في العشرين من سبتمبر عام ١٩٨٤، بدأت إذاعة مسلسل جديد من مسلسلات كوميديا الموقف على قناة إن بي سي. كان «برنامج كوزبي» من بطولة بيل كوزبي الذي جسَّد شخصية هيثكليف (أو كليف) هاكستابل، وهو طبيب أخصائي توليد أسود ينتمي للطبقة المتوسطة ويعيش مع زوجته وأبنائه الخمسة في بروكلين بنيويورك. بدأ المسلسل بموقف يألفه ملايين الآباء: عاد ثيو — ابن كليف — إلى المنزل ومعه تقريره المدرسي يعجُّ بتقديرات ضعيف. كانت والدة ثيو منزعجة جدًّا، واشتاط كليف غضبًا. لكن ثيو قال إن درجاته المتدنية لا تهمه لأنه لا يريد الالتحاق بالجامعة، فكان هدفه هو أن ينشأ مثل «الأشخاص العاديين»، وإذا كان كليف يحب ابنه، ألا يعني ذلك أن يتقبَّله على حاله؟

وهنا صفق الجمهور. كان هذا ما يعلِّمه التليفزيون لهم على مدار أكثر من عقد؛ أن الحب والتفاهم أهم من التنافس والنجاح. لكنهم صُدموا عندما رفضت شخصية كوزبي هذا، حيث قال: «ثيو، هذا أكثر الأشياء التي سمعتها حماقة على الإطلاق! ليس غريبًا إذن أنك تحصل على تقدير ضعيف في كل شيء … استمع إلي، سوف تحاول قدر استطاعتك، وسوف تفعل ذلك لأني قلته لك. أنا والدك، وقد أتيت بك إلى هذا العالم، وأستطيع أن أخرجك منه!» في البداية كان ضحك الجمهور عصبيًّا، لكن باقتراب نهاية المشهد، كانوا يصفقون بحرارة. لقد قلب بيل كوزبي لتوِّه موازين المنطق التحرري على قنوات تي في لاند رأسًا على عقب. عاد منهج التربية على أساس أن «الوالد هو الأكثر دراية بما فيه مصلحة أبنائه».

ناقش برنامج «أمريكا في وقت ذروة المشاهدة» الذي عُرض على قناة بي بي إس الوثائقية هذا المشهد، وعُرض بعد ذلك بفترة قصيرة على قناة بي بي سي. يعرض البرنامج فكرة أننا قد نفترض أن التوجه السياسي للبرنامج توجُّه ليبرالي؛ لأن عائلة كوزبي عائلة أمريكية من أصل أفريقي، وكانت مسلسلات كوميديا الموقف في سبعينيات القرن العشرين تميل إلى استخدام شخصيات من السود لتتناول الفقر والعنصرية. ولكن نهج كليف هاكستابل القديم في التربية يشترك في الكثير مع التوجه المحافظ المتفائل الذي اتسمت به فترة رئاسة الجمهوري رونالد ريجان في ثمانينيات القرن العشرين. كان آل هاكستابل أثرياء يواظبون على الحضور إلى الكنيسة بانتظام، ويرأسهم رب أسرة صارم. لكن للأسف، حوَّلهم هيكلهم الأسري التقليدي بين الأسر السوداء يومًا بعد يوم إلى الاستثناء وليس القاعدة. كانت نِسب الطلاق وإنجاب أبناء غير شرعيين تتفاقم بسرعة في أمريكا في ثمانينيات القرن العشرين. وبحلول عام ١٩٩٢ — عندما انتهى البرنامج — كان ٦٨٪ من الأطفال الأمريكيين من أصل أفريقي قد أتوا إلى الدنيا دون زواج. وتصادف عرض الحلقة الأخيرة من كوزبي مع أعمال الشغب في لوس أنجلوس التي كانت نتاجًا للتمييز الاقتصادي وثورة السود على شرطة وحشية. ربما بدأ البرنامج بوصفه علاجًا صحيًّا لحرية التعبير عن المشاعر، لكنه انتهى كفانتازيا تهدف للهروب من الواقع.

