الصدفة بوجه عام ليست شيئًا يقبل به العلماء. إذا حدث شيئان في نفس الوقت وكانا غير مرتبطين تمامًا، فلن يوجد ما يثير اهتمامهم. ولكن، إذا استمر حدوثهما معًا، فلا بد أن هناك رابطًا دفينًا بينهما أكثر عمقًا. حينئذٍ تكون وظيفة العلم هي تحديد ماهيته وكذلك تفسير سبب عدم وجود صدفة من الأصل.

التساوي باختلاف.
التساوي باختلاف.

هذا يزيد من غرابة أنَّ قدرًا كبيرًا من الفيزياء الحديثة قائم على نحو متزعزع على صدفة كبيرة.

هذه الصدفة ضرورية لطريقة رؤيتنا للكتلة وتحديدنا إياها. إنها جوهرية للغاية لآليات عمل العالم لدرجة أن معظمنا يصادف نتائجها كل يوم بدون تأملها. مع ذلك، قضَّت الصدفة مضاجع بعضٍ من ألمع علماء الفيزياء لقرون؛ فقد بذل جاليليو ونيوتن جهدًا لفهمها، وانتهى بهما الأمر بمجرد قبولها بدلًا من استيعابها. إلا أن أينشتاين تفوق عليهما؛ حيث وصفها بأنها مبدأ الطبيعة. بل واستخدم «مبدأ التكافؤ» ذلك أساسًا لنظرية النسبية العامة التي وضعها، والتي لا تزال أفضل محاولة لدينا لتفسير قوة الجاذبية الغامضة.

لكن توجد مشكلة: إذا أردنا أن نجد نظرية أكبر وأفضل يمكنها توحيد الجاذبية مع القوى الأخرى التي تحكم آليات عمل العالم، لا يمكن أن يظل مبدأ التكافؤ قائمًا. فعلينا إما أن نكتشف هذه الصدفة، وإما أن نعيد التفكير مرة أخرى جذريًّا في طريقة تقدم علم الفيزياء انطلاقًا من هذه النقطة.

توجد عدة صور من مبدأ التكافؤ، ولكنها جميعًا تتلخص في فكرة واحدة، هي أن تأثيرات مجال الجاذبية لا يمكن تمييزها عن تأثيرات التسارع. وقد أجرى أينشتاين تجربة خيالية تعبر عن تلك الفكرة أفضل تعبير؛ تخيل شخصًا يقف داخل مصعد على الأرض، ما الذي يجعل قدميه راسختين على أرضية المصعد؟ بالطبع، السحب القوي للجاذبية نحو الأسفل. والآن تخيل الشخص نفسه في المصعد ذاته ولكن في الفضاء الفارغ بعيدًا عن أي شيء ذي جاذبية، وفي هذا الموقف يتصادف وجود صاروخ يدفع المصعد لأعلى في الفضاء الخاوي بنفس معدل التسارع الذي تحدثه الجاذبية الأرضية؛ سيظل حينها الراكب ثابتًا تمامًا على أرضية المصعد على النحو نفسه.

تكافؤ غامض: ينص مبدأ التكافؤ لأينشتاين على أن فيزياء التسارع والجاذبية تعملان بالطريقة نفسها بالضبط، ولكن لا يوجد سبب لأنْ تكون تلك هي الحال.
تكافؤ غامض: ينص مبدأ التكافؤ لأينشتاين على أن فيزياء التسارع والجاذبية تعملان بالطريقة نفسها بالضبط، ولكن لا يوجد سبب لأنْ تكون تلك هي الحال.

كيف يحدث ذلك في حين لا توجد جاذبية؟ في هذه الحالة، يمنع القصورُ الذاتيُّ للشخصِ جسدَه من الطفو لأعلى. فالقصور الذاتي هو المقاومة الطبيعية لأي جسم للتسارع؛ نفس التأثير الذي يدفع جسدك للخلف في مقعد السيارة عندما يزيد السائق من السرعة.

