بحلول الوقت الذي تيقَّن فيه بول ستاينهارت من أن الصخرة كانت بالضبط كما يعتقد، كان حجم الجزء المتبقي منها لا يكاد يعدو حُبَيْبة صغيرة، وكان عليه أن يلصق هذا الجزء بطرف قضيب زجاجي حتى لا يضيع.

إنه معدن استثنائي إلى حدٍّ بعيد بحيث يُعتبَر وجوده شيئًا شديد الغرابة. تُرى كيف تكوَّن؟
إنه معدن استثنائي إلى حدٍّ بعيد بحيث يُعتبَر وجوده شيئًا شديد الغرابة. تُرى كيف تكوَّن؟

مرَّ الكثير من الوقت حتى يقطع هذا الشوط، ولكن الكشف عن القصة الحقيقية لهذه الصخرة الاستثنائية قد حدا بستاينهارت لأنْ يذهب في رحلةٍ وصَل فعلًا من خلالها إلى أقاصي الأرض، وربما — بشكل ما — إلى أبعد من ذلك.

يمثِّل بول ستاينهارت، بلبسه المُهندَم ونظارته ورأسه الأصلع، تجسيدًا غريبًا لشخصية إنديانا جونز. يشتغل بول ستاينهارت يوميًّا بعلم الكونيات النظري، وفي عام ٢٠١١ كان قد أتمَّ عامه الثامن والخمسين ولم يكن قد ذهب من قبلُ في رحلة تخييم.

إن ذلك الهوس الذي دفعه لأنْ يقوم فجأةً بمثل هذه الرحلة بدأ في ثمانينيات القرن الماضي كلغز رياضي. إذا فكَّرنا في اختيار بلاط للحمام، فسنجد أن الأنماط المنتظمة والمتكرِّرة من المربعات أو المثلثات أو متوازيات الأضلاع أو المسدسات، ستملأ الأرضية أو الحائط بشكل جيد، إذا رُصَّت بحيث تكون حوافها ملتصقة بعضها ببعض. أما أي نوع آخر من الأشكال، فسيترك فراغات في الحائط أو الأرضية.

أما إذا خففنا القواعد قليلًا بحيث يصنع البلاطُ أنماطًا مرتبة ولكن لا تتكرر، فيمكننا أن نملأ الحائط بشكل كامل بالمخمسات وأشباه المنحرفات وأي نوع من الأشكال المنتظمة الأخرى. يظهر هذا النمط من التبليط «شبه الدوري» في المساجد التي بُنيت قديمًا في القرن الخامس عشر. وتُعَد طريقة التبليط التي اخترعها الفيزيائي روجر بينروز من الأمثلة الحديثة الشهيرة على ذلك (انظر الرسم).

تساءل بول ستاينهارت: هل يمكن أن تكون هناك أنماط مماثلة في حالة وجود ثلاثة أبعاد؟ لم يكن هذا محض تخمين ليس له أساس؛ فعند النظر إلى أي جسم صلب بلَّوْري — بدءًا من الماس وانتهاءً بالسيليكا والجرافيت — باستخدام مجهر إلكتروني، سنجد أنه يُنتِج أنماطَ حيودٍ نموذجية مُقابلة لذرات مرتَّبة في صورة مصفوفات تتكرر بشكل منتظم، وعند ضمِّها بعضها إلى بعض، مثل النقاط، تتكوَّن لدينا مربعات ومثلثات ومتوازيات أضلاع ومسدسات، ولكن هل يمكن أن نُرتِّب الذرات أيضًا بشكل شبه دوري؟

في النهاية، أثبت بول ستاينهارت أنه من الممكن — على الأقل نظريًّا — أن نفعل ذلك، وأوضح أن مثل هذه المادة ستُنتِج أنماطَ حيود جميلة تختلف تمامًا عن تلك التي تنتجها البلَّوْرات المنتظمة. لقد تأكَّد لديه الأمر على الفور عندما اطَّلع على بحث في شهر نوفمبر من عام ١٩٨٤ للفيزيائي الإسرائيلي دان شيختمان، الذي كانت له محاولات لصنع سبائك معدنية جديدة. يقول بول ستاينهارت: «كان هذا النمط موجودًا بالبحث، وكان لدينا النمط نفسه ونحن جالسان أنا وتلميذي على مكتبي.» وبعدها بشهر، قام ستاينهارت وتلميذه دوف ليفين بنشر النتائج النظرية التي توصَّلا إليها، بما في ذلك الإشارة إلى المادة البحثية لشيختمان، وذلك في بحثٍ بعنوان «أشباه البلَّوْرات: نوع جديد من الأشكال المُرتَّبة».

