يُشتهَر جون تيندال (١٨٢٠–١٨٩٣) في عصرنا الحالي بأنه عالم الفيزياء المنتمي للعصر الفيكتوري الذي اكتشف تأثير الصوبة الزجاجية. فبينما كان يدرس آثار الإشعاع الشمسي الذي يمر عبر الغلاف الجوي على ارتفاعات كبيرة، فحص تأثيرات بخار الماء وثاني أكسيد الكربون في منع الحرارة من التبدد. أخذته أبحاثه إلى جبال الألب السويسرية، حيث وجد عالَمًا من الجمال يختلف تمامًا عن مسقط رأسه في أيرلندا أو مكان عمله في لندن، واستمد منه إلهامًا عميقًا لعمله. يُعرف أيضًا في مجال الطب — بجانب لويس باستور (١٨٢٢–١٨٩٥) — بمعارضة فكرة التولد الذاتي بوصفها تفسيرًا لظهور الأمراض الوبائية، مقترِحًا بدلًا من ذلك النظرية الميكروبية للعدوى، ومعها أوصى باتخاذ تدابير صحية عامة أساسية، مثل توفير مياه جارية نظيفة للاستخدام الآدمي، وطرق لحفظ المنتجات الغذائية، والتعقيم في الجراحة.

كوَّن تيندال كثيرًا من الصداقات في المجتمع العلمي، لكنه أيضًا برع في المناظرات السياسية والعلمية والدينية. واشتُهر بصراحته وافتقاره للدبلوماسية. وقد كان طرفًا أساسيًّا في عدد من النقاشات العلمية المطولة، مثل الذي حدث في فترة السبعينيات من القرن التاسع عشر بشأن التولد الذاتي: هل تتكون الميكروبات من عناصر أساسية موجودة في الأماكن التي تحدث بها العدوى — تتولد تلقائيًّا — أم أن هذه الظواهر تحدث فقط عندما تعرف الميكروبات الموجودة مسبقًا طريقها إليها؟ كانت هذه النقاشات تدور جزئيًّا في العلن على صفحات صحيفة «التايمز» (التي كان يمكن أن تبيع ٦٠ ألف نسخة في اليوم الواحد)، وعملت على نشر شهرته. منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، عمل باحثًا في المدرسة الملكية للمناجم، جنبًا إلى جنب مع توماس هاكسلي (١٨٢٥–١٨٩٥). ساعد من خلال هذه الوظيفة وغيرها في المعاهد البريطانية الأخرى في تحديد شكل تدريس المواد العلمية في بريطانيا لعقود. كان دائمًا ما يُدعى من أجل تقديم النصح للجان البرلمانية المعنية بالإشكاليات العلمية، مثل استخدام الغاز أم الزيت في الفنارات، والانفجارات العرضية، وإضاءة الأماكن العامة، وأفضل طريقة لإصلاح ساعة «بيج بن».

الفيزياء في الهواء الطلق

إلا أن تيندال كانت له إسهامات في مجالات أخرى بخلاف الفيزياء أو علم الأحياء الدقيقة. لطالما استهوى البحثُ عن نظرية موحدة للطبيعة الفلاسفةَ والعلماءَ على حدٍّ سواء. وفي منتصف القرن التاسع عشر كان من المعتقد أن مثل هذه النظرية قد أوشكت أن تكون في متناول العلم. ورأى بعض العلماء أن المادية الفلسفية تكون بالضرورة أساسًا لأية نظرية علمية. ووصِف تخصص تيندال ﺑ «فلسفة الطبيعة»، وهو سلف الفيزياء الحديثة؛ ولذا ينبغي لنا أن ننظر إلى عمله من منظور أنه فيلسوف متخصص في فلسفة الطبيعة.

حاولت فلسفة الطبيعة فهم وشرح ظواهر مثل الضوء والحرارة واللون والصوت وكيفية إدراك الحواس لها. كان تيندال مهتمًّا أيضًا بفكرة الجمال. فقد زار جبال الألب في عام ١٨٥٠ تقريبًا وكان يعود إلى سويسرا في فصل الصيف طوال ٣٤ عامًا متعاقبة من أجل الدراسة وتطوير أفكاره، في نوع من دراسة الفيزياء في الهواء الطلق.