ثمة سمة مشتركة بين موقفَي المصعدين: إنها الكتلة. ولكن الكتلتين تأتيان من مصدرين مختلفين جدًّا. إحداهما — كتلة الجاذبية — شيء يستجيب لسحب الجاذبية، وتزيد من تسارع الجسم في مجال جاذبية. أما الأخرى — كتلة القصور — فهي خاصية الجسد التي تقاوم أي تسارع.

ثمة طريقة أخرى للتعبير عن مبدأ التكافؤ هي أن نفرض أن هاتين الكتلتين متساويتان تمامًا بالأرقام على الدوام. إن نتائج هذا الصدفة عميقة. ولو لم تكن الكتلتان متساويتين، لسقطت الأجسام مختلفة الكتل إلى الأرض بسرعات مختلفة، بدلًا من تسارعها جميعًا بالمعدل نفسه في مجال الجاذبية. واختبر جاليليو «عمومية السقوط الحر» لأول مرة — رغم الشكوك حول صحة القصة — عندما ألقى كيسًا من الريش وكيسًا من كرات الرصاص من فوق برج بيزا المائل. في الحقيقة، التساوي بين كتلة الجاذبية وكتلة القصور يحكم الحركة ضمن نطاق الجاذبية في جميع أرجاء الكون. فعلى سبيل المثال، لو استجابت كتلة الجاذبية للجاذبية بدرجة أكبر قليلًا من استجابة كتلة القصور للتسارع، لزادت سرعة دوران الكواكب حول نجومها وسرعة دوران النجوم حول مجراتها قليلًا عن سرعتها الحالية.

حتى الآن لا يوجد سبب واضح لوجود مثل هذا التطابق. استطاع أينشتاين توضيح الانحناءات والانكماشات الغريبة للزمان والمكان على نحو تام، والتي قدمها أولًا في نظرية النسبية الخاصة في عام ١٩٠٥، فقط من خلال افتراض هذا الوضع. تساءل أينشتاين: ماذا سيحدث لو أن جسمًا ضخمًا مثل كوكب يضغط الفضاء المحيط به إلى أحجام أقل بالتتابع كلما اقتربت منه؟ حينئذٍ، عندما يقترب شيء من سطح الكوكب، سوف يستغرق وقتًا أقل لعبور هذه الفضاءات المضغوطة: سيبدو أنه في تسارع.

القوة الغريبة

بحلول عام ١٩١٦، كانت هذه الفكرة قد قادت أينشتاين إلى نظرية النسبية العامة. وما يبدو أنه جاذبية هو مجرد حركة منتظمة عبر فضاء مضغوط تدريجيًّا. وإذا لم توجد جاذبية، فإن كتلة الجاذبية ستكون غير حقيقية أيضًا. وتكون الكتلة الوحيدة المؤثرة في الكون هي الكتلة التي تمنح الجسد قصوره الذاتي. وهكذا تختفي الصدفة وراء التكافؤ.

إن النسبية العامة — بقدر اختبارنا لها — دقيقة بصورة لا مثيل لها؛ إذ تتنبأ بمواقع الأجرام السماوية وترشد أقمارنا الصناعية بدقة تامة. مع ذلك ثمة أمر غريب لا يحبه الفيزيائيون بشأنها. كل قوى الطبيعة الأخرى تنتقل بين الأجسام عن طريق الجسيمات الكمومية المادية وإن كانت دقيقة. على سبيل المثال، تنتقل القوة الكهرومغناطيسية بين الأجسام بالشحنة الكهربية من خلال تبادل الجسيمات عديمة الكتلة التي يطلق عليها «فوتونات». وظاهريًّا، تعمل الجاذبية بالطريقة نفسها. إنها تبدو مثل البطة، وتسبح مثل البطة، ولكن لا يمكن أبدًا جعلها تصيح مثل البطة.

ومحاولات إضفاء خصائص كمومية على الجاذبية هي الفكرة الموجهة خلف نظرية الأوتار وغيرها من المشروعات لوضع «نظريات كل شيء» الشاملة. ولكن إذا كان يجب إعادة تقديم الجاذبية باعتبارها قوة حقيقية، فإنها تحتاج لشيء تستند إليه، تمامًا كما تستند القوة الكهرومغناطيسية إلى الشحنة الكهربية. إنها تحتاج إلى كتلة جاذبية منفصلة عن كتلة القصور ومتميزة عنها.