لم تحظَ هذه النتائج باستحسان الجميع، وأشهر مَن كانوا غير راضين عنها الكيميائي الحائز على جائزة نوبل لينوس باولنج، الذي أعلن أنه «لا يوجد شيء يُدعى أشباه بلَّوْرات، ولكن هناك فقط أشباه علماء.» لم يتغير الحال إلا في عام ١٩٨٧ عندما قامت مجموعة من الباحثين، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، باستحداث سبيكة من الألومنيوم والنحاس والحديد يَنتُج عنها — بشكل واضح لا يقبل الشك — نمطُ حيودٍ شبه بلَّوْري. وبحلول عام ٢٠١١، عندما حصل شيختمان — في النهاية — على جائزة نوبل؛ أصبح هناك أكثر من مائة نوع معروف من أشباه البلَّوْرات المصنَّعة.

إنها أكثر من مجرد أشياء استثنائية؛ فترتيب الذرات داخل أشباه البلَّوْرات يعطيها مجموعة من الخصائص المدهشة: فهي صُلبة للغاية، ومنخفضة الاحتكاك، وتتميَّز بقدرتها الجيدة على عزل الحرارة. ومن ضمن استخداماتها الممكنة: الطلاءات الواقية لكل شيء؛ بدءًا من الطائرات، ومرورًا بأواني الطهي التي لا يلتصق بها الطعام، وانتهاءً بالمواد الكهربائية الحرارية التي تقوم بتحويل الطاقة الحرارية المهدرة إلى كهرباء. يقول ويل — نَجْل بول ستاينهارت، وهو طالب بالدراسات العليا بقسم الجيولوجيا في جامعة هارفرد: «سيكون هناك العديد من الاستخدامات المتنوعة لتلك المواد إذا استطعنا أن نفهم المزيد عن كيفية تكوُّنها في الأساس، وكيف يُمكن أن نصنعها بسهولة.»

وهنا تكمن المشكلة؛ فعندما حاول الباحثون أن يصنعوا أشباه بلَّوْرات داخل المعامل، أدَّت درجات التفاوت البسيطة في الحرارة أو الضغط إلى تحريك الذرات من نمطها المُرتَّب بعناية لتكوِّن شكلًا يقترب أكثر من الشكل البلَّوْري التقليدي. لا بد أن تُصنع هذه الأشياء في ظروف محكومة بدقة؛ ولذلك فهي عملية بطيئة ومُكلِّفة.

كان ستاينهارت الأب لديه إحساس بأن عملية التصنيع يجب ألَّا تتم بهذه الطريقة، وكانت لديه فكرة عن كيفية إثبات ذلك؛ فالعثور على أشباه بلَّوْرات في الطبيعة سيكون إشارةً على أنه لا بد أن تكون هناك طريقة أبسط لصنعها؛ طريقة ربما يمكننا أن نتعلَّم كيف نستفيد منها.

صخرة الكاتيركايت

في البداية، لم يكن لدى ستاينهارت الكثير من الوقت ليقوم برحلة البحث تلك؛ ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، كان يقوم بدور رئيسي في إيضاح تفاصيل اللحظات الأولى من عمر الكون التي رسمتها نظرية التضخم الكوني. وقد اتسع هذا الدور ليأخذ معظم وقته، ولكنه في أوقات الفراغ، التي كانت تتأتَّى بشكل عرضي، كان يطلب عينات للصخور من المتاحف ليفحصها بعينه، باحثًا عن علامات تدل على خصائص شبه بلَّوْرية.

