يحكي آرثر راين في وقت لاحق متذكِّرًا ما حدث قائلًا: «لقد كانت إحدى ليالي البرد القارس، وكانت هناك كُتَل ثلجية ضخمة تطفو على سطح الماء، وكنَّا نسمع أصواتها وهي تتكسَّر عند اصطدامها برصيف السفن.» كان راين ورفيقه المستثمر يرتجفان طوال الليل في شهر فبراير عام ١٨٩٧، بينما كانَا يقفان على أحد أرصفة السفن الآيلة للسقوط بالقرب من مدينة بروفيدنس في ولاية رود آيلاند، وكانَا يراقبان فتحةً ما في أرضية الكوخ الذي كانَا يُقِيمان فيه. قبل ذلك بساعات، أنزل بريسكوت جيرنيجان — الكاهن المعمداني والعالم والمخترع — «صندوقَ التجميعِ» من خلال هذه الحفرة إلى مياه خليج ناراجانسيت.

في صباح اليوم التالي، أثناء فتح آرثر وبريسكوت الصندوق بقوة، وقد بدت عليهما علامات الإرهاق، إذا بهما يَجِدان مكافأةً بانتظارهما: ذَهَبٌ في الصندوق!

لكن، لم يكن الأمر على النحو الذي بَدَا عليه تمامًا …

لطالما حلم المغامرون بالعثور على كنز في البحر؛ فعادة ما يضعون نصب أعينهم الغنائم التي خلَّفتها عصور غابرة كما حدث في شهر سبتمبر، على سبيل المثال، عندما اكتشف الغوَّاصون مخزونًا من العملات الذهبية بجانب المجرى المائي كيب كود في ولاية ماساتشوستس، وعلى الأرجح أن هذه العملات كانت حصاد حطام بارجة «ويداه جالي» عام ١٧١٧ التابعة للقرصان بيلامي، الملقَّب باسم «سام الأسود»، واضطر الباحثون عن الكنوز لاختراق عدة أقدام من الأعشاب البحرية اللَّزِجَة والقاتمة في قاع المحيط للوصول إلى هذه العملات، وهو ما وصفَتْه أحد التقارير الإخبارية «بالغوص في حاوية كبيرة ممتلئة بالجيلاتين الأسود».

كان عالمُ الكيمياء الإيطالي فوستينو مالاجوتي أولَ مَن أعطى أملًا في إمكانية اكتشاف كنوزٍ في أماكن أقرب نوعًا ما من سطح البحر؛ ففي عام ١٨٥٠، اكتشف مالاجوتي أن مياه البحر ذاتها تحتوي على كلوريد الفضة؛ مما أثار تساؤلًا حول كيفية استخراج الفضة من مياه البحر. في خطابٍ ألقاه جون بورينج — الحاكم السابق لهونج كونج — أمام الجمعية البريطانية في برمنجهام عام ١٨٦٥، كان يفكِّر كذلك في تزويد الغلافِ النحاسي أجسامَ السفن المائية بشحنات كهربائية، بحيث تتحوَّل إلى كنوز بفعل الطلاء الكهربائي.

لم ينتج عن اكتشاف الذهب في مياه البحر في عام ١٨٧٢ سوى زيادة درجة الانجذاب لهذا الأمر. ورغم أن محتوى الذهب قد قُدِّرَ آنذاك بأقل من قمحة (وهي وحدة وزن) واحدة لكل طن من الماء، فإن ذلك كان يعني الكثير من هذا المعدن النفيس المنثور في جميع بقاع العالم. وبحلول تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت التقنيات الجديدة لاستخراج الذهب من محلول باستخدام السيانيد قد مهَّدَتِ الطريقَ على ما يبدو لاسترجاع الذهب، وكان الاهتمام بهذا الموضوع منصبًّا على أستراليا لما تتمتَّع به من ازدهار في صناعة التعدين وامتداد سواحلها. في عام ١٨٩٦، أجرى عالم الكيمياء الشهير أرشيبالد ليفرسيدج بجامعة سيدني تجربةً من خلال جمع تراكمات معدنية من ألواح النحاس الأصفر التي كانت تتدلَّى أسفل أرصفة الموانئ.