يعني ذلك أن التوجه نحو نظرية لكل شيء ينطوي على خطوة ضرورية أولى: التضحية بالمبدأ الذي يعتز به أينشتاين. يقول بن جريبايوس، عالم الفيزياء النظرية بجامعة كامبريدج: «أي نظرية للجاذبية الكمية لا بد أن تنتهك مبدأ التكافؤ على مستوًى ما.»

كيف ذلك؟ ثمة طريقة مجربة ومختبرة هي محاولة إثبات أن الكتلتين ليستا متساويتين على الإطلاق؛ ولكنهما قريبتان للغاية من بعضهما. وحتى أبسط فارق سيعني أن النسبية العامة مبنية على تقدير تقريبي وأنه يجب وجود نظرية أعمق أكثر دقة. يقول كلاوس لمارتسال من جامعة بريمن بألمانيا: «إذا اكتشف أحد ما اختلافًا، فحينها سنكون قد حققنا طفرة كبيرة.»

توجد طريقة للقيام بذلك من خلال السير على خطى تجارب جاليليو ببرج بيزا المائل؛ حيث نختبر عمومية السقوط الحر والنتائج الأخرى لمبدأ التكافؤ آملين في اكتشاف قدر ضئيل من الشذوذ؛ ولم تحقق هذه الطريقة حتى الآن إلا قليلًا من النجاح (انظر «تجارب السقوط الحر»).

وفي الوقت نفسه، يوجِّه المنظرون انتقادًا من منظور آخر. فيشيرون إلى أنه سواءٌ أكان أينشتاين محقًّا أم مخطئًا حول عدم وجود جاذبية، ووجود قصور ذاتي فحسب، لم يخرج علينا أي شخص بتفسير مقنع للقصور الذاتي بعد. يقول جريبايوس: «لا نعلم بعدُ كيف نضع له تعريفًا. نعلم أنه يجب أن يكون مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالكتلة، ولكن إلى أن يتسنى لنا تعريفه بدقة ونعرف كيفية قياسه، لن يمكننا وضع نظرية له.»

ثمة شيء واحد مؤكد: لا تعتمد النظرية كليًّا على مجال هيجز، الذي يُحتفى به بوصفه سبب وجود الكتلة. قُدمت الأدلة على وجود هذا المجال والجسيمات المرتبطة به عن طريق علماء الفيزياء الذين يدرسون حطام تصادم الجسيمات في مصادم الهادرونات الكبير في مركز سيرن بالقرب من جنيف بسويسرا في العام الماضي. ولكن رغم الاعتقاد بأن مجال هيجز هو الذي يمنح الكتلة للجسيمات الأساسية مثل الإلكترونات والكواركات، عندما تتحد الكواركات لتكون الجسيمات الأثقل وزنًا — أي البروتونات والنيوترونات — التي تُشكل القسم الأكبر من المادة الطبيعية، فإن الكتلة الناتجة تساوي تقريبًا ألف ضعف مجموع كتل الكواركات المكونة لها. ولا تأتي هذه الكتلة الإضافية من آلية هيجز، ولكن من الطاقة اللازمة لإبقاء الكواركات معًا. ويجب أن يندمج هذان التأثيران بطريقة ما ويرتبطا بشيء آخر لاكتساب خاصية مقاومة الجسم للتسارع. يقول جريبايوس: «لا يمكن أبدًا أن تكون جسيمات هيجز وحدها مكونًا غامضًا يمنح الجسم القصور الذاتي.»