تحمل نسب مشاهدة «برنامج كوزبي» الضخمة بين كل من السود والبيض في ثناياها قصة محيرة؛ فمن ناحية، كان الطلاق وإنجاب أبناء غير شرعيين يغيران من شخصية العائلة الأمريكية إلى الأبد، وكان عيش شريكين غير متزوجين معًا أمرًا مرجَّحًا، وكان الشركاء يميلون إلى هجر العلاقة التعيسة، كما شاعت العلاقات الجنسية دون زواج. ومن ناحية أخرى، كان الأمريكيون لا يزالون يقدسون الزواج بين الرجل والمرأة، لا زواج المثليين جنسيًّا، وأرادوا أن يشاهدوا برامج تؤكد على هذا. تركزت جميع الأعمال التليفزيونية الناجحة في ثمانينيات القرن العشرين حول العائلات التقليدية؛ مثل «السيد بيلفدير» و«من المدير؟» و«الآلام المتزايدة». كان البرنامج المفضل لدى رونالد ريجان هو «روابط عائلية» الذي قام ببطولته مايكل جيه فوكس وأدى فيه دور مراهق تمرد على والديه الليبراليَّين بالاشتراك في الحملة المؤيدة لرونالد ريجان.

يكمن تفسير هذه المفارقة في الجاذبية الدائمة للأسرة المتماسكة. لم تكن الأسرة الأمريكية موجودة منذ فترة طويلة، فقد تكونت بفعل الظروف الاقتصادية والسياسية الفريدة التي شهدتها البلاد في خمسينيات القرن العشرين، ثم قوَّضتها الثورة الاجتماعية في الستينيات لتعود للحياة باعتبارها نموذجًا مثاليًّا في السبعينيات على يد حركة محافظة قدمت صورة وردية زائفة للماضي. ولكن في حين كانت الأسرة لا تمثل سوى طريقة عيش عدد من الأشخاص على مدار بضع سنوات، قويت شوكة هذا الفهم الخاطئ وتحول إلى ثقافة. وتظل الأسرة الموحدة المتماسكة في نظر الكثير من الأمريكيين مرادفًا للوعد المقدس بالحلم الأمريكي.

كوميديا الموقف وحياة الضواحي

في عام ١٩٥٧، عرضت قناة سي بي إس لأول مرة برنامجًا تلفزيونيًّا بعنوان «اترك الأمر لبيفر»، كان من بطولة جيري ماذرز الذي جسَّد شخصية ثيودور كليفر «بيفر»، وهو طفل فضولي يعيش مع والديه جون وورد في ضاحية محاطة بالخضرة. كانت الحبكة القصصية واحدة في كل الحلقات: يقع بيفر في مشكلة ويوبخه والداه ويتعلم البطل شيئًا عن حقائق الحياة.

في إحدى القصص، التقي بيفر ولدًا أبواه مطلقان، وكان بيفر يغار من الهدايا الكثيرة التي يحصل عليها الولد من والده المنفصل عن والدته، لكنه سرعان ما اكتشف أن الطلاق يؤدي أيضًا إلى فقدان الشعور بالأمان وإلى الاكتئاب، لذا انتهت الحلقة بمشهد يتوسل فيه بيفر إلى والديه ألا ينفصلا أبدًا. لم يكن الطلاق النموذج الوحيد المعبِّر عن الخلل الاجتماعي الذي استعرضه البرنامج، فقد كانت العوانس، مثل العمة مارثا المتزمتة، مشاكِسات ويعشن حياة خالية من الجنس، في حين كان العزَّاب أمثال آندي متعدد الصنائع المعاقر للخمر، متكاسلين عن العمل. لقد كان عالمًا يسوده يقين التوجه المحافظ، ويجمع أشتاته الخوف من الاختلاف عن التقاليد.

واليوم يلخص مسلسل «اترك الأمر لبيفر» الهدوء والرفاهية التي سادت الحياة الأمريكية قبل عاصفة ستينيات القرن العشرين. في الواقع، حاد العالم الذي صوَّره المسلسل عن الوقائع التاريخية؛ فقبل عام ١٩٥٠ كانت الأوضاع مختلفة تمامًا. في عام ١٩٠٠، خرجت الغالبية العظمى من النساء للعمل، وكانت الولايات المتحدة بها أعلى معدل للطلاق في العالم. وكان واحد من بين كل عشرة أطفال تقريبًا ينشأ في أسرة بها والد واحد فقط، وهُجر مئات الآلاف من الأطفال نتيجة لقصر اليد، وابتُليت العائلات بالمرض والموت؛ حيث فقد ٣٥ إلى ٤٠٪ من الأطفال أحد الأبوين أو الأشقاء قبل سن العشرين.