درس كُتَّاب مثل ليو تولستوي وجيرارد مانلي هوبكنز وجورج برنارد شو أعمالَ تيندال لأغراض مختلفة واستفادوا منها. وفي الرسم أيضًا، تأثر المنتمون للمدرسة الانطباعية بإسهاماته في نظريات الضوء الجديدة. أما فيما يخص تيندال فقد قرأ لمؤلفين من أمثال لونجفيلو وَووردزورث وجوته (بالألمانية) وغيرهم آخرين. قرأ أيضًا لتشارلز داروين (١٨٠٩–١٨٨٢) — الذي أصبح صديقًا له في سبعينيات القرن التاسع عشر — وبذل مجهودًا قويًّا من أجل تطبيق المذهب الدارويني على الفيزياء والتاريخ، الأمر الذي أسعد عالِم الطبيعة الموقر هذا الذي توقَّف هو نفسه عن القيام بهذا بعد أن كاد يصل إليه في كتابَيْه «أصل الأنواع» (١٨٥٩) و«نشأة الإنسان» (١٨٧١) خوفًا من إغضاب المؤسسة الكنسية.

في عام ١٨٥٣ عُين تيندال أستاذًا لفيزياء الطبيعة في المعهد الملكي لبريطانيا العظمى؛ الأمر الذي أتاح له الوصول إلى العامة من خلال إلقاء محاضرات متكررة على الجماهير وجهًا لوجه. جعله هذا المنصب أيضًا على اتصال بمايكل فاراداي (١٧٩١–١٨٦٧)، الذي تطورت علاقته به إلى علاقة أبوية بالرغم من اختلافاتهما العلمية والدينية. وعند وفاة فاراداي خلف تيندال معلمه كمدير للمعهد، ونشر في عام ١٨٦٨ كتاب «فاراداي كمكتشف».

سافر تيندال وحده إلى سويسرا، ومعه بضعة كتب، من أجل الاستلهام من المنظر الطبيعي وفي الوقت نفسه من عملية الاستبطان، محاولًا رسم خريطة لمسار العقل العلمي للوصول إلى نظريات جديدة. فكان باستطاعته رؤية أنه مع زيادة تقلص الحجم، والانتقال من المرئي إلى الجزيئي وغير المرئي، يجب على العقل الانتقال إلى ما وراء الحسي؛ إلى عالم تصوري ودون مجهري، حيث تظل قوانين الفيزياء المعروفة تعمل وتظهر قوانين جديدة. كان هذا هو موضوع إحدى محاضرات تيندال التي حظيَت باستحسان هائل، والتي ألقاها في عام ١٨٥٨ عن «الدور العلمي للخيال».

انتخاب مثير للجدل

في عام ١٨٧٣ — في اجتماع في برادفورد — انتُخب تيندال رئيسًا للجمعية البريطانية لتقدم العلوم لعام ١٨٧٤، عندما تجتمع الجمعية في بلفاست. كانت الجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم التي أُنشئت في عام ١٨٣١ تهدف لإصلاح ما اعتبره الكثيرون تدهورًا للعلم في إنجلترا، وإضفاء صفة الاحترافية على المجال وتكوين شبكة من العلماء؛ ومن ثَمَّ كانت الجمعية تنتخب رئيسًا جديدًا لها سنويًّا وتعقد اجتماعها السنوي في مركز إقليمي مختلف في الجزر البريطانية. كان من المقرر أن يلقي تيندال خطابه الافتتاحي في بلفاست في التاسع عشر من أغسطس عام ١٨٧٤. وبالرغم من أن الاستقبال حظي بدراسة واسعة، فإن محتوى المحاضرة ونصها المنشور لم يحظيا باهتمام كافٍ.

