إن معظم الشركات التكنولوجية الناشئة هي عبارة عن مساحات صامتة يجلس فيها مهندسون يرتدون سماعات في آذانهم ويحدِّقون في شاشات الكمبيوتر بتركيز؛ لكن هذا الأمر لا ينطبق على شركة هامبتون كريك فودز؛ فمقر هذه الشركة البالغة من العمر سنتين — ذلك المكان الذي يوشك أن ينفجر من كثرة الاكتظاظ، الموجود في حي ساوث ماركت في مدينة سان فرانسيسكو؛ معقل الشركات التكنولوجية — تتعالى فيه أصوات الطحن والقرع والطنين كما لو كان مغسلة تعطلت وتتصرف بجنون. وتلك الأصوات هي أصوات آلات خلط وطحن وطرد مركزي صناعية قوية تُنتِج بكميات كبيرة منتجًا تتمنى الشركة أن يصبح مكونًا أساسيًّا من مكونات الجيل الجديد من الأطعمة. وهذا المنتج عبارة عن بديل غير حيواني لبيض الدجاج.

في العام الماضي موَّل مستثمرو رأس المال المخاطر في وادي السليكون العديدَ من الشركات الناشئة العاملة في مجال الأغذية، لكن شركة هامبتون كريك حصلت على النصيب الأكبر من هذا التمويل. فهي تحظى بدعم أكبر المستثمرين؛ أمثال فاوندرز فاند، وهورايزون فينتشرز، وكوسلا فينتشرز، فضلًا عن تجربة اثنتين من شركات الصناعات الغذائية لمنتج بديل البيض نباتي المنشأ الخاص بها دون الإعلان عن اسمهما. وبدأت أقسام الأطعمة الجاهزة في متاجر هول فودز استخدام بديل البيض «جاست مايو» الذي تنتجه هذه الشركة الناشئة في سبتمبر ٢٠١٣، وهناك أربع سلاسل متاجر أطعمة رئيسية أخرى في الطريق إلى استخدامه خلال النصف الأول من هذا العام. وبفضل دورة استثمارية حديثة عززت تمويل شركة هامبتون كريك ليصل إلى ٣٠ مليون دولار أمريكي، وضمت لي كا-شينج؛ أغنى رجل في آسيا. وسيباع هذا المنتج قريبًا في أكبر متجر بقالة عبر الإنترنت في هونج كونج.

تراود شركةَ هامبتون كريك وغيرها من الشركات الناشئة أحلامٌ كبيرة بإعادة هيكلة عملية الإمداد الغذائي بحيث يتم استخدام قدر أقل من الأراضي والماء والطاقة وغيرها من الموارد. تنافس تلك الشركات مؤسسات عملاقة؛ مثل كوناجرا وجنرال ميلز وكرافت، تُنفق المليارات على تطوير التكنولوجيا والبحث.

وقد واجهت أمثال هذه الطموحات تحديات كبيرة في صناعات أخرى؛ مثل صناعة التكنولوجيا النظيفة. ومع ذلك، فالمسئولون عن شركات الأطعمة الحديثة مثل شركة هامبتون كريك قد يُفضِّلون ضرب مثال مختلف. فنجد أن جوش تيتريك؛ الرئيس التنفيذي لشركة هامبتون كريك، يريد أن يفعل في صناعة البيض، المُقدَّرة الاستثمارات فيها بنحو ٦٠ مليار دولار أمريكي، ما فعلته شركة أبل في صناعة الأقراص المضغوطة. ويتساءل تيتريك، الظهير القوي السابق في فريق جامعة ويست فيرجينيا لكرة القدم الأمريكية، فيقول: «لو سرنا على النحو المعتاد لحصلنا على بيض من طيور مكدسة في أقفاص صغيرة للغاية لدرجة أنها لا تستطيع تحريك أجنحتها، وتقضي حاجتها فوق بعضها البعض، وتأكل صويا وذرة متخمتين بالمضادات الحيوية لتحفيزها لوضع ٢٨٣ بيضة سنويًّا.» وعلى الرغم من أن بيض المزرعة يستهلك كميات كبيرة من الماء، ويحرق ٣٩ سعرًا من الطاقة مقابل كل سعر حراري ينتجه من الطعام. يقول تيتريك إن بإمكانه صنع بدائل نباتية باستخدام كمية قليلة من الماء وسُعرين فقط من الطاقة لكل سُعر طعام، وستكون تلك البدائل خالية من الكوليسترول والدهون المشبعة ومثيرات الحساسية، ولا تعرِّض لخطر الإصابة بأنفلونزا الطيور، ولا تستخدم القسوة مع الطيور، وبنصف سعر البيض العادي.

هذا أمر صعب التحقيق. إن بيضة الدجاجة البسيطة هي مخزن لقيمة غذائية عالية الجودة منخفضة التكلفة. ومع ذلك، ففي الأطعمة الجاهزة لا تكتسب البيضة قيمتها بسبب المواد الغذائية الموجودة بها، بل بسبب خصائصها عند الطهي؛ مثل الاستحلاب، وتكوين رغوة زبدية، والتماسك، والهلامية، وغير ذلك الكثير. والسبب في هذه الخصائص هو مجموعة البروتينات الفريدة التي تتمتع بها. وبدلًا من محاولة إعادة إنتاج بيضة كاملة، تركز شركة هامبتون كريك على اكتشاف بروتينات نباتية لها تلك الخصائص.

