إن تتابع الحمض النووي ليس نمط الوراثة الوحيد؛ إذ تحصل إناث قطط السلحفاة على علاماتها من نمط عشوائي لإسكات الجينات.
إن تتابع الحمض النووي ليس نمط الوراثة الوحيد؛ إذ تحصل إناث قطط السلحفاة على علاماتها من نمط عشوائي لإسكات الجينات.

تشتمل الآليات التخلقية أو اللاجينية — إضافة إلى عملية مثيلة الحمض النووي — على تغيرات كيميائية تطرأ على البروتينات التي تربط الحمض النووي. ولا تعد هذه النظم مسئولة فحسب عن الظاهرة اللاجينية التقليدية، مثل قطط السلحفاة، لكنها تشترك أيضًا في نمونا داخل الرحم، وفي التنظيم اليومي لجيناتنا.

في الواقع، إن كل ما يقوم به الحمض النووي تقريبًا — بما في ذلك تصنيع البروتين، ونسخ الحمض النووي قبل انقسام الخلايا، وإصلاح الضرر الذي يتعرض له الحمض نفسه — يتضمن نظمًا لاجينية من هذا النوع. وتقدم هذه الآليات أيضًا وسائل محتملة للعالم الذي نعيش فيه حتى تؤثر في جيناتنا، مما يعيد طرح الجدل القديم عن الطبيعة مقابل التنشئة.

كيفية عملها

كانت عملية مثيلة الحمض النووي أولى الآليات اللاجينية التي حازت التقدير في السبعينيات من القرن العشرين، لكن منذ ذلك الحين غدا عددٌ وفير من مثل هذه التعديلات الكيميائية واضحًا. فبدلًا من تغيير الحمض النووي نفسه، يعمل كثير منها من خلال البروتينات المرتبطة به، التي تسمى الهستونات.

تساعد البروتينات الهستونية في ربط الحمض النووي الذي تنطوي عليه كل أشكال الحياة المعقدة، بما في ذلك الحيوانات والنباتات والفطريات، لكن باستثناء البكتيريا. يشبه هذا الترتيب حبات الخرز حول الخيط، عدا أن الحمض النووي يلتف حول مجموعة الهستونات من الخارج بدلًا من المرور عبر فتحة في منتصفها. ومن الجدير بالاهتمام أن الهستونات لديها أذيال جزيئية طويلة ناتئة، بها أماكن متعددة محتملة للتعديل الكيميائي.

وكما هو الحال مع الحمض النووي، يمكن أن يوجد بالهستونات مجموعات ميثيلية مضافة إليها، لكن يمكن أيضًا أن توجد فيها وحدات كيميائية أخرى، مثل مجموعات الفوسفات، ومجموعات الأسيتيل، وحتى بروتينات صغيرة، مثل اليوبيكويتين. وبينما توقف مثيلة الحمض النووي عمل الجينات، فإن مثيلة الهستونات يمكن أن تحسن نشاط الجين أو تسكته، بناء على مكان إضافة مجموعة الميثيل على الذيل. من ناحية أخرى، تعمل عملية أستلة الهستونات طوال الوقت تقريبًا على تشغيل الجينات. وإجمالًا، اكتُشف أكثر من ٥٠ نوعًا مختلفًا من التعديل، نحاول حتى الآن فكَّ شفرة كثير منها.

كيف تمارس هذه التغييرات الكيميائية تأثيرها؟ حتى ينشط الجين وينتج بروتينه، يجب أن ترتبط سلسلة من إنزيمات التصنيع بالحمض النووي حتى تستطيع صُنع جُزيء وسيط يُسمى الحمض الريبي النووي (الرنا) المرسال. وتتسبب بعض التغيرات اللاجينية في أن يصبح الحمض النووي أكثر إحكامًا في التفافه ويتعذر الوصول إليه، مما يمنع الإنزيمات من الارتباط به، أي يؤدي إلى إيقاف عمل الجين بعبارة أخرى. وتتسبب التغييرات التي تُفعِّل عمل الجين في فتح الحمض النووي ماديًّا، وعليه تستطيع إنزيمات التصنيع الارتباط به.

يدير هذه النظم اللاجينية بروتيناتٌ تُصنف على أنها بروتينات كاتبة أو ماحية أو قارئة. فالبروتينات الكاتبة هي الإنزيمات التي تضع العلامات الكيميائية، بينما الماحية — كما يشير الاسم — هي التي تزيلها. أما القارئة فتفسر العلامات من خلال الارتباط بالمكان المتغير والتسبب في إسكات الجين أو تنشيطه. ولكل نوع من العلامات اللاجينية — مثل المثيلة والفسفرة وغيرها — مجموعة محددة من البروتينات التي تكتبها وتقرؤها وتمحوها.

