زار كريس رينيك عيادة طب النوم عارضًا شكوى مألوفة: وهي العجز عن النوم؛ إذ كان يقضي لياليَ عسيرة وأوشك على الإصابة بالجنون. ومِن ثَمَّ أودعه مايكل بونيت في عيادته بجامعة رايت ستايت بمدينة دايتون في أوهايو، وفقًا للإجراءات، كي يخضع لمجموعة الاختبارات المعتادة. لكن ما اكتشفه أثار دهشتَه؛ إذ كان رينيك — وهو اسم مستعار — في الحقيقة ينام نومًا عميقًا.

علَّق رينيك قائلًا: «إذن ارتكبَ أحدهم خطأً ما، أو يوجد شيء لم تفهموه.» وكان محقًّا في هذا.

إن أمثال رينيك يعتبرهم الأطباء لغزًا؛ فهُم يتعذبون بسبب عجزهم عن النوم، لكن عند تحليل أنماط نومهم في المختبر، فإن ما يظهر هو ساعة تلو ساعة من النوم الطبيعي المثالي. «فمَن نصدِّقُ إذن؟» هكذا يتساءل جون بيفر، الباحث في طب النوم في جامعة تورونتو بكندا.

وبعد عقود كثيرة، ظهرتْ أخيرًا بعض الإجابات عن هذا السؤال بفضل نوع من التحليل يفضله الفيزيائيون عادةً. وقد بدأ ذلك في تحديد الأسباب البيولوجية الكامنة وراء هذه الحالة المرضية الغامضة، وكشف عن بعض المشكلات الأساسية في طريقة تعريفنا للنوم، وربما يقدم كذلك سبيلًا جديدًا لفهم ألغاز أخرى قائمة منذ فترة طويلة بشأن الوعي.

ينبغي عدم الاستهانة بالأرق، فوفقًا لتعريفه تُعانِي نسبة من سكان العالم تتراوح بين ١٥ و٤٠ في المائة من صعوبات في الاستغراق في النوم، ومؤخرًا وُجِدتْ علاقة بين الأرق وتلف خلايا الدماغ لدى الفئران.

يؤدي ذلك إلى آثار جسيمة على الصحة العامة؛ إذ يَزيدُ معدَّلُ الإصابة بارتفاع ضغط الدم وداء السكري والسمنة والنوبات القلبية والسكتات الدماغية لدى مَن يعانون مِن مشكلات طويلة الأمد في النوم. ونتيجةً لذلك، تُنفَق مليارات الدولارات سنويًّا على الرعاية الطبية والأدوية اللازمة لمعالجة تلك الحالات المرضية. ورغم ذلك كله، ما زلنا لا نعرف الكثير عن الأرق أو عن النوم نفسه في واقع الأمر. ولا يُعزَى هذا النقص المعرفي إلى نقص في محاولات التقصِّي والمعرفة؛ ففي نهاية المطاف يرغب الأطباء في مساعدة مرضاهم، ويوجد لدى صناعة الأدوية دافع قوي للمحاولة يُقدَّر بمبالغ طائلة من الدولارات، لكن نظام الكيمياء العصبية الذي ينظِّم النوم هو حتمًا مِن أعقد نُظُم الدماغ، الذي هو بالفعل أعقد نظام معروف في الكون. يوضح بونيت ذلك قائلًا: «إن ما يعمل أو يتوقف عن العمل مع النوم أمرٌ معقَّد إلى أبعد الحدود، ولا ينحصر في مركز أو ناقل عصبي أو نظام واحد.»

ترجع الجهود البحثية في هذا المجال إلى عام ١٩٦٨ حيث تَعاوَن باحثان من رُوَّاد الباحثين في مجال النوم — ألان ريختشافن وأنتوني كاليس — في وضع إرشادات أولية لتحديد النوم الطبيعي وتمييزه عن النوم غير الطبيعي. وتحقيقًا لهذا الغرض، درسَا الطاقة الكهربائية الناتجة عن الدماغ.

