تُصنَّف الرياضيات — شأنها شأن اللغة وشأن الإبهام المقابل لباقي أصابع اليد — على أنها أحد الأشياء التي تميز الإنسان عن الحيوانات، لكنَّ الحيوانات تثبت مرارًا وتكرارًا أننا مخطئون في حكمنا هذا؛ فتقول أيرين بيبربيرج — التي قضت سنوات في دراسة مهارات ببغاء أفريقي رمادي اللون يُدعى أليكس: «في كل مرة يزعم الناس أن الحيوانات لا تستطيع القيام بشيء، نكتشف أنها تستطيع القيام به وبشيء آخر معه.»

لعبة الأعداد

يبدو أننا نتعامل مع الأعداد الكبيرة والصغيرة بطرق مختلفة.

بدءًا من الطيور التي تستطيع العد، إلى الشمبانزي الذي يجمع، إلى السلمندر الذي يعرف الفارق بين الوحدتين والثلاث وحدات، يبدو أن الحس الفطري بالأعداد واحد من القدرات الإدراكية الأكثر جوهريةً التي تتمتع بها الحيوانات. وثمة مجموعة من الدراسات تثبت أن الحيوانات والبشر يتعاملون مع الأعداد بطرق متشابهة إلى حد مذهل.

بينما تواصل نتائج الدراسات التي أُجريت على مختلف الأنواع تدفقها علينا، يعتقد الباحثون أنهم يقتربون من إدراك الكيفية التي تتعامل بها الأدمغة مع الأعداد. وتستطيع الخواص العامة المميزة للقدرات الرياضية صياغة استراتيجيات تدريس أفضل، كما قد يؤدي فهم الاستجابة العددية إلى الكشف عن بعض الآليات الدماغية الأساسية، بل قد يمدنا إدراك القدرة الحسابية أيضًا بأفكار حول الخلل الذي يحدث عند الإصابة باضطرابات مثل الفصام والتوحد.

من المنطقي إلى حدٍّ بعيد الإقرار بأن جميع أفراد المملكة الحيوانية يتمتعون بمهارات حسابية؛ فاكتشاف أي شجرة تحمل كمية أكبر من الثمر، أو تحديد ما إذا كان في منطقة ما أصدقاء أكثر من الأعداء، يُعد بالنسبة للحيوانات مسألة حياةٍ أو موت. ويقول راندي جاليستل، إخصائي علم الأعصاب السلوكي في جامعة روتجرز بنيو جيرسي: «إذا علمت أن جماعة من الأُسود تضم ستة أفراد — لا ترى منهم سوى أربعة — فإن التساؤل عن مكان الأسدَيْن الآخرَيْن قد يساعد على بقائك.»

مما لا يثير الدهشة أن بعض الحيوانات موهوبة أكثر من سواها (انظر الرسم)؛ فتقول بيبربيرج؛ وهي باحثة في جامعة أريزونا بتوسان وأستاذ زائر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «تتمتع الحيوانات بقدراتٍ تتراوح من أبسط عمليات التمييز الإدراكي للكميات الأكبر في مقابل الكميات الأقل، وحتى القدرة الأساسية — بالغة الأهمية — على فهم المعادلات الرياضية المعقدة.»

عقول رياضية

بدءًا من تمييز الكميات المتساوية وحتى استخدام المعادلات، يتبين لنا أن كثيرًا من الحيوانات موهوبة في الرياضيات.

على سبيل المثال، يستطيع أليكس — وهو ببغاء بالغ من العمر ٢٧ عامًا في معمل بيبربيرج — العدَّ، كما يمكنه التمييز بين الكميات الأكبر والأقل، بالإضافة إلى مهارات أخرى؛ بل ويمكنه أيضًا — بالنظر إلى مجموعة من المكعبات الزرقاء والحمراء — معرفة عدد المكعبات الزرقاء فيها. وتعتقد بيبربيرج كذلك أن أليكس لا يتعلم فقط أن الرمز «٣» يمثل قيمة ثلاثية، بل إن الرمز «٤» يمثل قيمة أكبر. ويستطيع الشمبانزي أداء مهام مشابهة. وفي حين تبدو القدرة الحسابية أقل لدى الحمام، فإنه يستطيع تمييز الأعداد المختلفة للأشياء، مهما بلغ حجم هذه الأشياء ومهما بلغت المساحة التي تحتلها. أما الجرذان، فيبدو أنها لا تفهم المبادئ المجردة للأعداد على الإطلاق، لكنها تستطيع تعلُّم الضغط على رافعة إلى ما يقرب من عدد محدد من المرات.