ماذا إذنْ؟ يعود أصل أحد الاقتراحات إلى أبحاث ستيفن هوكينج في سبعينيات القرن العشرين. والمفارقة أن الدافع إليه آنذاك كان تطبيقًا دقيقًا لمبدأ التكافؤ. كان هوكينج يدرس خصائص الثقوب السوداء — الأجسام شديدة العتمة ذات الجاذبية الشديدة التي يعتبر وجودها تنبؤًا رئيسيًّا لنظرية النسبية. أشار هوكينج إلى أن الثقب الأسود ينبغي أن يكون مصدرًا واضحًا للإشعاع؛ بسبب أن أزواج الجسيمات الكمومية التي تظهر باستمرار في الفضاء سوف تنفصل بالقرب من الثقب الأسود؛ حيث يُمتص أحدها ويُلفظ الآخر. وذلك قاد عالم الفيزياء الكندي ويليام أونرو وآخرين للاعتقاد أنه إذا كانت الجاذبية والتسارع شيئًا واحدًا، ينبغي أن تكون الانبعاثات المشابهة سمة لأي جسم يتسارع في الفراغ.

لا يمكن فعل شيء

على غرار إشعاع هوكينج، لم يُرصد إشعاع أونرو بوضوح؛ فمعدلات التسارع اللازمة للوصول لتأثير يمكن قياسه في المعمل عالية للغاية بوجهٍ عام، رغم أن البعض يدعون رصد هذا التأثير في حالة الإلكترونات التي تتسارع في الحقول المغناطيسية القوية في معجلات الجسيمات.

بعد مرور عَقد أو نحو ذلك على عمل أونرو، كان عالم الفيزياء الفلكية برنارد هاش من معهد ماكس بلانك لفيزياء الفضاء في جارشينج بألمانيا، ومهندس الكهرباء ألفونسو رويدا من جامعة ولاية كاليفورنيا في لونج بيتش؛ يعملان على فكرة مشابهة عندما أدركا أن تفاعل الفراغ مع الجسم المتسارع لن يحدث فقط على سطحه، وإنما يتغلغل في حجمه بأكمله، ويمكن أن يُنتج ذلك قوة فاعلة في الاتجاه المضاد لحركة الجسم، وشبها ذلك في البداية بطريقة تعرض الجسيمات المشحونة التي تتحرك عبر مجال مغناطيسي لقوة تؤثر على حركتها؛ قوة لورنتس. وفي هذه الحالة، كانت توجد تفاعلات كهرومغناطيسية مع الفراغ الكمي. يقول هاش: «يبدو أنها ما تحتاجه حقًّا لتفسير القصور الذاتي.»

تسارع شاذ

يعتقد مايك ماكولك — من جامعة بليموث في المملكة المتحدة — أن هذه التفاعلات هي أيضًا كل ما تحتاجه لهدم مبدأ التكافؤ. وأحد التخمينات المستقاة من إشعاع أونرو هو أنه يصدر في مجموعة من الأطوال الموجية المختلفة، على غرار الأشعة المنبعثة من جسم ساخن. وبالنسبة لمعدلات التسارع الضئيلة للغاية، فإن درجة حرارة الإشعاع التي «يتعرض» لها الجسم من الفراغ منخفضة، وتهيمن عليها أطوال موجية طويلة جدًّا. فإذا جعلت التسارع ضئيلًا للغاية بالفعل، فستصبح بعض هذه الأطوال الموجية أطول من حجم الكون القابل للرصد، وذلك يوقفها تمامًا.

في هذه الحالة، وفقًا لحسابات ماكولك في عام ٢٠٠٧ — والتي أجراها في الأساس لتفسير معدلات التسارع الشاذة بوضوح لمركبة الفضاء «بايونير» عندما عبرت النظام الشمسي — فإن المقدار الكلي لإشعاع أونرو الذي يتعرض له الجسم سينخفض، وسوف يتعرض لقوة مضادة أقل؛ ومن ثَمَّ سوف ينخفض قصوره الذاتي؛ مما سيجعل حركته أسهل مما تنص عليه قوانين الحركة لنيوتن، وينهي الارتباط بكتلة الجاذبية.