وباستخدام جهازِ تخطيطِ كهربيةِ الدماغ — وهو عبارة عن آلة تقرأ الطاقة الناتجة عن مليارات الخلايا العصبية في الدماغ عَبْر أقطاب كهربائية تُوضَع على الرأس — وضع ريختشافن وكاليس مخطَّطًا يربط بين مراحل النوم المميِّزة والأنماط أو الموجات الدماغية المقابِلة لها. على سبيل المثال، تشير موجات ألفا إلى حالة من اليقظة المقرونة بالاسترخاء، ولا تظهر بطبيعة الحال إلا في مراحل النوم الأولية. بينما تُعَدُّ هيمنة موجات دلتا الأضعف والأكثر بطئًا مؤشرًا على النوم العميق المنشِّط المرتبط بالموجات البطيئة، عندما يُفرز الجسم هرمونات النمو لتجديد الأنسجة (انظر الشكل). ومن هنا أصبح لتحليل النوم نظام موحد ظلَّ ثابتًا في الأغلب، باستثناء بعض التنقيحات الثانوية.

أنماط خفية

لمعرفة مرحلة النوم التي تمر بها، يبحث فنِّيُّو طب النوم عن موجات دالة في نتائج جهاز تخطيط كهربية الدماغ. لم تطرأ تغييرات كبيرة على هذا النظام المختص بتمييز مراحل النوم منذ ستينيات القرن العشرين.

مؤشرات مفاجئة

يشير وجود «موجات دلتا» في نتائج جهاز تخطيط كهربية الدماغ إلى كون النائم في المرحلة الثالثة من النوم. لكن مؤخرًا كشف الخوارزميات التي طُبِّقت على تلك النتائج عن أهمية موجاتٍ تجاهلها الباحثون في السابق مثل «موجات بيتا»، التي تشير إلى كون الدماغ في حالة نشاط؛ مما يتدخل في نوم بعض المصابين بالأرق.

وفقًا لتلك المقاييس، من المفترض أن يصبح تأكيد الإصابة بالأرق أمرًا بسيطًا بالنسبة للأطباء: عندما تسيطر مؤشرات «التيقُّظ» ويصاحب ذلك نقص في موجات دلتا. لكن في أواخر سبعينيات القرن العشرين، بدأ باحثو طب النوم يوثِّقون بضع حالات لم تتفق مع هذه القواعد. زارتِ امرأة تبلغ من العمر ٣٩ عامًا باحثًا متخصصًا في طب النوم وزعمتْ أنها لم تنَمْ نومًا طبيعيًّا منذ ١٣ عامًا، لكن مثلما حدث مع رينيك، كشفت الاختبارات المعتادة أن عدد ساعات نومها ليلًا بلغ ٦٫٩ ساعات في المعتاد.

لذا سرعان ما وقع أولئك المرضى الذين ينكرون نتائج اختبارات النوم الخاصة ضحيةً لقائمة كاملة من النعوت التي أُطلقتْ عليهم مثل: المصابون بالأرق الزائف، أو بوسواس الأرق المرضي، أو بالأرق الذاتي. أما الحالة المرضية نفسها فأُطلق عليها: «الأرق النفسي الفيسيولوجي المستديم»، أو «سوء إدراك حالة النوم». وبما أن الباحثين في مجال النوم اعتبروا هذا الاضطراب مشكلةً نفسيةً في الأغلب، لم يخصصوا سوى القليل من الوقت لإجراء المزيد من الأبحاث. ومِن ثَمَّ، وُصفت للمصابين بهذه الحالة المرضية أقراص طبية ونُصحِوا بالتوقف عن مشاهدة التليفزيون في غرف نومهم على سبيل المثال، وهي علاجات لا يُعتمَد عليها ولا تنجح عادةً على المدى الطويل. وفي الغالب، واصل أمثال رينيك الحياة دون نوم، أو على الأرجح فشل النوم في تجديد حيويتهم ونشاطهم.

ولكي نفهم كيف استطاعتْ تقنية فيزيائية تغيير هذا الوضع، علينا أولًا معرفة ما يحدث عندما يذهب المرء إلى أحد مختبرات النوم.