تقول كلوديا أولر — إخصائية علم الإدراك بجامعة إسكس بكولشستر في المملكة المتحدة — إنه بغض النظر عن الحيل الرياضية التي تستطيع الحيوانات تعلُّمها، فإنها تتعلم الأعداد بطريقة مختلفة عن تلك التي يتعلم بها الأطفال؛ ويرجع ذلك إلى أن الأطفال يتعلمون بمعدل أسرع كثيرًا من ذلك الذي تتعلم به الرئيسيات. وتقول أولر: «لكي تعلِّم شمبانزي نظامَ أعدادٍ رمزيًّا، فإن عليك أن تعلِّمه القيمة الأحادية ثم الثنائية ثم الثلاثية، وهكذا يسير الأمر على نحو بطيء للغاية.» على الناحية الأخرى، يطوِّر الأطفال — في زهاء عامهم الثالث — قدرةً على اكتشاف الأشياء حين يكتشفون فجأة وجود عدد أكبر — دائمًا — من العدد الذي يُذكَر أمامهم. الأمر الأكثر إثارةً للاهتمام هو معرفة ما تستطيع الحيوانات القيام به تلقائيًّا — دونما أي تدريب على الإطلاق — حسبما تقول أولر؛ إذ إن هذا هو ما يطلعك على حسِّنا الغريزي بالأعداد.

ولقد ابتُكر أسلوب تقليدي لاختبار القدرات العددية الغريزية من أجل دراسة رضيع الإنسان؛ فمنذ عقد مضى، وجدت كارين وين — إخصائية علم النفس التنموي في جامعة ييل حاليًّا — أن الأطفال الرضع يطيلون النظر بدرجة ملحوظة إلى الأشياء الجديدة أو المثيرة للدهشة. على سبيل المثال، حين يرى رضيع بالغ من العمر ستة أشهر دميةً توضع وراء حاجز، ثم توضع إلى جانبها دُمية أخرى، فإنه يتوقع رؤية دميتين إذا ما رُفع هذا الحاجز، وأيضًا سيحملق الرضيع فترة أطول إذا ما رأى ثلاث دمى، أو دمية واحدةً، بدلًا من اثنتين. وقد يشير هذا إلى قدرة فطرية لديه على العد. وأظهرت تجارب مماثلة أن قرد المكاك الريسوسي يستطيع جمع وطرح الأعداد الصغيرة للأشياء، كما هو الحال مع قرد الطمارين ذي الرأس القطني، بل ومع الأنواع التي تربطنا بها — نحن بني البشر — صلة قرابة بعيدة.

استكشفت دراسة أحدث مهارةً عددية أكثر جوهريةً تتشاركها الرئيسيات والرُّضَّع: وهي القدرة على إدراك «الكمية الأكبر» و«الكمية الأقل». في العام الماضي، أثبتت عالمة النفس بجامعة هارفرد، سوزان كيري، وزملاؤها أن الرضع الذين يبلغون من العمر ١٠ و١٢ شهرًا يزحفون إلى علبة تحتوي على كعكتين صغيرتين، وليس إلى علبة تحتوي على كعكة واحدة. بالمثل، يختار المكاك الريسوسي صندوقًا يحتوي على ثلاث ثمرات تفاح، وليس صندوقًا يحتوي على ثمرتين.

ولقد أَمُلت أولر أن نتوغل لمدًى أبعد في أعماق تاريخنا التطوري، وبناءً عليه قررت إجراء التجربة ذاتها مع السلمندر أحمر الظهر. وبدلًا من الكعك أو الفاكهة، كانت الخيارات المتاحة للسلمندر أنابيب اختبار تحتوي أعدادًا مختلفة من ذباب الفاكهة. ووجدت أولر أن البرمائيات كانت تمس بخطمها — باستمرار — الأنبوب الذي يحتوي ذبابًا أكثر. وكانت هذه الدراسة هي أولى الدراسات التي أظهرت أن ثمة حيوانات غير الرئيسيات ربما تكون قادرة على اختيار عدد الأشياء التي تزيد قيمتها عن القيمة الثنائية بنفس طريقة الأطفال الرضع. ويقول مارك هاوزر؛ عالم الأحياء بهارفرد: «إن ذلك يرشدنا إلى أن هناك لبنات قدرة رياضية أعلى مُرسخة في السلالات الأولية للحيوانات التي تطورت قبل وقت طويل من وجودنا حتى على سطح هذا الكوكب.»