كان انتخاب تيندال لرئاسة الجمعية البريطانية لتقدم العلوم في اجتماع برادفورد مثيرًا للجدل؛ فقد كان الكيميائي توماس أندروز (١٨١٣–١٨٨٥) — أحد السكان المحليين — مرشحًا بإجماع الآراء للمنصب في العام السابق، إلا أن تيندال أُقحم في المنصب من خلال جهود أصدقائه جوزيف هوكر وويليام سبوتيسوود — اللذين كانا أعضاءً مع تيندال في الجمعية — وهاكسلي وهربرت سبنسر، أعضاء جماعة «إكس كلوب» غير الرسمية المكونة من تسعة علماء مؤثرين. وكان تركيزهم منصبًّا على حصول مؤسسة علمية احترافية ناشئة على النفوذ، معجِّلين عملية الانتقال من سيطرة الهواة الأثرياء والقساوسة إلى سيطرة هيئة تنافسية من المحترفين، طامحين إلى الحصول على الوظائف الجامعية التي ظهرت مؤخرًا وعلى أموال الأبحاث الرسمية. كذلك كان أعضاء جمعية «إكس كلوب» يرحبون بأي شيء يزعزع سيطرة الكنيسة على الجامعات. وكان من المفترض أن يروج خطاب تيندال الصريح في مدينة بلفاست المقسمة دينيًّا لقضيتهم.

مع ذلك، فإن الجدل المحيط بانتخاب تيندال كرئيس للجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم لم يكن يتعلق بآرائه الدينية بقدر تعلقه بأسلوبه الفظ وغلظته الواضحة والمخاوف بشأن أخلاقياته المشكوك فيها، ومنها المزاعم بأنه سرق أفكار عالم جيولوجي اسكتلندي معروف تُوُفِّيَ مؤخرًا، وهو جيمس ديفيد فوربس (١٨٠٩–١٨٦٨)، بخصوص طبيعة الأنهار الجليدية وكيفية تحركها كأنهار من أعالي الجبال. وفي أثناء اجتماع برادفورد، نشرت مجلة «نيتشر» خطابًا كتبه تيندال ينكر فيه بفظاظة آراء كلٍّ من فوربس وكُتَّاب سيرته (الذين كانوا قد أنتجوا للتو سيرة فوربس الذاتية)، والذين كان لهم حضور قوي في برادفورد. وكان أحدهم، وهو بيتر جي تيت (١٨٣١–١٩٠١)، قد تجادل مع تيندال بالفعل بشدة في مناظرة حول من أنشأ المكافئ الميكانيكي للحرارة.

كان تيندال قدَّم بالفعل نظريات عن المادية بوصفها الطريقة الوحيدة المناسبة للعلوم الطبيعية وفلسفة الطبيعة في اجتماعين سابقين للجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم في نورويتش وجلاسجو، ولم يُلاقَ أيٌّ من الاجتماعين بكم كبير من العداء، حتى من رجال الدين من مختلِف الأطياف. ولم يكن تيندال مقتنعًا بقوة «الأرواح» في العالم المادي، وكان يسخر — تمامًا مثل معلمه فاراداي — من جلسات استحضار الأرواح، والوسطاء الروحيين والأدوات الروحانية التي كانت شائعة في هذا الوقت. ولم يكن تيندال بطبيعته بارعًا في تمييز الاختلافات بين الاحتيال المخفي بالكاد للروحانية والإشارات العقلانية والتأملية للعالم الروحي الخاص بالمسيحية. وعلى عكس فاراداي، فقد رفض الصلاة والمعجزات والدين المنظم دفعة واحدة؛ لأنه فشل في قياس تأثيراتها المادية. وقد قابل بعض الجمهور الحاضر في خطاب تيندال في بلفاست الخطاب بالتصفيق، بينما أبدى آخرون استياءهم وترك البعض الحجرة في اشمئزاز.

استغل كلٌّ من هاكسلي وجمعية «إكس كلوب» — اللذين رشحا تيندال لهذه المهمة — فرصة إلقاء رجل أيرلندي لخطاب يعارض فيه الدين المنظم في بلفاست. إلا أنه من الواضح من مراسلات تيندال الكثيرة المتبقية أنه لم يحب فكرة إلقاء خطابه الرئاسي في تلك المدينة، ربما بسبب سمعتها بأنها معقل تأثير الكنيسة. ومع اقتراب موعد الخطاب، زادت معارضته قوةً وزادت قسوته على جمهوره المحتمل؛ فأصبح هدفه هو التسبب في صدمة لهم بدلًا من تنويرهم.