لم تبدأ ظروف حياة المواطن الأمريكي العادي تتحسن وتصبح أكثر استقرارًا إلا في خمسينيات القرن العشرين؛ فاتسم ذلك العقد بارتفاع معدل المواليد واستقرار معدل الطلاق وتراجع سن الزواج. وفي عام ١٩٥٠، تزوجت أغلب النساء في سن العشرين فقط، ولم يحصل سوى ١٦ في المائة منهن فقط على وظائف خارج المنزل، وكانت أغلب العرائس يحمَلن خلال سبعة أشهر من الزفاف، ولم يكتفين بطفل واحد: فمن عام ١٩٤٠ إلى عام ١٩٦٠، تضاعف عدد الأسر التي أنجبت ثلاثة أطفال، وزاد عدد تلك التي تضم أربعة أطفال إلى أربعة أمثال.

أطلق علماء الأنثروبولوجيا المعاصرون على هذا اسم «الأسرة النووية»، وكانوا يعنون بهذا المصطلح وحدةً تنشأ حول النواة المتمثلة في الأب والأم. لكن الاسم أيضًا يحمل إيحاءات تذكرنا بسياسة الحرب الباردة. كانت الأسرة على خط المواجهة في صراع وجودي بين الشيوعية والرأسمالية؛ ففي المعسكر الشيوعي — حسب المروجين له — كانت قضايا الجماعية والإلحاد والفقر، أما في المعسكر الرأسمالي، فنجد الاعتماد على النفس وحرية اعتناق الدين وقدرًا من الراحة المادية لم تشهد له الولايات المتحدة مثيلًا في تاريخها. كان العلم يقضي على الأمراض، وزادت الرواتب وخففت السلع المنزلية من كدح الناس بالعمل، ولقيت الأسرة النووية دعم الشركات الكبرى.

حاولت وكالات الدعاية والإعلان وضع نموذج لربة المنزل المثالية. وضَّحت مقالة شهيرة نُشرت في عدد ١٣ مايو عام ١٩٥٥ من صحيفة «هاوسكيبينج مانثلي» مستلزمات هذا الكمال:

هدفك: أن تحاولي وتتأكدي من أن بيتك موطن للسلام والنظام والسكينة، حيث يستطيع زوجك أن يجدد نشاط جسده وروحه … فاجعليه مرتاحًا. اجعليه يستلقي على مقعد وثير أو يستلقي على سريره … رتِّبي وسادته واعرضي عليه مساعدته في خلع حذائه. تحدثي بصوت ناعم خفيض … تذكري أنه سيد المنزل، ولكونه كذلك، فسينفِّذ رغبته دائمًا بعدل وإخلاص. ليس من حقك أن تشككي فيه. فالزوجة الصالحة تعرف دائمًا قدر نفسها.

بعد أن روَّجت وكالات الدعاية لنموذج «الزوجة الصالحة»، أوصت باستخدام منتجات تمكِّن الزوجة من تحقيق الكمال. وجاء في أحد الإعلانات: «في صباح يوم عيد الميلاد، ستكون الزوجة أسعد مع مكنسة كهربائية من هوفر!» وكان الإعلان يعرض صورة ربة منزل تتفحص مكنستها الكهربائية الجديدة في سعادة. وارتفعت النفقات على الدعاية من ٦ مليارات دولار في عام ١٩٥٠ إلى أكثر من ١٣ مليار دولار في عام ١٩٦٣.