إن الجزء الخلفي من مقر هامبتون كريك مخصَّص للعثور على تلك البروتينات. وهناك يدير جوش كلين، عالم الكيمياء الحيوية الذي كان يعمل في السابق على تطوير أحد لقاحات الإيدز، خطَّ فحصٍ دقيقٍ مخصَّصٍ لاختبار ملايين النباتات بحثًا عن بروتينات ذات خصائص معينة. وحتى الآن فحصت شركة هامبتون كريك ٣ آلاف نبات، واكتشفت ١١ بروتينًا من البروتينات المستهدفة، سبعة منها مصرَّح بالفعل باستخدامها من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. وأحد هذه البروتينات هو بروتين البازلاء الصفراء الكندية الذي يستحلب الزيت والماء في جاست مايو. وهناك بروتين آخر يُكسِب التماسُك في عجينة الكعك المسماة «إيت ذا دو» التي ستطرحها الشركة في الأسواق هذا الشهر، وهناك بروتين ثالث يتحول إلى سائل أصفر لزج يشبه البيضة المخفوقة ويمتلك خصائص غذائية شبيهة فيما عدا خلوه من الكوليسترول. وعندما يَصُبُّ كريس جونز — طاهي شركة هامبتون كريك، الذي كان يعمل في مطعم موتو بشيكاجو — ذلك السائل الشبيه بالبيضة المخفوقة في مقلاة ساخنة، فإنه يتصلب كما لو كان قد خرج لتوه من القشرة. إن سائل بديل البيض هذا يبدو شكله وقوامه مثل سائل البيضة المخفوقة الحقيقية، ومع ذلك ففي اختبار تم في الشتاء الماضي كان هذا السائل يعج بالنكهات الكريهة، وما زال الفريق يعمل لجعل التركيبة مُرْضِيَة في ظل كل الظروف التي من الممكن استخدامه وتناوله فيها.

لن تحتكر مواد الاستحلاب والتماسك التي تنتجها شركة هامبتون كريك السوق وحدها، بل ستتنافس مع مجموعة موجودة من بدائل البيض، ناهيك عن البيض نفسه. إن بدائل البيض تُستخدم على نطاق واسع في الأطعمة المعلبة لخفض التكاليف والتقليل من التقلبات في أسعار البيض. وهذه المنتجات، التي تُصنع عادةً من الصويا أو اللبن أو المواد الصمغية أو المواد النشوية، بطبيعة الحال تنافس عروض هامبتون كريك من حيث التكلفة. وبعض هذه المنتجات يمكنها أيضًا أن تكون أكثر كفاءة من البيض من الناحية الوظيفية.

في الواقع، المنافسة ليست التحدي الوحيد؛ فعلى الرغم من أن تيتريك ينوي غزو السوق العادي، فإن منتجاته الخالية من البيض معرَّضة لأن توجَّه بشكل أساسي للأشخاص النباتيين. وتقول كريستين ألفارادو، الأستاذ المشارك لعلوم الدواجن في جامعة تكساس إيه آند إم: «أعتقد أن نجاحها سيكون مقتصرًا على سوق محدود في الوقت الراهن.» وإذا اكتشفت الشركة بروتينًا مميزًا مستخرَجًا من نبات غير معتاد، فسيكون لزامًا عليها إقناع المزارعين بإمدادها بمحصول هذا النبات بكميات هائلة دون رفع التكاليف. ويعلق جون ستراتفورد، من شركة ناتشورال برودكتس التي تقدم لصناعة الأغذية بديلًا للبيض معتمدًا على الصويا: «كلما كانت المادة الخام متخصصة، زادت المخاطر التي ستواجهها سلسلة التوريد.»

وبعد ذلك يبقى السؤال الجوهري المتمثل في كَوْن بروتينات شركة هامبتون كريك هي فعلًا أفضل من بدائل البيض التقليدية. في الواقع، يقدِّم طلب براءة اختراع شركة كريك هامبتون وَصَفاتِ بدائلِ بيضٍ مصنوعة بالكامل من مكونات جاهزة (مع معالجة إضافية مثل الطحن إلى أجزاء صغيرة جدًّا). ويقول جريجوري زيجلر، أستاذ علوم الغذاء في جامعة ولاية بنسلفانيا: «إن علماء الغذاء يفعلون ذلك منذ ما يزيد على ١٠٠ عام.» (يقول تيتريك إن الوصفات الموجودة في طلبات براءة الاختراع تأتي من مرحلة سابقة من البحث.)

ومع ذلك، فإن طريقة هامبتون كريك ما زالت ناجحة حتى الآن. ويتوقع تيتريك أن يطرح منتجه مايو الخالي من البيض في ١٥ ألف متجر في أواخر الصيف، متجاوزًا عدد ٣٥٠٠ متجر يباع فيها الآن، هذا فضلًا عن أنه يتطلع إلى تقديمه إلى سلاسل مطاعم الوجبات السريعة وشركات خدمات الطعام. وهو يخطط لمضاعفة عدد العاملين لديه ثلاثة أضعاف بحلول نهاية العام، وتوسيع مساحة الشركة بمقدار ثلاثين ضعفًا. وبمجرد أن يثبِّت تيتريك أقدامه في سوق البيض، فإنه يخطط لبدء استخدام قاعدة البيانات لديه، الخاصة بالبروتينات النباتية، في مجالات أخرى؛ فهو يلمِّح إلى محاولة صنع بدائل للدجاج أو اللحم البقري قائلًا: «أعتبر اختلال المنظومة الغذائية عدوًّا لي.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.