تقول أولر إن أوجه الشبه بين الأنواع المختلفة مدهشة؛ ليس فقط فيما يتعلق بالأشياء التي تتمكن من فعلها، بل أيضًا فيما لا تستطيع القيام به. وبصفة عامة، يبدو أن مستوى الأداء يقل عند العدد ٤: «إن الأمر مدهش للغاية؛ إذا ما خيَّرتَ الأطفال الرضع بين شيئين أو ثلاثة أشياء، فسوف يختارون العدد ٣، وإذا ما خيَّرتهم بين ٣ أو ٤، فسيصبح خيارهم عشوائيًّا، وإذا ما خيرتهم بين العدد ٤ مقابل العدد ٦، فسيتسم سلوكهم بالعشوائية أيضًا.» وبالمثل، يستطيع قرد الريسوسي إدراك الفارق بين العدد ١ مقابل ٢، والعدد ٢ في مقابل العدد ٣، لكنه لا يدرك الفارق بين العدد ٣ مقابل العدد ٤، أو العدد ٤ مقابل ٦. كذلك يُظهر السلمندر الأنماط السلوكية نفسها. حتى البشر البالغون يمكنهم تتبع أربع نقاط متحركة على شاشة كمبيوتر، لكنهم لن يستطيعوا الاستمرار إذا زاد عدد النقاط عن ٤.

وبالنسبة لبعض الباحثين — من بينهم أولر وهاوزر — يشير هذا الإخفاق العام عند العدد ٤ إلى أن المخ له نظامان مختلفان للتعامل مع الأرقام؛ أحد هذين النظامين — ويسمى النظام العددي التقريبي الكبير — يشمل الأعداد الكبيرة، ويعتمد على حس التخمين الدقيق؛ وهذا من شأنه تفسير السبب وراء قدرة الجرذان والحمام على تعلُّم الضغط على رافعة حتى ٤٥ مرة للحصول على مكافأة، لكن هامش الخطأ يزيد مع ارتفاع عدد المرات المستهدف. ويتصرف البشر على النحو نفسه؛ ويمكنك اختبار نفسك: خمِّن عدد الإوز في قطيع ما، على سبيل المثال، ثم عِدَّ الإوز. على الأرجح سيكون العدد الفعلي قريبًا من العدد الذي خمَّنته.

أما النظام العددي الصغير — ثاني نظامَي المخ — فهو من الناحية النظرية أكثر تحديدًا ودقة. ترى هذه النظرية — التي تسمى ﺑ «نظرية فهرسة الأشياء» — أن المخ يفتح «ملفًّا» واحدًا في المرة لتتبُّع الأشياء الفردية، لكنه لا يستطيع أن يفتح سوى أربعة أو خمسة ملفات في الوقت نفسه.

يقول جاليستل؛ أحد النقاد الأشد حدةً لنظرية النظامين: «في رأيي، تثير هذه النظرية مشكلات أكثر مما تحلُّها.» ببساطة، المسألة هي أن بإمكانك جمع أعداد بسيطة معًا لتحصل على عدد كبير، أو طرح عدد كبير من عدد كبير آخر للحصول على عدد صغير، وهذه العمليات تتطلب كلا النظامين. الشيء غير المفهوم هو كيف يمكن أن يتفاعل النظام الذي يتعامل مع السؤال مع النظام الذي يتعامل مع الإجابة.

يرى برايان باترورث — إخصائي علم النفس العصبي بكلية لندن الجامعية — مزيدًا من المشكلات مع تفسير نظرية النظامين؛ فهو يتفق على أن باستطاعتنا النظر إلى مجموعة من الأشياء وتخمين أنها تضم كثيرًا من العناصر، لكنه لا يعتقد أن هذا يشبه تحويل التخمين إلى عدد ضخم، ويقول إن مهارات التعامل مع الأعداد الكبيرة تتطور مع المهارات اللغوية.