كان لمجهودات مسلسل «رجال مجانين» في الدعاية دور محوري في الازدهار الذي ساد فترة الخمسينيات. وفي عام ١٩٥٦، قال روبرت سارنوف رئيس هيئة الإذاعة الوطنية (شبكة إن بي سي): «إن سبب ارتفاع مستوى معيشتنا على هذا النحو هو أن الدعاية الإعلانية قد خلقت عقلية أمريكية تجعل الناس تُقبل على شراء سلع أكثر وأفضل وأحدث.» لقد كان محقًّا على الأرجح. تضاعَف الدَّين الخاص أثناء فترة الخمسينيات دافعًا الربح والإنتاجية نحو الزيادة، ليعود أغلب هذه الفوائد على متقاضي الأجور من الذكور. نما الاقتصاد بنحو ٣٧٪، وانخفضت معدلات التضخم والبطالة. وبحلول عام ١٩٦٠، ازدادت القوة الشرائية للأسرة العادية بنسبة ٣٠٪ عما كانت عليه في عام ١٩٥٠. كانت الوحدة النووية المحرك الذي يدفع النمو في أمريكا والمستفيد الرئيسي من عظمتها الاقتصادية.

حقبة الستينيات تخرج عن نطاق السيطرة

لكن هل كان الجميع سعداء كما كان يظهر في الإعلانات؟ في عام ١٩٦٣، انتشر كتاب يزعم أنه يكشف الاضطهاد والبؤس القابعَين خلف الصورة التقليدية التي يجسدها مسلسل «اترك الأمر لبيفر». وصفتْ مؤلفة الكتاب بيتي فريدان نفسها بأنها ربة منزل وأم تعيش في ضواحي نيويورك. ففي عام ١٩٥٧، طُلب من بيتي فريدان إجراء استطلاع رأي يشمل زملاءها السابقين في كلية سميث كوليدج، لكن النتائج أصابتها بالإحباط؛ فالفتيات اللاتي درسن وتميزن في الفنون والعلوم أخضعن عقولهن وشخصياتهن لدور ربة المنزل: ٨٩٪ من خريجات كلية سميث كوليدج اللاتي أجبن على استطلاع الرأي أصبحن ربات بيوت. ولما شعرت ربة المنزل في فترة الستينيات بالكبت الفكري والافتقار إلى طريقة للتعبير عن نفسها غير الطهي والجنس، شعرت بالاختناق بفعل ما أطلقت عليه بيتي فريدان الغموض الأنثوي. كتبت بيتي قائلة: «تُصارِع كل ربة منزل في الضواحي هذا الغموض بمفردها. فبينما ترتب الأسِرَّة، وتبتاع البقالة، وتنتقي أغطية المقاعد المتناسقة، وتأكل شطائر زبدة الفول السوداني مع أطفالها، وتوصِّل الأولاد والبنات إلى معسكرات الكشافة، وترقد بجوار زوجها في الليل، كانت تخشى أن تطرح ولو على نفسها هذا السؤال الذي لم يتجاوز شفتيها: أهذا كل شيء؟»

احتل كتاب «الغموض الأنثوي» قائمة صحيفة نيويورك تايمز للكتب الأعلى مبيعًا لمدة ستة أسابيع، وكان حجر الأساس الذي قامت عليه الثورة النسائية التي كان من شأنها إعادة تعريف الوحدة النووية إلى الأبد. أرادت بيتي فريدان للنساء أن يتولين زمام حياتهن، وكان أقرب الطرق إلى التحرر هو منع الحمل والعمل الوظيفي. لكن الكتاب لم يقدم وصفًا منزهًا كما ادعت مؤلفته. فمع أن بيتي فريدان كانت ربة منزل عمليًّا، فهي لم تكن ربة منزل بعيدة عن السياسة تقضي أمسياتها في ترتيب وسادة زوجها، لكنها كانت من النشطاء في مجال السياسة الاجتماعية، وكانت قد عملت صحفية لدى نقابة عمال الكهرباء المتحدين لعدد من السنوات قبل زواجها. وربما أخفت فريدان كل هذه التفاصيل؛ لأنها أرادت الفصل بين النسائية والراديكالية، حتى تلقى قبولًا أكثر لدى المرأة العادية. المشكلة الأكبر هي أنها بالغت في تصوير النساء المتخرجات من كلية سميث كوليدج على أنهن ضحايا سلبيات للمجتمع الذكوري. فأغلب ربات البيوت اللاتي أجبن على استطلاع الرأي قلن في الواقع إنهن شعرن بسعادة أكثر من أي وقت مضى، وعبَّرت غالبيتهن عن عدم رغبتهن في العودة إلى عالم العمل، لكن لم تنطلِ عليهن خدعة وكالات الدعاية والإعلان التي تعكس رضا ربات البيوت في الضواحي، وقال العديد منهن إنهن يشعرن بالإحباط لأنهن لا يستخدمن عقولهن بطرق تتطلب مهارات أكثر. وبدلًا من ذلك، كنَّ يوجهن هذه الطاقات نحو العمل التطوعي والنشاط السياسي الحزبي. كانت النساء المعاصرات يجدن بالفعل طرقًا للتغلب على الغموض الأنثوي مع الاحتفاظ بهوياتهن بوصفهن زوجات وأمهات.