على مدار العقود القليلة الماضية، دعم الباحثون في مجال النوم تحليلات ريختشافن وكاليس الأصلية المعتمدة على جهاز تخطيط كهربية الدماغ بمؤشرات من أجزاء أخرى في الجسم توضِّح لهم ما يعتري النومَ من اضطراب (راجع الجزء الوارد تحت عنوان: أسباب عدم القدرة على النوم). وعندما ذهب رينيك إلى عيادة بونيت لطب النوم، وصَّل الباحثون مجموعة من المستشعرات بجسده لتسجيل الإشارات الكهربية الصادرة من دماغه النائم وعضلاته. اصطفَّ على الجهاز اثنا عشر خطًّا من الخطوط المزدوجة كالموجودة في نوتات الأوركسترا الموسيقية، ثم خرجتِ النتيجة — التي تُدعَى مخطط النوم المتعدد — من الطابعة وتجمَّعتْ بنظام على الأرض.

بعد ذلك يأتي دور فَنِّيِّ طب النوم الذي يقرأ كل صفحة بتمعُّن. يتأمل الفنيون المختصون بطب النوم تلك الأوراق الممتدة التي تحوي خربشات تشبه الأبجدية الرونية الجرمانية، ثم يقسمونها إلى مقاطع بزيادات تبلغ ٣٠ ثانية تُعرَف باسم الفترات الزمنية. وبناءً على نوع الموجات السائدة في تخطيط كهربية الدماغ يصدرون أحكامًا تقديرية ينسبون على أساسها كل فترة زمنية إلى مرحلة من مراحل النوم المألوفة.

لكنَّ تقسيم النوم إلى مراحل بهذه الطريقة يستغرق ساعات كثيرة ويولِّد كمًّا هائلًا من الأوراق التي ينبغي فحصها. ففي إحدى الليالي وصل عدد الصفحات المطبوعة التي تسجِّل نوم رينيك إلى ٩٠٠ صفحة، بينما كان مايكل برليس، عالِم النفس وباحث طب النوم في جامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا، يعرف أستاذةً له كانت تخزِّن مخططات النوم المتعدد الناتجة عن أبحاثها في منجم ملح بولاية وست فيرجينيا.

كان الحل الواضح هو أتمتة تسجيل تلك النتائج عن طريق إعداد برنامج كمبيوتر يعتمد على خوارزمية تستطيع القيام بجميع مهام الفني، لكن في غضون دقائق. إلا أن هذا البرنامج حاكَى ما كان الفنيون يقومون به ليس إلا؛ وهو تقييم أشكال الموجات وتعيين مراحل النوم. ولم يُثبِت أيٌّ من حِزَم البرامج التجارية القليلة التي اختبرها الباحثون مقارنة بالفنيين المدربين مزيدًا من الفعالية. وهو ما علَّق عليه سيرام بارثازاراثي، باحث طب النوم في جامعة أريزونا بمدينة توسون، قائلًا: «لكي تراقب شخصًا نائمًا لمدة تتراوح بين ٨ و١٠ ساعات، يجب أن تكون لديك تكنولوجيا ذكية إلى حدٍّ كبير لإنجاز هذه المهمة.» ولهذا السبب ما زالت الأكاديمية الأمريكية لطب النوم تستلزم فحص النتائج المُؤَتْمَتة مجددًا على يد فنيٍّ مدرَّب.

لكن سواء فحص نومَ رينيك محللٌ بشريٌّ أم برنامجُ كمبيوتر، فإن نتائجه لم تتغير؛ إذْ أظهرت تقدمًا طبيعيًّا للمرء عبر مراحل النوم المعتادة على نحو يتناقض تناقضًا حادًّا مع إدراكه الخاص.

يقول برليس: «كنا نفترض أن المريض هو المخطئ وأن مخطط النوم المتعدد على حق.» لكنَّ كَمَّ الحالات المشابهة لرينيك دفع باحثي طب النوم إلى دراسة الأرق الزائف بمزيد من الإمعان. يقرُّ بيفر ذلك قائلًا: «على النقيض، المريض هو المُحِقُّ، فإذا كنتَ تستطيع إدراك شيء ما فأنت لست نائمًا، وكلما زاد ما تتذكره من نومك ليلًا قلَّتْ ساعات نومك. أعتقد أن مخطط النوم المتعدد لا يعرض الصورة الكاملة.»