تكمن مشكلة هذه الفكرة في تجربتها؛ ففي بيئة الأرض شديدة الجاذبية، لن يكون من السهل إحداث معدلات تسارع ضئيلة بحيث تكفي لرصد التأثير، ولكن يمكن رصد آثاره بوضوح في بيئة منخفضة الجاذبية كما هي الحال عند حافة المجرة. وبالنظر في الواقع إلى الحركات الشاذة لمعظم المجرات الحلزونية، يقترح ماكلوك أن هذه الآلية يمكنها أيضًا تفسير لغز كوني آخر صعب الحل؛ لغز المادة المظلمة (انظر عنوان «القصور المظلم»).

من الإنصاف أن نقول إن هذه الأفكار لم تحقق إنجازًا كبيرًا؛ فعندما توصل هاش ورويدا إلى آليتهما، كانت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) مبهورة بدرجة كافية لتمويل دراساتهما التالية، وجذب الثنائي أيضًا حوالي مليونَي دولار من استثمارات القطاع الخاص، ولكن افتقاد التخمينات القابلة للاختبار عن طريقة ملاحظة التأثير أدت إلى توقف تدفق المال والاهتمام.

مع ذلك، يعتقد عالم فيزياء تقليدي مثل لمارتسال أنه لا ينبغي أن نستبعد الفكرة دون قضاء بعض الوقت في تأملها، فيقول: «رغم اتباعي لأفكار نظرية الأوتار على نحو أكبر، فإن هذه الأفكار عن تفاعلات الفراغ ليست هراءً. علينا أن ندرسها بجدية ونحدد ما إذا كانت تقدم لنا طرقًا جديدة لاختبار مبدأ التكافؤ.»

قُدم اقتراح للقيام بذلك في عام ٢٠١٠ عن طريق ثلاثة علماء فلك برازيليين بقيادة فيتوريو دي لورينسي من جامعة إيتاجوبا الاتحادية، حيث اقترحوا استخدام قرص دوار لإلغاء تأثير التسارع الناتج عن دوران الأرض وحركتها في الفضاء. وعند معدلات التسارع الضئيلة، سوف ينخفض القصور الذاتي للقرص؛ مما يعني أنه سيدور على نحو أسرع من المتوقع وفق قوانين نيوتن. مع ذلك، رغم التكلفة المنخفضة نسبيًّا، لا يلوح في الأفق أي أموال لتمويل هذه التجربة بعد.

وهكذا يسيطر الجمود على الوضع حتى يقدم شخص ما تجربة تبين أن مبدأ التكافؤ ما هو إلا مبدأ زائف، أو يقدم فكرة نظرية توضح السبب الذي يحتم أن يكون الأمر كذلك. وإذا كانت كتلة الجاذبية في النهاية ما هي إلا كتلة قصور في صورة أخرى — أيًّا كانت ماهية كتلة القصور — فستكون نظريات الكم لتفسير الجاذبية — بما فيها نظريات الأوتار — على مذبح التضحية، بل وسيصبح الطريق إلى نظرية لكل شيء أكثر وعورة. فإذا لم تكن الجاذبية قوة، ولكنها في الواقع وهم ينشأ عن انحناء المكان — كما تصفها النسبية العامة — فسيكون علينا أن ننظر عن كثب لكي نفهم جيدًا ما يتسبب في هذا الانحناء.

أهي مجرد صدفة؟ هذا سؤال يصعب جدًّا على العلم الكف عنه.

تجارب السقوط الحر

من الصعب تجاهل «برج السقوط» الخاص بجامعة بريمن الذي يلوح للعين بارتفاع ١٤٦ مترًا فوق سهل شمال ألمانيا كصاروخ أبيض عظيم مستعد للانطلاق. افتُتح البرج عام ١٩٩٠ بوصفه جزءًا من مركز تكنولوجيا الفضاء التطبيقية والجاذبية الدقيقة (زارم)، وهو يتيح سقوطًا حرًّا لمدة ٩٫٣ ثوانٍ تُجرى خلالها التجارب (انظر الصورة). وحتى الآن لم تُظهر اختبارات السقوط الحر التي أُجريت على ذرات الروبيديوم والبوتاسيوم أي اختلاف عن سلوكها المتوقع وفق مبدأ التكافؤ (انظر المقال الرئيسي). فقد وُجد أن الذرات سقطت بالمعدل نفسه، وبلغت دقة النتائج أحد عشر رقمًا عشريًّا.