على الرغم من أن بيتي فريدان وحركة تحرير المرأة يتصوران أحيانًا أنهما كانتا العقل المدبر للثورة الثقافية التي قامت في الستينيات، فقد اقتصر دورهما في الواقع على تسييس التغيرات الاجتماعية التي كانت تحدث بالفعل. وكما ساعد العلم على تشكيل العائلة النووية عن طريق تحسين التغذية والحد من الإصابة بالأمراض، فقد هيأ الظروف لتدميرها. ففي عام ١٩٦٠، أعطت إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية ترخيصًا رسميًّا ببيع وسيلة لمنع الحمل تُؤخذ عن طريق الفم وعرفت باسم «الحبة». وبحلول عام ١٩٦٢، قُدر عدد النساء اللاتي يستخدمنها بنحو ١١٧٨٠٠٠ امرأة. ظن صناع السياسة أن هذه الحبوب سوف تقوي ركائز الأسرة النووية عن طريق زيادة صافي الدخل بتقليل مرات الحمل، إلا أن ما فعلته عمليًّا كان إضعاف الصلات بين المتعة الجنسية والإنجاب والزواج. زادت العلاقات الجنسية قبل الزواج أو بدون زواج في حين كانت النساء المتزوجات في الغالب يبحثن عن عمل أو يستمررن في عملهن.

كان لهذه التغيرات الطفيفة على العلاقة الجنسية آثار مذهلة؛ حيث تضاعفت معدلات الطلاق تقريبًا في الفترة بين عامي ١٩٦٠ و١٩٨٠. ففي عام ١٩٦٢، لم يُجِب بالرفض سوى نصف المشاركين في الإجابة على عبارة تقترح أن الوالدين اللذين لا ينسجم أحدهما مع الآخر يجب أن يكملا حياتهما من أجل أطفالهما، وبحلول عام ١٩٧٧، رفض أكثر من ٨٠٪ من المشاركين العبارة. وفي أوائل الستينيات، أطلع نصف النساء تقريبًا القائمين على استطلاعات الرأي أنهن مارسن علاقات جنسية قبل الزواج. وبحلول أواخر الثمانينيات، كانت النسبة خمسًا من بين كل ست نساء. وفي أوائل الستينيات، اتفق ثلاثة أرباع الأمريكيين تقريبًا على أن الجنس قبل الزواج فعل خاطئ، إلا أنه قبيل نهاية الثمانينيات، لم يحتفظ بهذا الرأي سوى ثلث الأمريكيين فقط. كان أوضح مظاهر الإرث الذي خلَّفه هذا التغير في التوجهات هو المعدل المتصاعد للمواليد بدون زواج. ففي عام ١٩٦٠، لم يُنسب إلى أمهات وحيدات سوى ٥٪ من المواليد، ولكن بحلول عام ١٩٨٠، زاد الرقم إلى ١٨٪، ليصل إلى ٢٨٪ قبل عام ١٩٩٠.