في الماضي، تحدث زملاؤه الفلاسفة المتخصصون في فلسفة الطبيعة أمثال جيمس فوربس وبي جي تيت وويليام تومسون وجيمس كلارك ماكسويل ببراعة من منبر الجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم، ملخصين التقدم الذي حدث طوال العام في مجالهم. كان هؤلاء الأربعة أيضًا علماء رياضيات استثنائيين، قادرين على صياغة نظرياتهم باللغة الرياضية. وفي المقابل كان فاراداي وتيندال علماء تجريبيين عظماء، لكنهما كانا أقل براعة إلى حدٍّ بعيد في الرياضيات. كان كلٌّ من فوربس وتيت وتومسون وماكسويل ينتمون لعائلات أرستقراطية ولهم أصول اسكتلندية، بينما كان تيندال رجلًا أيرلنديًّا تمكَّن عبر الجهود المضنية من التسلق إلى أعلى نخبة لندن العلمية. كان ماكسويل وتومسون ملتزمَين بأفكارهما الدينية ولم يريا أي نوع من التعارض — بل رأيا انسجامًا — بين نظرية موحدة للطبيعة والإيمان بالخالق، وهي حقيقة عبروا عنها من وقت لآخر في خطاباتهم العامة. لاحظ تيندال هذا وربما ضايقه، كما لو أنهم يسيئون لسمعتهم العلمية على الملأ من أجل دعم الدين. فقرر تيندال استغلال الفرصة في بلفاست من أجل التقليل من شأن هذا الأمر.

المذهب الذري التقليدي

خاطر تيندال — منحرفًا عن المحتوى التقليدي للمحاضرة ومدفوعًا على الأرجح برغبة تنافسية للتفوق على سابقيه — بالدخول في مجال جديد عليه في التاسع عشر من أغسطس عام ١٨٧٤. فقد قدم خطابُه المكوَّن من ٢٠ ألف كلمة مزيجًا من العلم والتاريخ والدين، ووصل — مدعومًا بدعاية كبيرة في الصحافة — إلى حدود العالم الذي كانت فيه العلوم البريطانية بوجه عام، وتيندال بوجه خاص، يحظيان بتقدير كبير.

ذكر تيندال في النصف الأول من خطابه لمحة عامة عن تاريخ المذهب المادي عائدًا إلى المفكرين الكلاسيكيين الأوائل؛ ديموقريطوس ولوكريتيوس وإبيقور. افترض هؤلاء وجود الذرات، وأنها تتسم ببعض الصفات البشرية؛ إذ تحب وتنفر. أما الجيل الحالي من العلماء فيرون الذرات على أنها مجرد وحدات للمادة تنتمي إلى عدد محدود من الفئات، ولديها خواص فيزيائية مثل الكتلة والتركيب وتتحد وفقًا لقوانين الكيمياء. كان هذا المجال جديدًا على تيندال؛ لأنه بالرغم من أنه قد تحدث عن المادية من قبل، فإنه لم يذكر قط علماء الذرة الكلاسيكيين ولم يربط مذهبهم الذري بالفكرة الناشئة في القرن التاسع عشر عن المذهب الذري. وفيما يتعلق بالمراجع فقد ذكر في الأساس الفيلسوف الألماني فريدريش ألبرت لانج (١٨٢٨–١٨٧٥) وكتابه «تاريخ المادية» (١٨٦٦)، وجون ويليام دريبر وكتابه «تاريخ التطور الفكري في أوروبا» (١٨٦٤).

أما النصف الثاني فقد لخص فيه الإسهامات البريطانية الحالية في المذهب المادي العلمي، مفسرًا آراء داروين وهاكسلي في التطور وآراء هربرت سبنسر في علم النفس على أنها استمرار لمثل هذه الرؤية المادية للإنسان. ومع ذلك رفض صراحة التصديق على هذه المبادئ، وبدا أنه متأثر بالأحرى برومانسية صديقه العزيز توماس كارليل (١٧٩٥–١٨٨١). في مذهب تيندال المادي تتسم المادة ببعض السمات الإلهية؛ ولذا فهو يشعر بالاستياء الشديد عندما تُعرض المادة كشيء جامد لا حياة فيه أو كمجرد قوة غاشمة …

لا يزال الباحثون في جدال حول الطبيعة المحددة لمذهب تيندال المادي، وبشأن ما إذا كان خطابه في بلفاست دليلًا على المادية العلمية أم على الواحدية (وحدة الوجود). ولكن ما لا شك فيه هو أنه أراد من خطابه زعزعة العقيدة المسيحية التقليدية، سواء البروتستانتية أو الكاثوليكية، وهذا ما نجح في تحقيقه؛ فلشهور وحتى سنوات عقب الخطاب في بلفاست تعرَّض تيندال لتوبيخ من الوعاظ والصحافة.