إعادة النظر في الأرق

للتوفيق بين هذين الرَّأْيين المتناقضين، احتاج الباحثون إلى خوارزميات مكتوبة لا لتحاكيَ فنِّيِّي طب النوم، بل لتنقِّب بعمق في الموجات والمحاور والموجات السريعة المفاجئة كي تكتشف ما إذا كان جهاز تخطيط كهربية الدماغ يحوي معلومات عن النوم غفل عنها ريختشافن وكاليس. يوضح دانيال بايسي — من جامعة بيتسبرج بولاية بنسلفانيا — ذلك قائلًا: «إذا استطعنا إيجاد علامة تُميِّز أولئك المصابين بالأرق، يمكننا الزعم باحتمال وجود ثابت معين يميز طريقة عمل أدمغتهم.»

لكن من أين نبدأ؟ وما الذي نبحث عنه؟ وكيف يستطيع أي فني في طب النوم تحديد أنماط لم يصفها أحد من قبل من بين ٩٠٠ صفحة من الخربشات؟

لطالما احتاج الفيزيائيون إلى وسائل تساعدهم على فرز كميات ضخمة من البيانات بحثًا عن إشارات خفية. وقد ساعدتْ إحدى تلك الوسائل — التي تُدعَى التحليل الطيفي — الباحثين في مجالات تتنوع من علوم الغلاف الجوي وصولًا إلى الفلك وعلم طبيعة الأرض.

كما هو متوقع، الْتقطَ التحليل الطيفي الكثيرَ مما لم يكن واضحًا لباحث بشري يشق طريقه بصعوبة وسط نتائج النوم، على حدِّ قول برليس، الذي يضيف: «مما ساعد في تفسير سبب الاختلاف بين إدراك المريض للنوم وطريقة تسجيلنا له.»

كان أول ما كشف عنه التحليل الطيفي هو الاختلافات الدقيقة في قياسات جهاز تخطيط كهربية الدماغ لمرضى الأرق النائمين؛ إذ كانت موجات ألفا — وهي علامات اليقظة التي من المفترض ألا تظهر إلا في بداية النوم — تتدخل في مرحلة النوم العميق. بل ويمكن غالبًا تحديد تدخلات موجات ألفا دون الاستعانة بالتحليل الطيفي، وهو ما يوضحه برليس قائلًا: «تبدو مثل موجة مضطربة أعلى موجة تشبه التاج.» لكن أندرو كريستل، من جامعة ديوك في مدينة درم بولاية نورث كارولينا، استخدم التحليل الطيفي لقياس مدى تدخلها.

لم يُظهِر مرضى الأرق لدى كريستل قدرًا أكبر من تلك الاضطرابات الناتجة عن موجات ألفا فحسب، بل إن موجات ألفا كانت أكبر بينما كانت موجات دلتا أصغر في المقابل.

وعلاوة على ذلك، عندما طبَّق برليس وباحثون آخرون خوارزميات التحليل الطيفي على قياساتٍ لديهم لمرضى الأرق النائمين سجَّلوها لهم بواسطة جهاز تخطيط كهربية الدماغ، اكتشفوا أنماطًا مختلفة؛ وهي موجات سريعة تُعرَف باسم بيتا وجاما (دورية سليب، المجلد ٢٤، صفحة ١١٠). وتكون تلك الموجات عادةً مؤشرات على الوعي، والانتباه، بل والتوتر، وقد نصح ريختشافن وكاليس فنيي طب النوم بتجاهلها. يعلق بونيت على ذلك قائلًا: «عندما أراها تبدو لي عديمة القيمة، مثل موجة اصطناعية صادرة من عضلات مشدودة.»

وكما هو الحال مع موجات ألفا، أطلق برليس على تلك الموجات من نوع بيتا وجاما «تدخلات» في مسار النوم الطبيعي؛ ويقول: «الأمر يشبه شخصًا يلهو بمفتاح كهربائي محرِّكًا إياه بسرعة كبيرة بين اليقظة والنوم.» في حين أكَّدتْ معظم الدراسات وجود صلة بين موجات بيتا وجاما وبين الأرق الزائف.