كان كلا التيارين اليساري واليميني يخشى أن يدب الانشقاق في أمريكا، ومع أن فترة الستينيات غلبت عليها الصراعات حول فيتنام والحقوق المدنية، ظهر تحدٍّ سياسي بالصعوبة نفسها تمثَّل في كيفية إنقاذ الأسرة النووية. خلص اليسار إلى أن الحل يكمن في تعزيز الدعم الحكومي. وفي عام ١٩٥٦، نشر عالم الاجتماع الليبرالي دانيال باتريك مونيهان دراسة بعنوان «العائلة الزنجية: الحاجة إلى إجراء قومي». وذهبت دراسة عن الفقر بين الأقلية الأمريكية من أصل أفريقي، تعرف باسم «تقرير مونيهان» إلى أن السبب الرئيسي وراء عدم المساواة بين السود والبيض لم تكن الظروف الاقتصادية أو العِرق، وإنما كان البنية الأسرية. اعتقد مونيهان أن تزايد أعداد الأمهات الوحيدات كان يؤدي إلى نشأة جيل من الذكور الأمريكيين من أصل أفريقي يفتقد المثل الأعلى للاعتماد على النفس والنظام واتخاذ القرارات، ووجَّه النُّصح للرئيس الأمريكي ليندون جونسون بأن الحل يتمثل في التدريب الوظيفي وبرامج التعليم التي من شأنها أن تمكِّن الآباء السود من تنشئة أسرهم اعتمادًا على راتب واحد فقط، وبهذا تزيد حالة الرفاهية.

أعلن الرئيس جونسون «الحرب على الفقر»، مما ترتب عليه منح الأفراد حقوقًا كثيرة؛ حيث زاد استخدام الإعانات الحكومية في شراء الوجبات (وقد كان ذلك متاحًا منذ الثلاثينيات) زيادة كبيرة في ظل كلتا الإدارتين الديمقراطية والجمهورية؛ فارتفع عدد الأفراد الذين يستخدمون كوبونات الطعام من ٥٠٠٠٠٠ في عام ١٩٦٥ إلى ١٠ ملايين في عام ١٩٧١، وكان التأثير الإجمالي هو انخفاض نسبة الأمريكيين الذين يعانون الفقر من ١٩٪ عام ١٩٦٤ إلى ١١٫١٪ عام ١٩٧٣. لكن كرم الحكومة لم يُجدِ نفعًا في إيقاف تدهور الوحدة الأسرية. رأى المحافظون أن ذلك أضعف في الواقع بنيان الأسرة عن طريق تدعيم الآباء المتغيبين والإخفاق التعليمي والجريمة والمخدرات وصورة جديدة — عنصرية نوعًا — للفصل ما بين الذين يعملون والآخرين الذين يعيشون على الإعانات. أخفقت طموحات مونيهان لإنقاذ الأسرة السوداء؛ ففي حين ارتفع متوسط دخل الأسرة السوداء بنسبة ٥٣٪ في الستينيات، ارتفع أيضًا معدل الآباء الوحيدين بنسبة تتجاوز ٥٠٪. وبدأ المحافظون يرون أن حالة الرفاهية لم تكن الحل، بل كانت جزءًا من المشكلة، وزعموا أن الهدف الحقيقي لليبراليين أمثال فريدان وجونسون كان خلق عالم يخلو من الأسرة المتماسكة.

عهد البراءة المفقود

عام ١٩٧٦، خرجت أمريكا إلى صناديق الاقتراع لتنتخب رئيسًا جديدًا، ووقع الاختيار على جيمي كارتر، الذي كان مزارعًا للفول السوداني وحاكمًا لولاية جورجيا لفترة واحدة. بإطلالة عائلته الجذابة في الصور وبشخصيته المتواضعة للغاية، عكس المعمداني كارتر روح العودة إلى «اترك الأمر لبيفر». في منتصف السبعينيات، كانت أمريكا تمر بموجة من مشاعر الحنين إلى فترة الخمسينيات، واحتفت أفلام مثل «بريانتين» و«الجرافيتي الأمريكي» بعهد مفقود من البراءة واليقين. وقال كارتر إنه إذا فاز بالانتخابات فسيعقد «مؤتمرًا خاصًّا بالأسرة» في البيت الأبيض لمناقشة الطريقة المثلى لإحياء بعض القيم القديمة. كان هذا بالضبط هو نوع السياسة الأخلاقية الحاشدة لإجماع الآراء التي كان كارتر يفضلها.