ولكنه عندما انتقل إلى جامعة برينستون في عام ١٩٩٨، أصبحت تحت يده أداة جديدة؛ وهي المجهر الإلكتروني الذي يستطيع الكشف عن الحيود، وبدأ بالتعاون مع بعض زملائه في استخدام خوارزمية للبحث في قاعدة بيانات تضم آلاف أنماط الحيود الخاصة بصخور مفتتة. حصل الفريق على عينات من الصخور المرشَّحة من المتاحف والمجموعات المختلفة، وقام أعضاؤه بتفتيتها إلى أجزاء صغيرة، وعكفوا على فحصها جيدًا تحت المجهر بحثًا عن خصائص شبه بلَّوْرية. يقول ستاينهارت: «لقد فشلنا مرة تِلْو الأخرى.»

في عام ٢٠٠١، نشر الفريق بحثًا يعلنون فيه فشلهم؛ أملًا منهم في أن يُحرز شخصٌ ما تقدُّمًا مع فحص المزيد من الصخور (دورية فيزيكال ريفيو ليترز، المجلد ٨٧)، ولكن لم ينجح أحد في ذلك لمدة ستة أعوام، حتى تلقَّى بول ستاينهارت رسالة بريد إلكتروني من لوكا بيندي.

لوكا بيندي هو رئيس قسم علم التعدين بمتحف التاريخ الطبيعي بجامعة فلورنسا في إيطاليا، وتخصُّصه هو التعقد التركيبي للمعادن الطبيعية. يقول بول ستاينهارت: «حقيقةُ أنَّه هو الشخص الوحيد الذي لبَّى دعوتنا من بين علماء التعدين في العالم كانت ضربًا رائعًا من الحظ؛ فقد ارتبط على الفور وهو ممتلئ بالحماس بهذا المشروع، ولم يكن حماسه يقل عني.»

بدأ لوكا بيندي يفحص الصخور الموجودة في المتحف الذي يعمل به، والتي كانت موجودة بالفعل في قاعدة البيانات السابقة الذكر، ثم بعد ذلك بعض الصخور الأخرى التي لم تكن موجودة بهذه القاعدة. إحدى هذه الصخور كانت عبارة عن خليط من الحبيبات المختلفة الألوان، والتي ترواحت بين الأبيض والرمادي والأسود والأصفر، والتي يبلغ عرضها حوالي ٣ ملِّيمترات. ووفقًا للمُلصق الموضوع عليها، كانت صخرةً لمعدن يُدعى كاتيركايت من جبال كورياك في أقصى شرق سيبيريا.

التركيب الكيميائي لمعدن الكاتيركايت كان مُبشِّرًا؛ فقد احتوى على الألومنيوم والنحاس مثلَ بعضٍ من أوائل أشباه البلَّوْرات التي صُنعت داخل المعامل، وعندما تم تفتيته حصل على عدد جيد من النقاط وفقًا للخوارزمية المستخدَمة. في أوائل عام ٢٠٠٩، أرسل لوكا بيندي بعض حُبيبات تلك الصخرة، التي ربما يبلغ حجمها عُشر الملِّيمتر، إلى ستاينهارت ليختبرها باستخدام المجهر الإلكتروني. وأخيرًا توصَّلوا لما كانوا يسعون إليه (مجلة ساينس، المجلد ٣٢٤). يقول بول ستاينهارت: «لقد كانت الصخرة مدهشة، تمامًا مثل أي شبه بلَّوْرة رأيتها من قَبْلُ.»

ولكن — للأسف — كان لهذا الاكتشاف تكلفة؛ فعمليات التفتيت التي قام بها لوكا بيندي استهلكت معظم أجزاء هذه العينة الضئيلة الحجم، وضاعت معها مفاتيح مهمة حول أصلها. أثار ذلك اشمئزاز لنكولن هوليستر؛ وهو أحد الجيولوجيين من جامعة برينستون، وقد أقنعه ستاينهارت بصعوبة بأن ينضم إلى البحث. يقول لنكولن: «لكي يكتشف ما يريد، كان عليه أن يُدمِّر الدليل على الطريقة التي تشكَّل بها هذا الشيء. بالنسبة إليَّ، ذلك هو الجحود بعينه.»