كان تيندال يعلم أن خطابه الشفهي هذا سيُنشر على نطاق واسع في الصحافة والمجلات الأكاديمية؛ لذا كان متعجلًا للحصول على نسخة جاهزة للمطابع. ولا يمكن أن تُنسب أخطاؤه — التي سنراها فيما يلي — للطبيعة الشفهية للخطاب. ففي مناسبات أخرى عندما كان تيندال يُضطَر لإعداد خطابات عامة دون وجود أية نتائج جديدة من أبحاثه، فإنه كان ينسحب إلى فندق «بل ألب» البعيد وحده. وفي عام ١٨٧٤، كان من غير الممكن الوصول إلى الفندق — الذي يقع بالقرب من مدينة «بريج» عند الحافة الشمالية لسلسلة جبال الألب حيث تلتقي بجبال الألب البرنية — إلا على ظهر حصان أو سيرًا على الأقدام، فحدَّ هذا من عدد الكتب التي يستطيع أخذها معه. وصل في هذا العام في أوائل شهر يونيو، حيث كان أمامه نحو شهرين لإعداد خطابه. يجب أن تُرسَل المسودات إلى المطابع (تايلور وفرانسيس في لندن) مبكرًا من أجل السماح بقراءة البروفات الطباعية بعناية وطباعة مسودة نهائية قبل الاجتماع. في هذا الوقت ربما كانت لدى تيندال فكرة عن اتجاه خطابه، حيث إننا نعلم أنه في شهر يناير كان على اتصال بلانج يستفسر منه عن الطبعة المعدلة من كتاب «تاريخ المادية» التي كان الألمان يُعدونها. إلا أن ظروفًا غير متوقعة تدخلت ومنعت تيندال من التركيز على خطاب بلفاست كما اعتزم هو وهاكسلي.

مصادر إلهاء غير متوقعة

عند خروج تيندال من بركة جبلية عقب السباحة فيها بعد وصوله مباشرة، جُرح مشط قدمه في الصخور وتلوث الجرح. أصابته الحمى لعدة أيام ولم يتمكن من النوم ولا المشي. عقب هذا الحادث أصيب بألم في أسنانه سبَّب له معاناة مماثلة. يعني هذا كله أن وقت كتابته قد تقلص ولم يحرز إلا تقدمًا طفيفًا بنهاية شهر يونيو. وفي أثناء إقامته في جبال الألب تلقى نحو ٣٠ خطابًا، بعضها بشأن صورته العامة، كتبها زملاء محترمون من أمثال تيت وأجازي، والتي كانت تستدعي من جانبه استجابة عاجلة ومتعقلة. فقبل أيام قليلة من بدئه لإجازته الصيفية، نشرت مجلة «كونتيمبراري ريفيو» تقريرًا آخر من تقارير تيندال السيئة، وكان هذه المرة عن شانون رندو، قِسٍّ كتب أيضًا منتقدًا حركة الأنهار الجليدية وكان متفقًا مع فوربس. نشر المدافعون عن فوربس — الذين كانوا أيضًا أصدقاء رندو — خطابات في مجلة «نيتشر» تهاجم تيندال بشدة، لدرجة أنه — على غير عادته، ووفقًا لنصيحة هاكسلي — رأى الحاجة إلى كتابة اعتذار علني.