كانت عملية بريسكوت جيرنيجان، التي أُعلِنَ عنها بعد مرور عام، إنجازًا واضحًا؛ إذ احتفظ بريسكوت الموقَّر بتفاصيل ما حدث داخل صناديق التجميع الخاصة به، دون الإفصاح عنها لمستثمريه الذين كانوا يَتُوقون لمعرفة ما حدث من خلال رفضه تسجيل هذه العملية كبراءة اختراع، ولكن العملية تضمَّنَتِ استخدام الكهرباء، والزئبق، وسلك رفيع مصنوع من مادة البلاتين. ويُعَدُّ الزئبق على الأقل جزءًا معروفًا في عمليات استخراج الذهب المُتَّبَعَة بالفعل في ولاية كاليفورنيا ونهر كلونديك. فعند تمرير المعدن الخام الذي يحتوي على الذهب فوق الزئبق، فإن العناصر تترسَّب في صورة مَلْغَم ما يسمح باسترجاع الذهب. وكانت بقع الذهب التي وجدها راين ورفيقه عندما فتَحَا صندوق التجميع هي الدليل على أن طريقة جيرنيجان قد أثبتَتْ بنجاح أن هذا المبدأ ينطبق على مياه البحر.

نُشِر في صدر الصحف عنوان يقول: «المحيط منجم ذهب.» كانت شركة «الأملاح البحرية الإلكتروليتية» التي أنشأها جيرنيجان عام ١٨٩٧ تمتلك نحو مليونِ دولار أمريكي و٢٩٣ صندوقَ تجميعٍ جرى حفظها في مطحنة قديمة للحبوب، تخضع للحراسة الجيدة في مدينة لوبيك في ولاية «مين» الأمريكية، وهي إحدى المدن الساحلية التي سرعان ما أُطلِقَ عليها اسم «كلونديك الجديدة». شعر السكَّان المحليون بسعادة غامرة لأن المنقبين عن الذهب «لن يكونوا بحاجة كبيرة للسفر إلى ألاسكا في المستقبل». اكتشف المنقبون عن الذهب أول مصدر لهذا المعدن النفيس في مياه البحر في أوائل عام ١٨٩٨.

نتيجة لذلك، شهدت مدينة لوبيك ازدهارًا؛ حيث جرى التخطيط لبناء «المصنع رقم ٢» من أجل وضع الآلاف من صناديق التجميع في مياه المد، وعُيِّنَ ٧٠٠ عامل لبناء المصنع، فضلًا عن توصيل خدمة الهاتف للشركة، وبناء جسر جديد وقارب للشركة يحمل اسم «ذا جولد بج» في مدينة لوبيك.

جزيئات نانونية من الذهب لا كتل ذهبية خام

جاءت النهاية بسرعة مذهلة؛ حيث اكتشف العمَّال لدى وصولهم إلى المصنع رقم ٢ في ٢٨ يوليو ١٨٩٨، أن جيرنيجان وشريكه تشارلز فيشر غادَرَا المدينة خلسةً ومعهما نحو ٣٠٠ ألف دولار أمريكي من أموال الشركة. وعندما فحَصَ المراسلون الصحفيون غُرَف التجميع، وجدوا «ماكينات على شكل غلايات يبلغ عرضها ٣٠ بوصة تفيض بالمياه التي تخرج من الأنابيب طوال الوقت». كانت غُرَف صناديق التجميع رطبة بفعل الطين اللَّزِج والزئبق، ولم يكن هناك أيُّ أثر للذهب.

ورغم حدوث ذلك، لم تنتهِ الأحلام المتعلقة باستخراج كنوز من المياه؛ فقد انطلقت محاولتان منفصلتان في أستراليا وإنجلترا عام ١٩٠٤. دعم مهندس التعدين ألبرت آرجيل المحاوَلَة الأسترالية بأمواله الخاصة، واستخدَمَ مصنعُه التجريبيُّ الكائن في مدينة بروكن هيد، في نيو ساوث ويلز، تقنيةً موثوقًا بها، وهي عملية ماكارثر فورست لاستخلاص الذهب باستخدام السيانيد. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك مصنع مماثل في جزيرة هايلينج الواقعة على الساحل الجنوبي لإنجلترا، يفخر بحصوله على إجازة من عالم الكيمياء ويليام رامزي الحائز على جائزة نوبل.