في ضوء تلك النتائج، بدأ عدد أكبر فأكبر من الباحثين يعيدون النظر جديًّا في الأرق الزائف. وهذا بُشرَى سارَّة لأشخاص مثل رينيك، الذي درَّبه بونيت على تمييز الفرق بين إدراكه لكونه متيقظًا وبين تقرير جهاز تخطيط كهربية الدماغ الذي يوضح كونه نائمًا. وقد اعتبر بونيت هذا التدريب في عام ١٩٩٢ علاجًا محتملًا لهذا النوع الخاص من الأرق الذي يعاني منه رينيك. فمع بعض التدريب، تحسَّن مستوى رينيك في معرفة ما إذا كان مستيقظًا أم لا، وزعم أن مشكلة النوم لديه قد تحسَّنتْ، بمعنى أنه ما زال لا ينام كما ينبغي لكنه بات يدرك حالته على نحو أفضل. وعلى أقل تقدير، لم يعد يُعرف كشخص مصاب بوسواس المرض.

لكن العلاجات المستقبلية قد تصل إلى أبعد من ذلك، فيمكن للتحليل الطيفي مساعدة الناس في التغلب على مجموعة واسعة من اضطرابات الأرق، بل قد تستطيع كذلك توسيع نطاق العلاج على نحو يتجاوز علم النفس.

يزعم بايسي أن التحليل الطيفي قد يكشف أخيرًا عن «البصمة» الفعلية المراوغة التي تميز الطاقة الكهربية الناتجة عن الدماغ أثناء النوم مثلما يعتبر ضغط الدم علامة على نتاج الجهاز القلبي الوعائي. يوضح مارتن شارف — الذي يعمل في مركز كليفلاند لأبحاث النوم في أوهايو — أن هذه «الرابطة الفعلية القابلة للقياس» تعني رقمًا ثابتًا قابلًا للتكرار والقياس من أجل تحديد أعراض الأرق، وهو ما يعد «أحد الأهداف المنشودة في مجال أبحاث النوم».

وبناءً على هذه المعلومة، سيصبح في إمكاننا بحث ما إذا كانت تلك الموجات تكشف عن اختلاف بيولوجي كامن في عقول مرضى الأرق.

يحاول بعض الباحثين تجميع تلك المعلومات وربطها معًا. ما زالتْ أبحاثهم في مراحلها الأولية، ومثلها مثل الكثير من الأسس العلمية للنوم ما زالت غير واضحة. لكن زيادة طاقة بيتا وجاما — أو ما يطلق عليه برليس «النظام المتزايد المضطرب» — ربما تعني ارتفاع مستويات التيقظ في دماغ مرضى الأرق النائمين، على حدِّ قول ريتشارد بوتزن من جامعة أريزونا. بعبارة أخرى: لا تكمُن مشكلتهم بدرجة كبيرة في أنهم لا ينامون، بل في عجز عقولهم الدائم عن التوقف تمامًا عن العمل، نائمين كانوا أو مستيقظين. ويضيف بوتزن: «تلك هي الفرضية الرئيسية التي تفسر الأرق.»

ومِن ثَمَّ، بدأ الباحثون يتجهون إلى فرضية «اليقظة الدائمة» لتفسير أنواع من الأرق المزمن غير النوع الذي يعاني منه رينيك وأمثاله. وفي أوائل هذا العام، كشفتْ دراسة أجرتْها ريتشل سالاس من جامعة جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور بولاية مريلاند بالاشتراك مع زملائها؛ عن الاختلافات البيولوجية الرئيسية في أدمغة جميع المصابين بالأرق.

فعلى مدار الساعة، أظهرت أدمغة المشاركين في الدراسة نشاطًا زائدًا — سواء كانوا مستيقظين أم لا — مقارنةً بالنائمين الطبيعيين. وكانت إحدى النتائج المفاجئة أنهم استوعبوا عددًا من المهام الجديدة البسيطة بمعدل أسرع من أقرانهم الذين حصلوا على قسط أفضل من الراحة.

اليقظة الدائمة

يبدو أن مصدر الإزعاج الناجم عن «اليقظة الدائمة» هو الخلايا العصبية في القشرة الحركية. وهو ما قد يَلفِت الانتباه — حسب تقدير فريق سالاس — إلى علاجات جديدة تستهدف مصدر هذا التيقظ المفرط. اقترح الفريق استخدام التحفيز المغناطيسي للدماغ لتنظيم الطاقة الكهربية الناتجة من الخلايا العصبية المضطربة عبر دفقات موجَّهة من النبضات المغناطيسية عالية الشدة. وبالفعل أظهرتْ دراسة صغيرة دليلًا أوليًّا على ما يَعِد به التحفيز المغناطيسي للدماغ في علاج الأرق، لكن نظرًا لكونه يقتضي إشرافًا طبيًّا ويحتاج إلى معدات طبية ضخمة، فربما ينطوي على صعوبة أكبر وتكاليف أعلى تعوق تَحوُّله إلى علاج متاح لغالبية المصابين بالأرق.