لم يكن تيندال محبوبًا لدى كثير من زملائه؛ فقد كان مريضًا ويضيع كثيرًا من الوقت في الدفاع عن نفسه من الهجوم العلني. وكان منعزلًا ولديه كمٌّ قليل للغاية من الكتب. وبعد مرور عدة أيام تلقى خطابًا من جورج جابرييل ستوكس (١٨١٩–١٩٠٣)، رئيس تحرير إحدى مجلات الجمعية الملكية، يخبره بأن البحث الذي قدمه مؤخرًا قد رُفض. وتدفقت المراسلات بين الاثنين بشأن تفاصيل الرفض. في الثاني والعشرين من شهر يوليو شكا هاكسلي من عدم اطلاعه على مسودة الخطاب. وفي الثامن من أغسطس، كان تيندال لا يزال في فندق «بل ألب» يراجع البروفات المطبعية من المطبعة للثلث الأخير من الخطاب. ولقد كتب لسبنسر يطلب منه بعض التفاصيل الجديدة بشأن سلوك فرخ دجاجة خرج مؤخرًا من بيضته، فقدمها له سبنسر بأريحية، ودُمجت هذه التفاصيل في النهاية في الخطاب المطبوع في صورة حاشية سفلية.

بحلول الحادي عشر من أغسطس عاد تيندال إلى لندن. وقد طلب من سبنسر إلقاء نظرة على البروفات المطبعية للمرة الأخيرة، لكن سبنسر كتب إليه — من «أردتورنيش» من شبه جزيرة مارفيرن باسكتلندا — يخبره بأن البريد في هذه المنطقة يُسلم ويُجمع ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، مضيفًا: «لم أتلقَّ البروفات المطبعية بعدُ من تايلور وفرانسيس، والآن لا يمكنني ذلك حتى يوم الخميس في الساعة الواحدة. ولن أتمكن من إرسالها حتى صباح يوم الجمعة، ولن تصل إلى لندن حتى يوم الاثنين.» كان الموعد الذي أشار إليه سبنسر هو السابع عشر من شهر أغسطس.

ادعاءات

رغم قدرة الخطاب على إحداث ضجة، فإن من الواضح أن تيندال وجد صعوبة في كتابته. لم يكن بحاجة من قبلُ إلى محاكاة الآخرين من أجل إنتاج أفكار رائعة، لكن في هذه المناسبة يبدو أنه وضع نفسه في مأزق شديد للغاية؛ بحيث كان الخيار الوحيد أمامه لكي يتمكن من الانتهاء في الموعد النهائي في التاسع عشر من أغسطس هو النقل عن الآخرين. يبدو من المؤكد أنه أخذ كثيرًا من أفكاره، وأخذ فقرات كاملة — رغم أنها كانت مترجمة — من أعمال لانج وزملائه، منهم صديقه داروين وهاكسلي وسبنسر والمؤرخ جون دريبر — كما كان يحب أن يصف نفسه. إن النتائج التي توصلنا إليها في هذا السياق تأتي من ثلاثة ادعاءات معاصرة له بسرقة الملكية الفكرية، وكان أصحاب هذه الادعاءات هم توماس ديفيدسون (١٨٧٤) ومايكل أوفيرال (١٨٧٤) وجي باري (١٨٧٧)، وهم فلاسفة وعلماء لاهوت كانوا على علم جيد بالمشهد الثقافي الألماني. وفيما بعد أورد المؤرخ روث بارتون إشارات إلى «الاقتباس المكثف» الذي حدث.

من الواضح أن لانج كان مصدر إلهام تيندال الرئيسي في خطاب بلفاست، وكانت السرقة الفكرية بارعة إلى حدٍّ ما. فقد ذكر بالفعل المصادر في بعض الأحيان، لكنه لم يفصح طوال الوقت عن مكان استخدامه لها أو إلى أي مدًى. على سبيل المثال، في بداية البحث يشير تيندال إلى كتاب لانج «تاريخ المادية»: «الذي أدين لمعناه الحرفي وروحه بالكثير.» إلا أنه أهمل إلقاء الضوء على مقدار ما كان في نصه ترجمة مباشرة لهذا العمل.

وعند قراءة محاضرة تيندال والترجمة الإنجليزية لكتاب لانج في العصر الحالي ستصدم بمدى التشابه بينهما. على سبيل المثال، النبذات الواردة عن ديموقريطوس ولوكريتيوس وبروتاجوراس وجوردانو برونو وديكارت التي ظهرت في الاثنين كانت تقريبًا بنفس النص كلمة بكلمة وعلى مدار فقرات طويلة، لكن تيندال لم يستخدم علامات تنصيص ولا خطًّا مائلًا من أجل الإشارة إلى أنه كلام لانج.