ورغم أن الفشل كان مصيرَ الخطتين، ظلَّ استخراج الذهب من البحار تحديًا جديرًا بأن يهتم بشأنه عالم من علماء الكيمياء الحائزين على جائزة نوبل. في منتصف فترة التضخم الجامح الذي شهدته ألمانيا في عام ١٩٢٣، كُلِّفَ فريتز هابر الحائز على جائزة نوبل بمهمة سرية لاكتشاف كيفية استخلاص الذهب من مياه البحر، وبذلك سيتمكَّن من مساعدة بلدته في الوفاء بديونها التي تكبَّدَتْها لترميم ما خلَّفته الحرب العالمية الأولى من دمار. يقول فريتز مستعيدًا بذاكرته ما حدث: «كل جهودنا كانت تُبذَل من أجل تحرير الوطن.» تظاهَرَ هابر ومعه فريق عمله بأنهم طاقم سفينة الركاب هانسا، في الوقت الذي كانوا يختبرون فيه مياه المحيط الأطلنطي سرًّا. للأسف، لم تُجْدِ هذه المهمة نفعًا؛ فتنظيف أسطح السفن يُدِرُّ أموالًا أفضل من التنقيب في مياه البحر عن الذهب. استسلَمَ هابر لهذه الحقيقة في نهاية الأمر قائلًا: «لقد تراجعْتُ عن فكرتي في التنقيب عن الذهب في مياه البحر؛ فالأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش.»

نتيجة لذلك، تحوَّلَ الاهتمام إلى عناصر أخرى متواجِدة في مياه البحر بوفرة (انظر الجزء بعنوان «الغواصة النووية»). لكن المفارقة التي يحملها العديد من هذه الجهود هي أنها لم تستند بالضرورة إلى مبدأ خاطئ، كل ما هنالك أنها بُذِلت قبل أوانها؛ فالعينات الملوَّثة والقياسات غير الدقيقة كانت مضلِّلة للباحثين الأوائل في هذا المجال، ولم ترشدهم إلى الكم الفعلي للذهب في مياه البحر؛ على سبيل المثال، كانت التقديرات الأولية التي توصَّلَ إليها هابر أكبر بمعدلٍ يتراوح من مائة إلى ألف ضعف.

يقول بابلو لوديرو — عالِم الكيمياء في جامعة ساوثهامبتون — في المملكة المتحدة: «يبلغ معدل تركيز هذا المعدن النفيس في مياه البحر أجزاءً من التريليون، وهو ما يصعب قياسه للغاية.» لكن مع توافر التقنيات الحديثة، وبالنسبة لأولئك الذين يبحثون عن جزيئات نانونية من الذهب لا كتل من الذهب الخام، فإن البحر لا يزال يخبِّئ في أحشائه كلَّ ما هو نفيس وغالٍ.

في وقت مبكر من هذا العام، أوضح كلٌّ من لوديرو وزميله ميكا سيلانبا من جامعة لابينرانتا للتكنولوجيا في فنلندا كيفيةَ استرجاع جزيئات نانونية من الذهب من مياه بحر اصطناعية غنية بهذا العنصر النفيس بتركيز قدره أجزاء في المليون. اعتمدت أبحاثهما على استخدام مادتين من المواد المتوفرة في الأسواق من أجل إزالة الأيونات المعدنية من المحلول، إلى جانب استخدام مسحوق خشن من الأعشاب البحرية البنية اللون المعروفة باسم «سارجاسوم ميوتيكوم»، والمعروفة بمعدل انجذابها العالي للمعادن الثقيلة (دورية مارين كميستري، المجلد ١٥٢، صفحة ١١). يأمل لوديرو حاليًّا في نقل الاختبار من المختبر إلى مكان يتوافر فيه الذهب بتركيزٍ أقل في ظروف بحرية حقيقية.

في هذه الأثناء، بحَثَ أنيربان روي تشودري من معهد التكنولوجيا المكروبية في شانديجار بالهند وزملاؤه استخدامَ البكتريا المتواجدة في المياه الغنية بالمعادن، والتي تساعد في استخراج جزيئات نانونية من الذهب (دورية مايكروبيال سيل فاكتوريز، المجلد ١١، صفحة ٨٦). إن ما أثارَ اهتمامَ تشودري هو الاستخدام التقليدي للذهب في الطبِّ الهندي؛ فعلى سبيل المثال، يُستخدَم مسحوق سوارنا بازما الذي يحتوي على الذهب في علاج أمراض مختلفة؛ مثل: داء الربو، والتهاب المفاصل في الطب الأيورفيدي.