وخلال السنة التي تلت ذلك عكَف بول ستاينهارت وزملاؤه على فحص كل جزء متبقٍّ من الصخرة لالتقاط أي معلومة يمكنهم الحصول عليها منها، وتقييم الفرضيات الخاصة بنشأتها، والتي كانت تزداد غرابةً: صواعق البرق، والفوَّهات الحرمائية، والبراكين، والخَبَث المتبقي من الصَّهْر الصناعي للألومنيوم، والانفجارات النووية، ولكن لم تثبت صحة أيٍّ منها.

صخرة من خارج هذا العالم

كانت الحُبيبة التي أرسلوها إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا لتحليل نظائر الأكسجين الموجودة بها هي أول الخيط؛ فقد أتي خليط النظائر متماثلًا تمامًا مع ذلك الخاص بمجموعة من النيازك تُعرف بالنيازك الحجرية الكربونية من الطبقة CV3، التي تعود إلى بدايات المجموعة الشمسية؛ أي منذ نحو أربعة مليارات عام ونصف. هذا بالإضافة إلى وجود أحد معادن السيليكا يُعرف بالستيشوفايت، الذي يتكوَّن فقط في وجود درجات حرارة مرتفعة ومستويات عالية من الضغط، يشيران بقوة إلى أن هذا المعدن قد تكوَّن خلال التصادم السريع لكويكبَيْن في الفضاء ثم سقط على الأرض. فعلى ما يبدو أن شبه البلَّوْرة قد تكوَّن بالفعل في الطبيعة، ولكن ليس داخل هذا العالم.

هنا كان ستاينهارت يقف في عام ٢٠١١ هو وحُبيبةٌ من الصخرة بنهاية قضيب وكَوْمة من أسئلة بلا إجابات: كم عمر هذه العينة؟ وكيف صمدت؟ هل هي صخرة فريدة من نوعها؟ أم أن هناك شيئًا أكثر من ذلك؟ ولكي يعرف الإجابات، كان عليه أن يذهب في رحلة تخييم.

ولكن في البداية كان عليه أن يحدِّد المكان. لم يساعده كثيرًا الملصق الذي حمل عبارة «جبال كورياك»؛ فسلسلة الجبال تلك واحدة من أكبر السلاسل الجبلية في سيبيريا. حملت سجلات بيندي ملحوظةً تقول إن هذه الصخرة كانت واحدة من عشرة آلاف صخرة بيعت إلى المتحف الذي يعمل به في عام ١٩٩٠ من قِبل أحد هواة جمع الصخور في أمستردام يُدعى نيكو كوكوك، ولكن هذه الملحوظة في البداية لم تكن ذات جدوى؛ إذ لم يكن من الممكن الوصول إلى هذا الرجل.

نجح البحث المضني في الكشف عن عينة أخرى من معدن الكاتيركايت، ولكنها لم تكن متاحة لفحصها بواسطة المجهر الإلكتروني الكاشف للحيود؛ إذ كانت ضمن مجموعة خاصة بأحد المتاحف في مدينة سانت بطرسبرج، وقد أهداها للمتحف ليونيد رازين، أحد الرؤساء السابقين للمعهد السوفييتي لأبحاث البلاتين، والذي هاجر إلى إسرائيل بعد أن ترك رئاسة المعهد. وعندما اتصل به ستاينهارت بالاستعانة بأحد المترجمين، زعم رازين أنه لا يعرف شيئًا عن صخرة الكاتيركايت، وهكذا انقطع خيط آخر للإجابة.

ثم لعب الحظ معهم لعبة مذهلة. حكى بيندي لأحد معارفه من أمستردام عن رحلة البحث عن شبه البلَّوْرة، وكان هذا الرجل يقطُن في نفس الشارع الذي تسكنه سيدة تُدعى كوكوك، التي اتضح أنها أرملة نيكو كوكوك. نجح بيندي عندما زارها في أمستردام في إقناعها بأن تُطلعه على دفتر مذكرات سرِّي خاص بزوجها، وبعدها أطلعته على دفتر آخر يحتوي على مذكرات على درجة أكبر من السرية. بعد اطِّلاعهم على المذكرات، اكتشفوا أن صخرة الكاتيركايت خاصة بتاجر صخور روماني يُدعى تيم، وقد باعها إلى كوكوك في عام ١٩٨٧، وتلقَّى تيم صخرة الكاتيركايت بدوره من رازين.