يعتبر التحفيز الكهربائي المباشر للدماغ خيارًا أسهل استخدامًا؛ إذ يعمل بواسطة البطاريات بدلًا من المغناطيسات العملاقة. يقول مايكل فايزند، عالِم الأعصاب بجامعة رايت ستايت الذي يعمل مع القوات الجوية الأمريكية من أجل علاج الجنود المصابين بالأرق: «لقد فكرنا كثيرًا في كيفية استخدام التحفيز الدماغي للتدخل في حالات الأرق، ومن المفترض أن يمكن استخدامه لتعديل النوم.» لا سيَّما من أجل تثبيط تدخلات موجات جاما. لكنه يحذِّر من أن ذلك سيتطلب العديد من الأبحاث من أجل تحديد المواقع الصحيحة التي سيحقق التحفيز أكبر قدر من الفاعلية فيها.

قد يساعد التحليل الطيفي كذلك في كشف ألغاز أخرى تحيط بالوعي. على سبيل المثال، تبدو تدخلات موجات ألفا التي اكتشفها كريستل مرتبطة بمجموعة كبيرة من المشاكل التي كانت تعتبر في السابق غير ذات صلة بالنوم، مثل الأرق الزائف، والتي تتضمن: الألم المزمن، ومتلازمة التعب المزمن، والاكتئاب، واضطراب توتر ما بعد الصدمة. كذلك اكتشف شارف وآخرون تدخلات موجات ألفا في نوم الأشخاص المصابين بمتلازمة الألم العضلي المتفشي «الفيبروميالجيا» التي تتسبب في آلام مزمنة في جميع أنحاء الجسم.

لا يندهش بارثازاراثي من تلك العوامل الكثيرة المرتبطة بالنوم؛ إذ يقول: «يرتبط النوم بصحتنا العامة من نواحٍ متعددة.» فهو يقوِّي الذاكرة ويحسِّن المزاج ويعزِّز الأداء البدني والمعرفي. ولعله يجدر بنا أن نشير إلى أن مرضى الأرق النائمين الذين لم يصدقهم أحد في البداية هم مَن أتاحوا دليلًا محوريًّا لفهم مجال اضطرابات النوم بأكمله.

أسباب عدم القدرة على النوم

إذا كنتَ لا تستطيع النوم وتريد معرفة السبب في ذلك، فإن مختبر النوم سيصلك بمجموعة من المستشعرات لتسجيل ما يحدث في جسمك ودماغك، وفيما يلي الاضطرابات التي يستطيع الباحثون في مختبرات النوم تشخيصها:

انقطاع النَّفَس الانسدادي أثناء النوم: يتوقف حوالي ٤٪ منَّا عن التنفس لفترة قصيرة ويستيقظون ثم يعودون مجددًا إلى النوم، وذلك بمعدل يتراوح ما بين ١٠ و١٠٠ مرة كل ساعة.

اضطراب تململ الساقين: اضطراب غير شائع يؤدِّي إلى انتفاض عضلات القدمين أو الذراعين أو الساقين على نحو متكرر.

اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية: وهي مشكلة في الساعة الداخلية للجسم، مثل اضطراب النوم المرتبط بتغيير ورديات العمل.

الخطل النومي في مرحلة نوم حركة العين السريعة: يتضمن حركات عنيفة أثناء النوم قد تؤذي شخصًا ينام بجوارك، وتنتج عن أضرار في الدماغ وقد تكون علامة على الإصابة بالخَرف فيما بعد.

إذا لم يظهر لديك أيٌّ من تلك الاضطرابات، لكنك ترغب في معرفة السبب في كونك لا تستطيع النوم، فلن يعطوك إجابة شافية، وسيقرُّون أنهم لا يعرفون السبب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.