امتدادًا لهذا التاريخ، ظهرت الآن استخدامات جديدة لجزيئات الذهب؛ وذلك لأن مَيْل الجزيئات النانونية من هذا المعدن إلى التجمع في الخلايا السرطانية يؤدِّي إلى استخدامها في تصوير الخلايا ونظم توصيل العلاج التي تستهدف الخلايا المصابة دون السليمة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التركيب الكيميائي النَّشِط والخواص البصرية والإلكترونية القابلة للتعديل لجزيئات الذهب النانونية تزيد من الطلب على استخدامها في التحفيز الكيميائي وفي الرقائق الإلكترونية الدقيقة وخلايا الألواح الضوئية.

إن عمليات صنع جزيئات الذهب النانونية في المختبر ليست هينة، وفي بعض الأحيان تتضمن مواد كيميائية كاوية مثيرة للقلق والشكوك من حيث تأثيرها البيئي. من ثَمَّ، فلا عجب أن يُنظَر لمياه البحر المتاحة دون قيود باعتبارها مصدرًا بديلًا مغريًا. لقد قطعت الأحلام المتعلقة باستخراج الكنوز من مياه البحر شوطًا طويلًا، ولم تَعُدْ قاصرةً على مجرد كونها نابعةً من شهوة المال كما كان الحال بالنسبة لبريسكوت جيرنيجان.

اتضح أن السر في الطريقة التي اتبعها بريسكوت كان فيشر — شريكه في الجريمة — حيث كان الأخير يضيف إلى صناديق التجميع «كميات من الذهب غير مُستخرَجة من مياه البحر» طوال الوقت، بل زُعِم أيضًا أن فيشر كان يرتدي بدلةَ غوصٍ للنزول إلى المياه ليضع ذهبًا في الصناديق، بينما كان المستثمرون ينتظرون على رصيف الميناء، وهو ما نفاه جيرنيجان بشدة في وقت لاحق. بعد مرور عدة سنوات، اكتشف المقيمون في منزل فيشر السابق وجود لوحة مخبَّأة تحتوي على مجموعة من الجواهر القديمة المُعَدَّة لصَهْرها؛ وهذا هو المصدر الحقيقي «لذهب البحر» الذي ادَّعَى الموقَّر استخراجَه من المياه. مع ذلك، فإن الذهب الحقيقي لا يزال موجودًا في مياه البحر في انتظار مَن يكتشفه.

الغواصة النووية

إن الكم الهائل لمياه البحار يُشِير إلى أنه حتى في حال توافر العناصر بكميات ضئيلة، فإنها تشكِّل مجتمعةً موردًا هائلًا؛ فعناصر البروم والماغنسيوم واليود يُجرَى استخراجها من المياه على نحوٍ مربحٍ. ومن العناصر الأثقل بجانب الذهب، هناك أيضًا عنصر اليورانيوم الذي طالما أثار الاهتمام. والأجزاء القليلة من المليار المتواجدة في مياه البحر — معظمها من الأيون يورانيل — تُعَدُّ وقودًا كافيًا لتشغيل محطات الطاقة النووية على كوكب الأرض لآلاف السنين.

إن محاولات استخراج اليوارنيوم لها تاريخ طويل؛ ففي عام ١٩٦٤، حاوَلَتْ مؤسسة بحوث الطاقة الذرية في المملكة المتحدة استخراجَ اليورانيوم من المياه قبالة منارة بورتلاند بيل على الساحل الجنوبي لإنجلترا، باستخدام هيدروكسيد التيتانيوم الذي يتحد مع اليورانيل (مجلة نيتشر، المجلد ٢٠٣، صفحة ١١١٠). في سبعينيات القرن العشرين، عكف الباحثون الألمان على تربية الطحالب لامتصاص التركيزات العالية من المعادن الثقيلة مثل اليورانيوم، مع ذلك لم تتمكَّن كلتا الطريقتين من منافسة الطريقة التقليدية للتعدين، ولكن ما زالتا تحظيان بالاهتمام في جزيرة اليابان التي تفتقر إلى المعادن وتعتمد على الطاقة النووية.

من بين الأساليب الأحدث عمليةُ إغراقِ حصيرة بلاستيكية منقوعة في مادة أَميدوكسيم التي تمتص اليورانيوم في المياه، واستخدام المركبات التي تُعرَف بالأطر المعدنية العضوية التي تتميز بانجذابها على نحو خاص لعنصر اليورانيوم (دورية كيميكال ساينس، المجلد ٤، صفحة ٢٣٩٦). وحتى في حال لم تحقِّق — مثل تقنيات الاستخراجِ هذه — النجاحَ في عملية التعدين لأغراض تجارية، فأملنا أن تثبت جدواها في معالجة النفايات السائلة المشعَّة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.