في الوقت ذاته، في جامعة واشنطن بسياتل، يستخدم إريك أدلبيرجر وفريقه «إيوت واش» مجموعة مقاييس عالية التقنية يُطلق عليها «ميزان الالتواء» لمقارنة حركة كتل معيارية مصنوعة من عناصر مختلفة منها النحاس والبريليوم والألومنيوم والسليكون. وقد حقق الفريق الرقم القياسي في دقة الاختبار؛ إذ لم يظهر أي انحراف عن مبدأ التكافؤ بدقة نتائج بلغت ثلاثة عشر رقمًا عشريًّا.

مع ذلك، في مرحلة ما، ستصل هذه التجارب التي تُجرى على الأرض إلى طريق مسدود. ويقول أدلبيرجر: «بمرور الوقت تزداد صعوبة تحسين الأدوات.» والعمل في مكان تكون فيه الجاذبية أقل كثيرًا سيسهل جدًّا من رصد أي انحراف عن مبدأ التكافؤ. ومن المقرر أن تنطلق مهمة «ميكروسكوب» الفضائية تحت قيادة فرنسية في عام ٢٠١٦ والتي ستقوم بذلك؛ إذ ستختبر حركات كتل من البلاتين والإريديوم في ظروف جاذبية الفضاء الدقيقة. يقول كلاوس لمارتسال من مركز زارم: «سوف تحقق مهمة ميكروسكوب نتيجة أكثر دقة بمائة مرة مما يمكن تحقيقه في مختبر على الأرض.»

تختبر مؤسسته مقاييس التسارع الخاصة بالقمر الصناعي في برج السقوط لديهم، وكذلك تعمل على تطوير البرنامج اللازم لتحليل نتائج القمر الصناعي النهائية. وهناك مهمة أكثر دقة، وهي مهمة «المستكشف الزمكاني والاختبار الفضائي لمبدأ التكافؤ الكمي»، تقوم وكالة الفضاء الأوروبية حاليًّا بتقييمها، وستتخذ قرارًا بتمويلها بحلول نهاية هذا العام.

القصور المظلم

لاحظنا في ثلاثينيات القرن العشرين أن المجرات التي تدور حول مجرات أخرى لا تتحرك وفق قوانين نيوتن وأينشتاين للجاذبية. وبعدها ببضعة عقود، لوحظت ظاهرة مشابهة لذلك في دوران المجرات الحلزونية المستقلة. بدا الأمر وكأن هناك مادة خفية تدير المادة التي نستطيع رؤيتها على نحوٍ أسرع.

سادت هذه الفكرة في الوقت الراهن: سوف تخبرك كتب علم الكونيات الدراسية أن «المادة المظلمة» يزيد وزنها على المادة العادية بنسبة ٥ إلى ١. ورغم أن علماء فيزياء الجسيمات قدموا قائمة لا حصر لها لجسيمات افتراضية يمكن أن تكون مناسبة، فإنه حتى اليوم لم يتم رصد أيٍّ منها على نحوٍ حاسم.

كان موردخاي ميلجروم أول من طرح بديلًا لذلك في ثمانينيات القرن العشرين عندما كان حينها فيزيائيًّا في جامعة برينستون؛ حيث أشار إلى أنه لا بد أن الجاذبية تتغير على نحوٍ ما عند أطراف المجرة. ويمكن تفسير ذلك في حالة وجود انخفاض في كتلة القصور دون انخفاض في كتلة الجاذبية بالنسبة للنجوم التي تمر بمعدلات التسارع شديد الانخفاض الموجود عند أطراف المجرات. سيجعلها ذلك تتحرك أسرع على نحوٍ طبيعي. فإذا كان بإمكان تفاعلات الفراغ إحداث ذلك بالفعل (انظر المقال الرئيسي)، يمكنها أن تصبح مناسبة جدًّا لمحاكاة المادة المظلمة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.