لكنه كذلك يوافق على أننا نولد بالقدرة على التعامل مع الأعداد الصغيرة، ويركِّز تفسيره على قدرتنا العجيبة على معرفة عدد الأشياء بمجرد النظر إليها؛ إذ يستطيع معظم الناس — بمجرد النظر — معرفة عدد الأشياء الموجودة في مجموعة ما؛ وذلك حتى أربعة أو خمسة أشياء، دون الحاجة إلى عَدِّ كلٍّ منها. لكن إذا زاد العدد، صار علينا العد. واستنادًا إلى بحث أُجري على أشخاص يعانون إصابات دماغية تعيقهم عن معرفة عدد الأشياء بمجرد النظر، يذكر باترورث أن ثمة «وحدة عددية» في المخ — وهي تجمُّع من الخلايا التي تمدنا بالحس الفطري بالأعداد الصغيرة — وإما أن يكون لديك هذه الوحدة أو لا (مجلة نيو ساينتيست، ٣ يوليو ١٩٩٩، صفحة ٤٦).

يقول باترورث إن أدمغتنا تضم تصنيفات «للقيم الثنائية» و«القيم الثلاثية» و«القيم الرباعية»، تمامًا مثلما تحتوي على تصنيفات «للاخضرار» أو الحدة. ولسبب ما، تتغيَّر الأمور عند العدد خمسة. بالمثل، يناقش إخصائي علم النفس العصبي، ستانيسلاس دوان، في كتابه «حس الأعداد» أن الحس البسيط بالأعداد أساسي مثل الحس بالألوان؛ فكلٌّ منهما طريقة مفيدة لأدمغتنا لإدراك العالم. ويقول دوان إن الرياضيات المتقدمة أكثر صعوبة؛ لأنها تعتمد على اللغة والقدرة على فهم الرموز.

تتبارى كل هذه النظريات لتفسير بعض التحديات العامة التي تقترن فيما يبدو بالأعداد الكبيرة. على سبيل المثال، من الأسهل كثيرًا على كلٍّ من الحيوانات والبشر التمييز بين عددين، أحدهما أكبر كثيرًا من الآخر؛ فثلاثون طائرًا أكثر بنحو واضح من ١٥ — مثلًا — في حين أنه قد لا يبدو أن هناك أي فارق للوهلة الأولى بين ١٥ طائرًا و١٤ طائرًا. كذلك — على سبيل المثال — تُعد معرفة الفارق بين شيئين وثلاثة أشياء أسهل من تمييز الفارق بين ٤٩ و٥٠ شيئًا، بالرغم من أن الفارق في الحالتين هو واحد.

أدَّت الأبحاث التي أُجريت لتفسير هذه التأثيرات الجوهرية إلى ظهور نظريات مختلفة حول الكيفية التي يصوِّر بها المخُّ الأعدادَ. هل يحتوي المخ على مناطق تميِّز تصنيفات قائمة بذاتها «للقيمة الأحادية» و«القيمة الثنائية» — على سبيل المثال — حسبما يرجِّح كلٌّ من باترورث ودوان؟ كيف نعرف الترتيب الذي تظهر به الأعداد؟ وكيف نتعامل مع الأعداد؟ ثمة فكرة تقول إن المخ يبتكر خريطة — من نوع ما — للأعداد المختلفة، لكن ثمة طريقتان يعتقد الباحثون أن هذه الخريطة تظهر بهما؛ الطريقة الأولى هي أن كل الأعداد تُمنَح أهمية متماثلة، وتصطفُّ على مسافات متساوية على خط أعداد طولي. وكلما ازدادت الأعداد، وجب تتبعها بطول الخط، ومن ثم ينخفض مستوى الدقة. أما الطريقة الثانية، فتشير إلى عمل خط الأعداد الداخلي هذا على نطاق لوغاريتمي؛ حيث تُعامَل الأعداد الأصغر بدقة أكبر، بينما يزداد «انضغاط» الأعداد الأكبر داخل المخ، مما يصعِّب تمييز الفارق بينها.

يقول إيرل ميلر — إخصائي علم الإدراك بمركز بيكاور للتعلم والذاكرة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — إن نتائج التجارب السلوكية قد فشلت في معرفة أيٍّ من هذه النظريات ينطبق على حالتنا هذه. وهكذا اتجه هو وزميله أندرياس نيدر — من جامعة توبنجن بألمانيا — إلى المصدر مباشرةً؛ أي إلى الخلايا الفردية في المخ.