يبدو إذن أن الصخرة التي بحوزتهم، وتلك الموجودة في سانت بطرسبرج، مرتبطتان إحداهما بالأخرى. القليل من التحريات الأخرى التي استندت إلى ما توصَّلوا إليه أدَّت بهم إلى الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يعرف من أين أتت الصخرة؛ وذلك لأنه هو من عثر عليها. هذا الشخص هو فاليري كرايشكو.

النبع الرئيسي

في عام ١٩٧٩، كان كراياشكو، الذي أصبح الآن في العقد السابع من عمره، يعمل في معهد أبحاث البلاتين حين أرسله رازين إلى نبع ليستفنيتوفي في جبال كروياك لكي يبحث عن البلاتين. قضى كراياشكو أيامًا وهو يبحث في الطين الذي يميل لونه الأخضر إلى الزرقة، ولكنه لم يجد بلاتينًا. كل ما عثر عليه هو ذهب ووَحْل وبعض الصخور اللامعة الغريبة. ولكي يُثبت أنه كان يبحث عن البلاتين أثناء وجوده هناك، أحضر معه بعض الصخور الغريبة.

كانت هذه هي آخر مرة يرى كراياشكو هذه الصخور أو يسمع عنها؛ فقد أخذ رازين الصخور إلى سانت بطرسبرج، وهناك باعها إلى هواة جمع الصخور. يقول ستاينهارت: «كان رازين يظن نفسه — في الأغلب — ذكيًّا للغاية، ولكنه بهذه الطريقة فَقَدَ النبع الرئيسي.» لن يدهشنا ذلك إذا عرفنا أنه في ذلك الوقت لم يكن أحدٌ قد سمع عن أشباه البلَّوْرات قط.

أخيرًا، أصبحت هناك وجهةٌ لمعسكرهم، وبعدها بقليل أصبح بحوزتهم المال اللازم للسفر إلى هناك. يقول ستاينهارت: «اتَّضح أن هناك أمرَيْن يستحوذان على اهتمام الأثرياء: الديناصورات والنيازك. كل ما كان علينا هو أن نبحث عن الأشخاص المهتمين بالنيازك.» وهكذا في اليوم الثاني والعشرين من شهر يوليو عام ٢٠١١، وجد ستاينهارت وبيندي وكراياشكو أنفسهم في مدينة منعزلة تُدعى أنادير، تقع في أقصى شرق سيبيريا، وبصحبتهم ويل ستاينهارت، وستة علماء آخرين من روسيا والولايات المتحدة، واثنان من سائقي الشاحنات، ومحامٍ — ساعدهم على تخطي عدد ضخم من العقبات القانونية، وكان يقوم أيضًا بالطهي لهم — وكانت بصحبتهم أيضًا باكس؛ قطة المحامي.

لم يتوقَّع ستاينهارت الأب نفسه أنه سيذهب في هذه الرحلة، يقول: «الجميع يعرف أن احتمالات الحصول ولو على عينة واحدة كانت ضئيلة جدًّا، ولكن في لحظة معينة لا تجد أمامك سوى أن تقول إنك ستشارك. أنا حقًّا لم أكن أعرف ما كنتُ مقبلًا عليه.» فلو نجحوا في رسم خريطة جيولوجية للمنطقة وفَهْم الوسط الجيولوجي للصخرة الأصلية؛ لكان ذلك سيعدُّ نجاحًا.

انطلق الفريق غربًا من أنادير متجهين إلى الجنوب مستقلِّين زلَّاجات جليد آلية — وهي دبابات حربية خرجت من الخدمة مزوَّدة بمداسات عجل تُشبه الجنازير — وخلال أربعة أيام من القيادة على طريق غير ممهد يعجُّ بالبعوض الذي أعاق الرؤية أمامهم، كان لديهم الوقت لتقييم هذا الوسط. كانوا يأكلون عش الغراب، واللحم المعلَّب، والأسماك التي اصطادوها من الأنهار التي مروا عليها في الطريق. وأخيرًا وصلوا إلى الموقع الذي عثر فيه كراياشكو على الصخور منذ أكثر من ثلاثة عقود. يقول ستاينهارت: «صحيح أننا كنا نعسكر وسط الخواء وننقب في الوحل، ولكننا أيضًا كنا نأكل أسماك السلمون والكافيار الطازجة. الأمر كله كان أشبه بحلم.»