في عام ١٨٧٤ كان لانج يحاول الانتهاء من النسخة الألمانية الثالثة من أكبر أعماله الفنية «تاريخ المادية»، من أجل توضيح أن المذهب المادي الفلسفي يمثل إشكالية. في هذه النسخة عاد إلى رائدي مذهب الذرية الكلاسيكيين، مشيرًا إلى أن ماديتهم كانت مدمرة للآلهة، ولهذا كانت تُقمع دائمًا. تَحوَّل الاهتمام بعد ذلك إلى أفلاطون وأرسطو، اللذين كانت فلسفتهما — على حد قول لانج — في الأساس ألعابًا كلامية يسرت الدين. يحاكي النصف الأول من خطاب تيندال كلام لانج بشدة؛ فمن الواضح أن تيندال كان يترجم عن الألمانية، حيث عمل على «تلخيص» (على حد قوله) النص وإدخاله في سرده. فيبدو أن فكرة أن عمل لانج هذا لم يترجَم بعد (فقد نشر بالإنجليزية في عام ١٨٧٧) قد مثلت فرصة فريدة لعدم ملاحظة السرقة الفكرية. فيستطيع تيندال أن يفترض باطمئنان أن معظم جمهوره في بلفاست لا يستطيع قراءة الألمانية، ناهيك عن عمل لفيلسوف ألماني متواضع.

كان جون ويليام دريبر (١٨١١–١٨٨٢) أستاذًا في الكيمياء وعلم وظائف الأعضاء في جامعة نيويورك، ألَّف كتابه «تاريخ التطور الفكري في أوروبا» في عام ١٨٦٢ (الطبعة الثانية عام ١٨٦٤)، وقد كان كتابًا مؤثرًا في عصره في بعض الأماكن، لكنه فقد مصداقيته حاليًّا بين المؤرخين بسبب استهتاره بطرق البحث التاريخي. لقد كان لدريبر عند إعادته لصياغة كلام جيمس مور مطلق الحرية في كتابة كراسة دعاية دينية، لكنه كان مخطئًا في إطلاق كلمة «تاريخ» عليها وفي تظاهره بالحيادية. فلقد كان منساقًا في آرائه بتحيز شديد مناهض للرومان، وربما يكون هذا هو ما جذب تيندال لعمله أكثر من أية صفة أخرى. على الأرجح الْتقى الرجلان في نيويورك، حيث ألقى تيندال محاضرة هناك بينما كان في جولة أمريكية في ١٨٧٢-١٨٧٣. ذُكر اسم دريبر في الخطاب، لكن المرجع — المحاط بعلامات اقتباس تضم ٢٦ كلمة — استمر لما يقرب من ٥٠٠ كلمة.

السرقة الفكرية التاريخية

داروين هو أكثر مؤلف استُشهد به في خطاب تيندال (٢٢ مرة)، إلا أن هذا لا يَحُول دون وجود سرقة فكرية في مواضع أخرى. ففي موضعٍ ما في النصف الثاني من الخطاب، نقل تيندال حرفيًّا ٤٥٠ كلمة من مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب «أصل الأنواع»، لكنه استخدم علامات تنصيص، فقط من أجل احتواء فقرة مكونة من ١٨ كلمة؛ وعليه تُنسب هذه الكلمات فقط لداروين، فالمعنى الضمني أن اﻠ ٤٣٠ كلمة الأخرى ليست لداروين. كانت معرفة داروين بالتاريخ الطبيعي واسعة للغاية لدرجة أنه أحيانًا ما كان يستغرق في الإسهاب. كان هاكسلي أول من روَّج لأعمال داروين، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن استخدامه للغة ربما يكون مفعمًا بالحياة وسهل الفهم. واختار تيندال أن ينقل عن هاكسلي بدلًا من داروين في فقرات معينة كانت في نصوص داروين أكثر غموضًا. على سبيل المثال، فإن شرح وجود قابلية طبيعية للتغير باستخدام حالة الحمام منتشر ومتفرق على مدار كتاب «أصل الأنواع»، لكن هاكسلي قام بتبسيط الأمر في واحدة من «محاضراته إلى رجال الطبقة العاملة»، وهذا هو ما اختار تيندال نسخه، دون اعتراف مباشر بفضل هاكسلي، بينما هو يتحدث عن داروين. يظهر سبنسر أيضًا على نطاق واسع للغاية بالقرب من نهاية الخطاب، ورغم الاعتراف بالاقتباس منه تحديدًا في إحدى المرات، فإن كلامه أيضًا «لُخِّص» دون الإشارة إليه في فقرات أخرى طويلة.