أظهرت دراسات تصوير الدماغ فيما سبق أن ثمة منطقة تسمى قشرة الفص الجبهي، وأن هذه المنطقة تنشط حين يفكر الأشخاص في الأعداد. والأشخاص الذين يعانون إصابات دماغية في هذه المنطقة يفتقرون إلى الحس بالأعداد؛ لذا، درَّب ميلر ونيدر عددًا من قردة الريسوسي للبت فيما إذا كانت الصور المتتابعة — المشتملة على نقاط — على شاشة الكمبيوتر تُظهر نفس عدد النقاط، فسجَّلت الأقطاب الكهربية حينئذٍ نشاطَ حوالي ٣٠٠ خلية عصبية في قشرة الفص الجبهي بينما يؤدون المهمة، وكانت كل صورة تشتمل على ما بين نقطة واحدة إلى خمس نقاط. وللتأكيد على أن القردة كانت تستخدم الأعداد لإصدار أحكامها، ظهرت النقاط بأحجام ومواضع مختلفة.

وجد الباحثون أن مجموعات مختلفة من الخلايا العصبية استجابت بقوة لأعداد مختلفة، وبدا أن كل خلية عصبية تستجيب بأقصى قوة لعدد واحد. لكنهم كذلك أوضحوا بالضبط الخاصية الضرورية لتشكيل خط أعداد؛ إذ «عرفوا» شيئًا عن تسلسل الأعداد قبل وبعد الاستجابة: فاستجابة الخلية العصبية تقل تدريجيًّا مع تزايد العدد أو نقصانه عن العدد الذي «تفضله». ومن ثم تداخلت استجابات مجموعات الخلايا العصبية المختلفة. وحين حدد الباحثون حجم التداخلات بالضبط، وجدوا أنها تتفق مع المتتابعة اللوغاريتمية.

ويعمل الآن كلٌّ من ميلر ونيدر على تحديد مناطق وخلايا أخرى في الدماغ تشترك في تمييز الأعداد. ويملك نيدر بالفعل بيانات غير منشورة ترجِّح أن جزءًا من المخ، يسمى بالقشرة الجدارية الخلفية، هو أول منطقة تستجيب حين يرى القرد الأعداد. وفيما بعد، يرغب نيدر في تحديد إذا ما كانت ذات المناطق والخلايا تستجيب عندما تواجه القردة الأعداد بطرق أخرى — من خلال سماع أعداد مختلفة من النبضات، على سبيل المثال.

يقول ميلر إن الإدراك التام للكيفية التي يصور بها المخ الأعداد يمكن أن يؤدي إلى طرق أكثر فاعلية لتدريس الأعداد الكبيرة للأطفال؛ فمعرفة الأساليب التي تفلح مع تدريب الحيوانات ربما تشير إلى طرق أفضل — مثلًا — لتدريب الأطفال على المهارات الرياضية.

وهو يعتقد أن فهم المبادئ والآليات العامة التي يستخدمها المخ — خاصةً قشرة الفص الجبهي — لتصنيف الأشياء بلغة الأرقام يمكن أن يساعدنا في النهاية على فهم الاضطرابات الدماغية التي تنحرف فيها أشكال التصنيف والتصور الأخرى، مثل الفصام والتوحد واضطرابات قصور الانتباه. ويضيف ميلر أن الوقت لا يزال مبكرًا، لكننا قد نتعلم شيئًا عن هذه الاضطرابات الفكرية واسعة الانتشار من خلال دراسة الكيفية التي يمكن أن تخفق بها المهارات الحسابية، وربما حتى من خلال اختبار الكيفية التي تؤثر بها مواد كيميائية مختلفة في المخ على الكيفية التي يتعلم بها الأعداد ويصوِّرها في الحيوانات الأخرى.

وفي الوقت الحالي، لا يزال العلماء يحاولون معرفة ما تستطيع وما لا تستطيع الحيوانات القيام به من أجل التوغل في إرثنا الرياضي لعمق أكبر. على سبيل المثال، في دراسة نُشِرت في مجلة نيتشر في أبريل الماضي، وجد بروس ليون — إخصائي علم البيئة السلوكي بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز — أن طائر الغر البري يستطيع عد البيض في أعشاشه (المجلد ٤٢٢، صفحة ٤٩٥)، وبعد ذلك يتخلص من البيض الغريب الذي تضعه طيور أخرى في محاولة لتخفيف حمل مسئوليات الأبوة، وإضافة المزيد من بيضه للتعويض. يقول ليون: «كانت هذه واحدة من الدراسات القليلة جدًّا التي تُظهر العدَّ في الحيوانات البرية في مقابل العد في البيئة المعملية؛ ومن ثم فإنها تربط بين العد وبين السبب الذي يقومون بالعد لأجله.»