نافذة على العالم

أحد أكثر الجوانب الجدلية في علم التخلق هو الأسلوب الذي يقدمه للبيئة حتى يؤثر في أجسامنا وسلوكنا، وليس في جيناتنا. مع ذلك، يجب أن نضع في أذهاننا أن معظم الآليات اللاجينية المكتشفة حتى الآن تستجيب لقيود داخل الكائن الحي وليس خارجه، منها تعطيل كروموسوم إكس، والبصمة الجينية، وتنظيم التعبير الجيني بينما نحن أجنَّة في الرحم. وفي الواقع، هناك أدلة حديثة دامغة تشير إلى أن المحدد الرئيسي لأنماط مثيلة الحمض النووي الأولى هو تتابع الحمض النووي نفسه، الأمر الذي يشير إلى أن جيناتنا لها الكلمة الأخيرة وليس أي شيء آخر.

مع ذلك، تبين في بعض الحالات أن البيئة تؤثر في أنماط مثيلة الحمض النووي. وخير مثال على هذا تأثير النظام الغذائي على نوع ملون نادر من الفئران يُطلق عليه الأجوطي؛ إذ يوجد في الفئران حديثة الولادة من هذا النوع عادةً تفاوتٌ في ألوان الفراء من الأصفر إلى البني الداكن، وهذا بفضل جين الأجوطي. لكن إذا تغذت الأم الحامل على نظام غذائي يحتوي على نسب مرتفعة من فيتامينات وأحماض أمينية معينة غنية بمجموعات الميثيل، فإنها تلد صغارًا يميل لونهم أكثر إلى البني.

وترجع الحساسية العالية التي ينطوي عليها جين الأجوطي لعملية المثيلة إلى «ينقول» قريب؛ وهو عبارة عن تتابعات قصيرة للحمض النووي يمكن العثور عليها منتشرة عشوائيًّا عبر الجينومات. وعندما تكون المثيلة منخفضة، فإن الينقول يحفز تعبيرًا استثنائيًّا للأجوطي، مما يؤدي إلى ولادة فئران صفراء. من ناحية أخرى، فإن زيادة المثيلة صناعيًّا توقف عمل الينقول، مما يؤدي إلى ولادة فئران بنية اللون. وبينما قد يسبب النظام الغذائي الغني بالميثيل زيادة متواضعة في مثيلة الحمض النووي عبر الجينوم بأكمله، فإن الينقول وحده في موضع جين الأجوطي هو الذي يبدو مفرط الحساسية للزيادة.

إذن، هل تؤثر العوامل البيئية في النظم اللاجينية في أوضاع أكثر طبيعية؟ نحن نعلم أن للظروف في أثناء الحمل — التي نذكر منها النظام الغذائي للأم — عواقب صحية طويلة المدى على الأطفال حتى وصولهم لمرحلة البلوغ. على سبيل المثال، أطفال الأمهات اللاتي يتعرضن لسوء تغذية خلال فترة الحمل يكونون أكثر عرضة للإصابة بمرض القلب والسكري في مرحلة البلوغ. وربما تكون الآليات اللاجينية لها دور هنا، رغم أن الأدلة غير مقنعة حتى الآن.

يرى البعض أن التأثيرات من هذا النوع تكون تكيفية على نحو تطوري؛ فالتمثيل الغذائي لدى الذرية مُعدٌّ ليعمل في عالم تسوده ظروف قاسية لا بد فيها من اختزان السعرات الحرارية الزائدة. وبالطبع إذا أصبحت الظروف سهلة سيكون للأمر نتيجة عكسية.

وفي مثال لافت للانتباه، تنمو صغار الجرذان التي تهملها أمهاتها في العش على الفزع والجبن في مرحلة البلوغ. وهناك أدلة على أن هذا يتحقق من خلال عملية مثيلة الحمض النووي في جين ينظم الاستجابة للضغط.

ويُقال إن عملية المثيلة تقلل «التحكم في الأداء» في الجين؛ مما ينتج عنه قلق دائم. ووفقًا لنظرية التكيف التطوري، يهيئ هذا الجرذان لبيئة قاسية من خلال جعلها أكثر نفورًا من الخطر.

وربما يكون الأكثر جدلًا إشارة وردت في إحدى الدراسات إلى وجود تأثيرات عميقة مشابهة في البشر. يأتي هذا من تحاليل بعد الوفاة لضحايا الانتحار الذين تعرضوا للإساءة في طفولتهم. أوضح معدو الدراسة أن الإساءة زادت عملية المثيلة في جين الاستجابة للضغط البشري المقابل، مع ظهور عواقب سلبية مدى الحياة. مع ذلك، كانت الدراسة صغيرة والتأثيرات ضعيفة؛ لذا لا يزال الوقت مبكرًا جدًّا على التوصل إلى استنتاجات حاسمة في هذا الصدد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Pipo Khalid ·٨ يناير ٢٠١٤، ١:٢٨ ص

    good