كان الأمر أشبه بحلم، وكان ينطوي على عمل شاق أيضًا؛ فقد كسر الوحل الكثيف جاروفَيْن في اليوم الأول من العمل، وانتهى بهم الأمر وهم يحاولون أن يُخرِجوهما من النهر المتجمد بواسطة المجارف والسكاكين. عمليات الغلي والبحث في الوحل للتخلص من الماء والصخور الأكبر حجمًا كانت تخلِّف في نهاية كل يوم حَفنة صغيرة من التراب ذي الحبيبات الدقيقة. ولكن بيندي كان متفائلًا؛ فهو يقول: «كنت على اقتناع تام من البداية بأن الحظ يمكن أن يحالفنا مرة أخرى، وأتذكرهم وهم يقولون: «لوكا، أنت ترى أشباه البلَّوْرات في كل مكان».»

عندما عادوا إلى برينستون اكتشفوا أن بيندي كان على حق؛ فقد كان من بين الحبيبات التي أحضرها أعضاء الفريق تسع حبيبات من مادة نيزكية اصطدمت بالغلاف الجوي للأرض منذ فترة تتراوح ما بين ١٥٠٠٠ و٨٠٠٠ سنة، واحتوت أربع أو خمس حبيبات منها على أشباه بلَّوْرات.

ولكنَّ هذا أثار المزيد من الألغاز؛ فبالإضافة إلى أشباه البلَّوْرات، تضمَّنت المادة النيزكية ألومنيومَ خالصًا — وهو شيءٌ نادر الوجود في الطبيعة؛ نظرًا لانجذابه الشديد للأكسجين — والأغرب من ذلك، أنها احتوت على النحاس المعدني الذي يتكوَّن — بشكل عام — في ظروف تختلف كثيرًا عن الألومنيوم.

يقول ستاينهارت: «إن أمرَ أشباه البلَّوْرات كان واضحًا، ولكن كيف وصلت كل هذه العناصر الأخرى المصاحبة لها إلى هناك؟» قد يتمثَّل أحد الاحتمالات في أنها جاءت من كويكب كبير اصطدمت به صخور أصغر حجمًا، مُعرِّضة أجزاءً منه للحرارة الكافية لصهر الألومنيوم والمعادن التي تحمل النحاس، وقامت بفصل هذه الأجزاء؛ وبذلك تكوَّنت حبيبات أشباه البلَّوْرات. ونتيجة لدرجات الحرارة الشديدة الانخفاض في الفضاء، بردت الصخرة بسرعة؛ مما ساعد هذه الحبيبات التي تكونت نتيجة تلك الصدمة على الصمود.

في هذا السياق، يمكننا أن نقول إن رحلة البحث التي خاضها ستاينهارت قد باءت بالفشل؛ فقصة هذه الحبيبة الضئيلة، التي بدأت باصطدام كوني ورحلةٍ عبر الغلاف الجوي تعرَّضت فيها لحرارة شديدة، ثم قبعت في الجليد الدائم لبضعة آلاف من السنين، لا يمكن أن تمثِّل طريقةً سهلة لتصنيع أشباه البلَّوْرات. ولكن مثله مثل كل الشخصيات النبيلة التي يسيطر عليها الهوس بقضية ما، لا يعتزم ستاينهارت الاستسلام، على الرغم من أنه في الوقت الحالي لا يبتعد كثيرًا عن بلده. إنه يُشبه في ذلك شخصية بيلبو باجنز في نهاية فيلم «الهوبيت» أكثر من شخصية إنديانا جونز؛ فهو يقول: «بما أننا نعرف الآن أن السبب في هذه الصخرة هو نيزك، فمن الممكن أن يهبط هذا النيزك بالحديقة الخلفية لمنزلي. لدينا الآن شبه بلَّوْرة واحدة طبيعية، وهذا يعني أنه ربما تكون هناك واحدة أخرى.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Muhammad Awad ·١٨ مايو ٢٠١٦، ٦:٥٨ ص

    مقال رائع.