لكن بعد تنصيب كارتر، أعلن البيت الأبيض عن تغيير في الاسم؛ تغيَّر الاسم من «المؤتمر الخاص بالأسرة» إلى «المؤتمر الخاص بالأسر» ليعكس التنوع المتزايد في بُنى الأسر الأمريكية. أوضح مساعدو الرئيس أن ثلث العائلات تقريبًا لم يعد يلتزم بما وصفوه «بالأسرة التوَّاقة للماضي»، وهو المصطلح الذي اختاره الساسة للوحدة النووية. ومن بين الشخصيات التي رحبت بالاسم الجديد كانت المفوضة بيتي فريدان. وفي كتابها «المرحلة الثانية» الذي صدر عام ١٩٨١، كتبت أنها سعدت بإقرار المؤتمر لأهم تغيُّر طرأ على الحياة الأمريكية خلال العشرين سنة الأخيرة: «النساء باتت تعمل». وهذا حقيقي. ففي عام ١٩٥٠ كانت نسبة النساء المتزوجات الأقل من ٤٥ عامًا اللاتي كن يعملن ٢٦٪ فقط، وبحلول عام ١٩٨٥ وصلت النسبة إلى ٦٧٪. وكان للتوقع المتزايد — والحاجة المتزايدة أيضًا — لدخول النساء سوق العمل أثر جذري على أدوار النوع (الرجل أو المرأة) وتربية الأبناء وأنماط عيش الشركاء معًا. وكانت حياة المرأة في السبعينيات أكثر استقلالًا وأكثر تعقيدًا.

كانت بيتي فريدان تأمل أن يكمل المؤتمر مسيرة إدارة جونسون من حيث بسط نطاق المساعدة الحكومية للأفراد الذين يكدحون من أجل البقاء في النظام الاجتماعي الجديد، ولكن زاد الركود الاقتصادي من أهمية المهمة: «فمع فصل العمالة الذكورية من الوظائف الإدارية واليدوية، ومع استمرار التضخم الذي بدا أنه لا ينحسر، احتاجت فرصة النساء إلى الأساس «القانوني» الذي يضمن استمرار الأسرة.»

تبنَّت العديد من الأمم الأوروبية بحماسٍ البيانَ الذي أصدرته بيتي فريدان في الثمانينيات، والذي نصَّ على أنه يجب تقبُّل أن العائلة لم تعد نووية وتقبل تحقيق الرفاهية وتوفير فرص العمل اللازمة لتعزيز صورتها الجديدة. لكن تلك لم تكن أوروبا، وقد قابل الكثير من الأمريكيين التغير الاجتماعي إما بالمقاومة أو بالرفض، وعندما عُقد المؤتمر أخيرًا في عام ١٩٨٠، سيطرت عليه أقليات استقطابية من النسائيين والمحافظين الاجتماعيين.

كانت أمريكا تشهد حركة إحياء ديني، وكان التيار اليميني الثقافي آخذًا في التحول إلى كيان سياسي متناسق الأداء، وكان الموفدون إلى المؤتمر الخاص بالأسر يعتقدون أن أكبر آمال المرأة في «التحرر» تكمن في الزواج؛ حيث تُشكِّل غريزة الأمومة الحانية الوئام التام مع سلطة الزوج، لكن هذه الآراء كانت بالنسبة للنسائيين الحاضرين في المؤتمر النزع الأخير في حياة النظام الذكوري الذي لا يستطيع أن يلحق بمسيرة التقدم الحتمية. واستطاع النسائيون — وقد تفوق موفدوهم عددًا — أن يكتسحوا المنصات مؤيدين الإجهاض عند الطلب وحقوق المثليين جنسيًّا، وقد أوهمهم نجاحهم باكتسابهم زخمًا سياسيًّا.

لكن الصحافة وعامة الناس كانوا أكثر اهتمامًا باللغة الإنشائية للموفدين المحافظين الذين لفتوا الأنظار بانسحابهم من المؤتمر. وخارج المؤتمر، صرَّحت كوني مارشنر — الناشطة المناهضة للحركة النسائية — للإعلام بأن «العائلات تتكون من أشخاص تربطهم علاقة زواج بين الجنسين أو علاقة دم أو تبنٍّ، فليست العائلات طوائف دينية، وليست عصابات إجرامية كعائلة مانسون، وليست علاقات تربط اثنين من الجنسين أو من الجنس نفسه دون زواج». عبَّرت الكلمات البسيطة لكوني مارشنر عن مشاعر ملايين الأمريكيين بأن الثورة الجنسية لم تكن تستبدل كيانًا أكثر تعقيدًا بالوحدة النووية فحسب، وإنما كانت تدمر مفهوم الأسرة ذاته.

