمال ضئيل أنه في منطقة الشفق، قد يحتفظ هذا الكوكب الجامح بتذكار صغير من ماضيه البعيد في منطقة الشفق: محيط من الماء السائل الدافئ.

الأرض الساخنة والباردة: تُلمِّح حسابات جيفري كارجيل إلى أي مدًى ستبدو الأرض مختلفة في غضون ٧ مليارات سنة. فقد يواجه جانب واحد منها الشمس دائمًا. وسوف تكون درجات الحرارة هناك عالية جدًّا، وسيكون على سطح الكوكب محيطات من الصخور المنصهرة وقارات غنية بأكاسيد الكالسيوم والألومنيوم. وسيتميز الجانب البارد بغطاء جليدي عملاق. وفيما بين المنطقتين، سوف يتساقط الصوديوم والبوتاسيوم في صورة ثلوج.
الأرض الساخنة والباردة: تُلمِّح حسابات جيفري كارجيل إلى أي مدًى ستبدو الأرض مختلفة في غضون ٧ مليارات سنة. فقد يواجه جانب واحد منها الشمس دائمًا. وسوف تكون درجات الحرارة هناك عالية جدًّا، وسيكون على سطح الكوكب محيطات من الصخور المنصهرة وقارات غنية بأكاسيد الكالسيوم والألومنيوم. وسيتميز الجانب البارد بغطاء جليدي عملاق. وفيما بين المنطقتين، سوف يتساقط الصوديوم والبوتاسيوم في صورة ثلوج.

وهنا يثار تساؤل وهو: هل يمكن لأي شكل من أشكال الحياة البقاء على هذه الأرض المستقبلية العدائية؟ على الأرجح، لا؛ ولكن البقع القابلة للسكنى المتبقية قد تثير فضول حضارة غريبة في مكان آخر من المجرة، بالطريقة نفسها التي أطلق بسببها البشر المركبات الفضائية للبحث عن مظاهر للحياة في الأماكن الدافئة من المجموعة الشمسية. يقول كارجيل: «إذا أرادت بعض الكائنات الفضائية المجنونة استكشاف هذا العالم البائس، فربما يكون محيط الماء السائل هو المكان الذي تقيم فيه مخيمها.» من يدري! ربما ستجد أنقاضًا من ناطحات السحاب الموجودة اليوم في رواسب بأعماق المحيط.

ويضيف كارجيل: «كل أنواع الأشياء الخيالية ممكنة.» ويؤكد أن نموذجه ليس نبوءة موثوقًا بها؛ بل هو بالأحرى صورة كبيرة مرسومة لواقع مستقبلي محتمل قد يثير الخيال ويحفز على بدء بعض الدراسات التفصيلية. ويستطرد قائلًا: «إذا استطعنا جعْل بعض الطلاب يتحمسون حقًّا لهذا الموضوع بحيث يتجهون لدراسة مصير الأرض، فإن هذا سيكون رائعًا.»

نماذج مثل هذا يمكن أن تساعد أيضًا علماء الفلك على فهم بيئات الكواكب الأخرى التي تدور حول النجوم القريبة، فقد اكتُشف أكثر من مائة كوكب على مدى العقد الماضي، ولكن كل الكواكب المؤكدة منها عبارة عن كواكب غازية عملاقة مثل كوكب المشتري، وهي أسهل نوع في رصده. ومع ذلك، من المفترض أن تكون البعثات الفضائية المستقبلية قادرة على رصد كواكب بحجم كوكب الأرض في المناطق القابلة للسكنى حول نجومها.

على سبيل المثال، سيبحث التليسكوب الفضائي «الباحث عن الكواكب الأرضية» — التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا والمزمع إطلاقه في عام ٢٠١٢ — عن كواكب صغيرة حول ما يقرب من ١٥٠ نجمًا وسيُجري تحليلًا لأغلفتها الجوية. نماذج مثل نموذج كارجيل ستساعد العلماء على التنبؤ بعوالم متنوعة بحجم الأرض قد يعثر عليها هذا التليسكوب. ويشير كاستينج — أحد أعضاء فريق العمل للتليسكوب الفضائي الباحث عن الكواكب الأرضية — قائلًا: «نحن في طريقنا لرؤية الكواكب في جميع مراحل تطورها، ونريد أن نفهم ما نراه.»

ويتفق معه في الرأي دونالد براونلي، عالم الفلك في جامعة واشنطن في سياتل إذ يقول: «من المهم حقًّا أن نعلم ما ستبدو عليه وجوه أشقائنا من الكواكب.» ويشير إلى أنه رغم كل شيء، ربما لا يحمل كوكب بعيد في حجم الأرض أي تشابه مع العالم الأزرق الهادئ الذي نعرفه. ويستطرد قائلًا: «ربما نرى كوكبًا ورديًّا ذا سطح ذائب ومائة غلاف جوي من الأكسجين. ربما يقول معظم الناس إن هذا كوكب غريب، ولكنه ليس كذلك؛ إنه مستقبلنا فحسب.»

مستقبل الشمس الناري

منذ أن تشكلت الشمس قبل نحو ٤٫٦ مليارات سنة، وهي تُحوِّل الهيدروجين إلى هيليوم في باطنها، بينما تزداد سطوعًا باستمرار. هي الآن أكثر سطوعًا بنحو ٣٠ بالمائة مما كانت عليه عندما تشكلت الأرض.

ومن خلال دراسة الكثير من النجوم القديمة في مجرة درب التبانة التي تشبه الشمس من حيث الكتلة، يمكن للفلكيين التنبؤ بالكيفية التي ستهرم بها الشمس. هم يعتقدون أنه بعد نحو ٧ مليارات سنة من الآن، ستكون الشمس أكثر سطوعًا بعشر مرات مما هي عليه اليوم. وعند هذه المرحلة، ستتحول إلى نوع جديد من الاحتراق النووي يحول الهليوم إلى كربون.

وهذه العملية العنيفة ستضخم الشمس وتحولها إلى نجم أحمر عملاق. وهذه الشمس المتضخمة سوف تبتلع أولًا عطارد — أقرب كوكب لها — ثم الزهرة، ولكن من غير الواضح ما إذا كانت ستكبر بما فيه الكفاية لتلتهم الأرض أم لا. وإذا حدث ذلك، فإن الكوكب سيتبخر بينما يغوص في الغلاف الجوي للشمس.

ولكن إذا بقيت الأرض في مدارها، فسوف تشهد موت الشمس البطيء في غضون نحو ٧٫٦ مليارات سنة. سوف تنفصل الطبقات الخارجية للنجم سابحة في الفضاء، مخلِّفة وراءها قشرة من غازات متوهجة تسمى السديم الكوكبي، وسينكمش باطنها إلى نجم قزم أبيض ساخن، سيبرد ويُظلِم إلى الأبد.

المراجع

  1. The Life and Death of Planet Earth by Peter Ward and Donald Brownlee (Piatkus).
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.