أما الخطة التالية لأولر، فهي تكرار دراستها التي أجرتها على السلمندر، ولكن هذه المرة مع الجمبري وكرات الطعام، لترى إن كانت القشريات ستختار تلقائيًّا المجموعة التي تضم عددًا أكبر من كرات الطعام — تمامًا مثلما يفعل رضيع الإنسان والرئيسيات والسلمندر — أم لا. وتقول أولر: «إنني أنتقل من نوع بيولوجي إلى نوع أدنى منه، لكننا لم نصل بعدُ إلى مملكة الحشرات.» وتضحك أولر قائلةً: «وقد اقترح زميل لنا تجربة الصراصير — مع وضع قطعتَي خبز على يسار الصرصور وثلاث قطع على يمينه — لكننا لم نصل لهذه المرحلة حتى الآن.»

قوة العزلة الاجتماعية

إن صورة عالم الرياضيات المنغلق على نفسه صورة شائعة، وإن كانت مبالغًا فيها، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أنه في الطبيعة، لا تجتمع المهارات الرياضية ومهارات التواصل الاجتماعي، إلا فيما ندر.

يقول روبرت شوميكر؛ من محمية آيوا لتعلم الرئيسيات في دي موين: «يحاول إنسان الغاب حل المسائل الرياضية بطريقة مختلفة كثيرًا عن الشمبانزي والبشر أو حتى السلمندر.» ويعتقد روبرت أن الضغوط الاجتماعية قد تفسر سبب تطور تلك الفوارق الدقيقة في المهارات العددية بين الأنواع المختلفة.

ضبط النفس هو أحد أقوى الأمثلة المعبرة على ذلك؛ لنَقُل إنك تقدم لحيوان كميتين كبيرتين من طعام يصعب مقاومته، مثل حلوى الجيلاتين المغطاة بالسكر. وإذا اختار الحيوان الكمية الأقل، فإنه يحصل على مكافأة أكبر. إن اختيار هذا التعويض المتأخر يتطلب قدرًا كبيرًا من ضبط النفس؛ وإنسان الغاب يستطيع ذلك، فيما لا يستطيع الشمبانزي القيام به.

تمكنت سالي بويسن — إخصائية علم الرئيسيات في جامعة ولاية أوهايو بكولومبس — من تدريب الشمبانزي على القيام بكل شيء آخر تقريبًا يمكن تخيله؛ يتضمن التعامل مع الأعداد، لكن اختيار كمية أقل من الطعام شيء لا تستطيع الحيوانات القيام به. تقول بويسن: «ولو أنني وضعت أمامهم رموز الأعداد بدلًا من الحلوى، ما كانت ستصبح لديهم أي مشكلة في الإشارة إلى العدد «٢» بدلًا من العدد «٥» على الفور. لقد كانوا يعرفون القواعد، لكنهم لم يستطيعوا الامتناع عن اختيار الأشياء الملموسة. يبدو الأمر وكأن الرمز العددي قد حرَّرهم من ذلك المبدأ البيولوجي.»

إن الشمبانزي حيوان اجتماعي للغاية، يتنافس باستمرار على الموارد، وقد يكون مجبولًا على اختيار الكميات الأكبر حين يتعلَّق الأمر بالطعام، بغض النظر عما يقوله المدربون. وتذكُر بويسن كذلك أن قرد الريسوسي والسعدان المقلنس يعانيان نفس المشكلة، وكذلك السلمندر والحمام.

على الناحية الأخرى، يستطيع إنسان الغاب اختيار الكمية الأصغر من بين كميتين دون أي مشاكل على الإطلاق، حسبما يذكر شوميكر. وعلى النقيض من الشمبانزي، يميل إنسان الغاب إلى قضاء كثير من الوقت وحيدًا. ويقول شوميكر إنه بدون الضغط المفروض على الشمبانزي من أجل التنافس، قد يتمكن من التحكم في عقله وأفعاله بنحو أفضل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.