تحدث السرقة الفكرية العلمية — التي وصلت لنسب وبائية — في عصرنا الحالي غالبًا عبر اللغات، بين الإنجليزية والصينية. هذا ويصعب إثبات السرقة الفكرية في أي عصر. ويدعي بعض الأفراد أنها كانت متفشية في علوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ ومن ثَمَّ يمكن عدم أخذها على محمل الجد. فقد اتُّهم كلٌّ من كاربنتر وفاراداي وفوربس وجوته ولوبوك ولايل وويفيل-تومسون وأيضًا تيندال بحالات سرقة فكرية في عصرهم. ويُقال إن السرقة الفكرية يكثر وجودها نسبيًّا في خطابات المعهد الملكي لبريطانيا العظمى أكثر من وجودها في خطابات الجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم؛ لأن الأولى كانت أكثر اعتمادًا على التواصل الشفهي، بينما كانت وسيلة انتشار الثانية على نطاق واسع هي الطباعة. مع ذلك فإن الحالات المعروفة تشير إلى أنه عادةً ما تكون ادعاءات السرقة الفكرية في المادة المطبوعة ذات أهمية كبرى للأشخاص المعنيين والمجتمع العلمي الواسع.

إن الادعاءات «التاريخية»، التي يكون فيها السارق والمسروق قد تُوُفِّيَا تستحق الدراسة في عصرنا الحالي؛ لأن عملية تحديد ما إذا كان قد حدث نسخ أم لا هي مسألة نزاهة وأمانة في العلم والتاريخ، وتجاهُلها قد يؤدي إلى إضاعة دروس مفيدة أو قبول معرفة مغلوطة. يحدث هذا على وجه الخصوص مع النصوص واسعة الانتشار التي تُطبع في المجلات المتخصصة. وإذا كانت السرقة الفكرية تضم النسخ (حتى بعد الترجمة) في مثل هذه المجلات دون وجود إسناد واضح، فإن خطاب تيندال في بلفاست كان مثالًا على هذا. يمكن للإسناد العام أو غير المحدد أن يخفف التهمة بالمثل إلى درجة غير محددة، لكن عندما يصل هذا إلى أكثر من ٢٥ في المائة من إجمالي النص، فإننا ندرك أن هذا قد تخطى الحدود.

أدت كثير من الجوانب في طبيعة تيندال إلى جعله محبوبًا وعطوفًا؛ فحرصه وشغفه بالعلم والطبيعة، وفوق كل هذا صداقاته التي استمرت طوال حياته مع كارليل وهيرست وهاكسلي، وعلى وجه الخصوص جوزيف هوكر؛ تشير كلها إلى أنه كان مليئًا بالرقة الرجولية. ربما كانت حماسة زوجته الشابة للاحتفاظ بأوراقه الشخصية سرية هي ما منعت تسجيل «حياته وأعماله» عقب وفاته مباشرة. ونظرًا لعدم وجود أطفال لديه؛ لم يقم أحد بهذه المهمة الكبيرة لخمسة عقود تقريبًا بينما كان العلم يتقدم. من السهل القول إن خطاب تيندال في بلفاست — أكثر أعماله رواجًا — أصبح في طي النسيان؛ لأن معارضيه الدينيين طمسوه، أو أنه كان حادثًا منفردًا مقدرًا له أن يهمل. في رأينا أنه قد أُهمل نظرًا لأن المجتمع العلمي — المكتفي بنجاحه عن أي تبرير — أصبح محرجًا بعض الشيء من التواضع الفكري النسبي لنصيره تيندال وأيضًا من طبعه السيئ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.