أدرك كارتر أن هذا الرأي بدأ يلقى قبولًا، فحاول أن يؤثر على العديد من رجال الدين الذين يظهرون على شاشات التليفزيون أثناء إفطار في البيت الأبيض في يناير عام ١٩٨٠، وكان الاجتماع كارثي. بعد انتهائه دعا الواعظ تيم لاهاي قائلًا: «يا إلهي، علينا أن نُخرج هذا الرجل من البيت الأبيض ونأتي بآخر متحمس لإعادة القيم الأخلاقية القديمة!» وقرر التيار اليميني المتدين أن أفضل فرصة كان الجمهوري رونالد ريجان؛ فعندما حقق ريجان نصرًا كاسحًا على كارتر في نوفمبر عام ١٩٨٠، حصل على ثلثي أصوات الإنجيليين البيض. وعلى مدار الثلاثين عامًا التالية، هيمن تيار مارشنر المحافظ، وليست طموحات فريدان التقدمية، على التوجهات السياسية.

التناقض في الأسرة الأمريكية

منذ الثمانينيات، واصلت الأسرة الأمريكية تطورها الذي لم يتوقف نحو مزيد من التنوع والتعقيد، لكن ظلت ثقافة الجماهير في أمريكا — مثل «برنامج كوزبي» — محتفية برؤية الخمسينيات تحت شعار «الحياة الصالحة، الحياة الحرة».

ثمة ما يدعو إلى اتهام المحافظين بالترويج لسياسة تناقضية لا تواكب العصر الحديث؛ ففي عام ٢٠١٢، قُدرت نسبة المثليين جنسيًّا الذين يربون طفلًا في الولايات المتحدة بنحو ١٩٪، ومع ذلك أدى كل استفتاء حول زواج المثليين جنسيًّا إلى حظره. تُقدم ولايات مثل تكساس حملات تحض على العفة عوضًا عن التعليم الجنسي، ومع ذلك فإنه وفقًا للإحصاءات كنَّ من يقطعن عهدًا بالعفة تزيد احتمالات حملهن دون زواج أكثر ممن لا يفعلن ذلك. وعلى الرغم من القبضة النسائية المفترضة حول المخيلة الأمريكية، يصوِّت الناس ضد الإجهاض أكثر من أي وقت مضى منذ الثمانينيات، وعلى عكس التوجه الأوروبي نحو التحرر الاجتماعي، تبدو الولايات المتحدة اليوم أكثر محافظةً مما كانت عليه عندما أمر بيل كوزبي ابنه أول مرة بأن يكفَّ عن التذمر ويعيد التفكير.

لكن الأسرة النووية المتماسكة تظل النموذج المثالي لسبب وجيه؛ فمن وجهة نظر العديد من البيض الذين ينتمون للطبقة المتوسطة، كانت فترة الخمسينيات العصر الذهبي؛ حيث كانت الأسرة في المنزل كبيرة ومستقرة وتعيش على أجر كبير يتقاضاه فرد واحد فقط. كانت أمريكا ورشة عمل العالم؛ حيث كانت تنتج كميات ضخمة من السلع الاستهلاكية التي حسَّنت حياة الملايين. فوضع «الحلم الأمريكي» — بما اتسم به من تحكيم الجدارة والقدرة على تحقيق إنجازات عظيمة — المعيار الدولي للرأسمالية الديمقراطية. لن يتكرر أبدًا أن يخبر الأمريكيون منظمي استطلاعات الرأي أنهم راضون بحياتهم أو واثقون بالاتجاه الذي تسير فيه بلادهم. لقد اتسم ذلك العصر بالبراءة، وهذه البراءة أحيانًا أعمت الناس عن حقيقتَي المجتمع الذكوري والعنصرية، لكنه سيبقى المعيار الذي يحكم به الأمريكيون على بلدهم لفترة طويلة جدًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.